أغلقتُ خلفي البابين الثقيلين المزدوجين ، فخفتَ صخبُ الحانة وضجيجُ القوم في الطابق السفلي بشكلٍ ملحوظ. دُهشتُ للحظة ؛ فقد كان البابان ثقيلين ، لكنني لم أظن أن بمقدورهما حجب كل ذلك الضجيج بتلك الدرجة.
ما زلتُ أسمع أصوات الزبائن في الأسفل ، وزقزقة العصافير في الخارج ، وحتى ذلك الرجل الذي يصرخ مُنادياً بأسعار تفاحه. و لكن وللمرة الأولى في حياتي... ورغم قربهم الشديد مني ، بدت أصواتهم بعيدةً للغاية.
هل هذا... سحرٌ لعزل الأصوات ؟
"لقد لاحظتَ الأمر فوراً ، أليس كذلك ؟ " صدى صوتٍ تردّد داخل الغرفة.
وجّهتُ نظري ببطء نحو الأمام.
كانت تجلس بجوار النافذة سموُّها "مُنيث " أو كما تقتضي قصتها المفتعلة "مونيكا ".
كانت ترتدي عباءةً صفراء زاهية ، نصف شفافة ، فوق قميصٍ بسيط من الكتان الأبيض. اختفى شعرها الفضيّ الأيقوني ، وحلّ محله لونٌ أشقر بلاتيني -ربما مصبوغ- مربوطٌ بإهمال في ذيل حصان كثيف بشريط أصفر بسيط. وبدت في ظاهرها كابنة تاجرٍ ثري أو طفلة بارونٍ مغمور ؛ فقد كانت تُخفي أصلها الملكي ببراعة.
كانت تجلس على كرسي متين من الخشب الداكن ، مائلةً بجسدها على الطاولة ، تسند ذقنها براحة يدها. حيث كانت عيناها حادتين ومليئتين بالفضول ، مع ابتسامةٍ صغيرة ارتسمت على شفتيها.
"آه ، فيت! من الرائع رؤيتك! " قالت ، وقد تحوّل صوتها فجأة إلى نبرتها المعتادة المرتفعة والمرحة. "أنا سعيدة لأنك أتيت أخيراً! أفترض أن الرحلة كانت مريحة ؟ "
تمالكتُ نفسي ، وحافظتُ على وجهٍ هادئ وقبضةٍ محكمة على الحقيبة.
الإجابات التي كنت أبحث عنها قد تكون جالسةً أمامي مباشرة. فلم يكن بإمكاني تحمّل التوتر الآن.
الكمين الذي نصبته لي في تلك الصفحات المشفّرة كان فخاً ، نعم ، لكنه كان أيضاً معلومةً حقيقية. أخبرتني الرسالة أنها تعرف ما أبحث عنه ، وهذا يعني أيضاً أنها تمتلك ما أصبو إليه. لم أكن لأنصرف من هذا اللقاء خالي الوفاض.
في كل لقاءٍ سابق كانت هي من تقودني ، بل وتجرني حرفياً من معصمي إلى عربتها الملكية. و لكن إن أردتُ معرفة الحقيقة حول "موهبتي " فلا يمكنني السماح لها بزمام المبادرة هذه المرة. و إذا كان لا بد من تحقيق النصر ، فيجب أن أجبرها على اللعب وفق شروطي.
"كانت العربة مريحة جداً ، آنسة مونيكا " قلتُ بابتسامةٍ مشرقة ، ثم توجهتُ إلى الكرسي المقابل لها وجلست.
وضعتُ حقيبة الروايات على طرف الطاولة بصوتٍ مكتوم. وبعد أن استخرجتُ الكتب واحداً تلو الآخر وصففتها فوق بعضها ، استرخيتُ في مقعدي.
كانت عينا مُنيث تتابعانني أثناء تفريغ كتبها طوال الوقت. بعثت ابتسامتها الثابتة قشعريرةً في جسدي ، لكنني حافظتُ على ثبات يديّ تحت الطاولة.
"هل استمتعتَ بالمجلد الثالث يا سيد فيت ؟ " سألتني. "لقد كتبته بعنايةٍ فائقة ، أتعلم ؟ "
"الاستمتاع " كلمةٌ قوية ، بالنظر إلى أن معظم المجلد الثالث كان... متسرعاً بعض الشيء. بصراحة كان أشبه بمنشورٍ تحذيري ضد الهروب للزواج أكثر من كونه رواية. حيث كان يساورني شعورٌ قوي بأن الحبكة الفعلية أصبحت أولوية ثانوية في اللحظة التي قررت فيها دسَّ رسالةٍ مشفّرةٍ في طياته.
لقد أرادت مني قراءة ذلك النص الخفي ، وأرادت ذلك على عجل. إيقاعها المتخبط فضح أمرها ؛ كانت في عجلةٍ من أمرها ليحدث هذا اللقاء.
أدركتُ حينها أن هناك شيئاً تريده مني بشدّة. قد لا أعرف ماهيته بعد ، لكنني سأتأكد من استغلاله لصالحي.
"الروايات مكتوبةٌ بشكلٍ جيد يا آنسة مونيكا. و لكن... أعتقد أن كلينا يعرف أننا لسنا هنا لمناقشة الحبكة. "
"ألسنا كذلك ؟ " قالت مُنيث ، متظاهرةً بالحيرة. اعتدلت في جلستها ثم مالت بظهرها إلى الوراء ، بينما ظلت ابتسامتها قائمة. "عن ماذا سنتحدث إذاً ؟ "
أتريدين مني أن أبدأ الهجوم أولاً ، هاه ؟
إنه كمينٌ حقاً.
لكنني سأبتلع الطُّعم.
"منذ وقتٍ ليس ببعيد... عثرتُ على تقريرٍ قديم لرموز الأثير. "
ضاقت عينا مُنيث واتسعت ابتسامتها ، وظلت صامتةً بينما واصلتُ حديثي.
"ذكر التقرير أن الشخص المعنيّ في التحقيق... لم يكن يمتلك سوى رمزي موهبة فقط " قلتُ ، مائلاً بجسدي قليلاً للأمام ومثبتاً يديّ على الطاولة الخشبية الداكنة.
"أوه ، حقاً ؟ " تمتمت مُنيث. و حيث بقيت نبرتها غير مبالية ، لكن نظراتها استقرت على نظراتي ككاسرٍ يراقب فريسته.
"ذلك الشخص... كان أيضاً من خارج حدود (سيتوس). ولديّ شكٌ قوي في أن هذا الشخص ذو مكانةٍ رفيعة " تابعتُ ، رافضاً السماح لها بصرف نظرها. "وبالنظر إلى أن تاريخ التقرير يعود إلى عشرين عاماً تقريباً... "
تركتُ الكلمات معلّقةً في الهواء الساكن للحظةٍ أخيرة مشحونة.
"ذلك التقرير... يتحدث عنكِ ، أليس كذلك ؟ "
في اللحظة التي استقر فيها سؤالي ، شعرتُ وكأن العالم بأسره خارج هذه الغرفة قد توقّف. تلاشى صوت الزبائن في الأسفل ، وتوقفت العصافير عن الزقزقة ، وساد الهدوء في السوق.
بقيتُ مثبتَ النظر على عينيها ، أتحسّب لتوهجٍ مفاجئ للسحر ، أو نفيٍ قاطع ، أو تهديدٍ مميت.
بدلاً من ذلك ارتجفت زاوية فم مُنيث.
ثم ضحكت.
لم تكن تلك القهقهة المرحة المرتفعة التي تطلقها "مُنيث " ولا الضحكة التي تستخدمها لدورها التنكري. حيث كان صوتاً خفيضاً ، صادقاً ، ومُسلياً بعمقٍ يتردد في حنجرتها.
"تقريرٌ قديمٌ لي تسرّب إلى (سيتوس) ، يعود تاريخه لعقدين من الزمان... " تمتمت ، بنبرةٍ حادة ومليئة بالتسلية.
سخرت وهي تهز رأسها ، وعيناها الحادتان تمسحان وجهي. "يا للعجب ، يجب أن أعترف يا فيت... لقد تجاوزتَ توقعاتي. فكنت أعلم أنك تبحث عن إجابات ، ولكن أن تنبش سجلاً دُفن عني ؟ أتساءل حقاً كيف وصلت يداك إلى تلك الورقة القديمة. "
ودون انتظار إجابة ، دفعت كرسيها إلى الوراء. احتك الخشب الداكن بالأرضية الخشبية حين وقفت. مشت نحو النافذة الصغيرة ، وأدارت ظهرها لي. التقطت عباءتها الصفراء نصف الشفافة ضوء الشمس الشاحب المار عبر الزجاج ، لتحدد ملامح ذيل حصانها الأشقر البلاتيني المصبوغ.
حدقت في الحي السفلي ، بينما استقرت أصابعها بخفة على العتبة الخشبية.
"لمدة أربعة وعشرين عاماً " بدأت بصوتٍ خفيض ، تخلّت فيه عن تلك النبرة الحادة ، وغلّفه شعورٌ مفاجئٌ بفراغٍ واسع. "لمدة أربعة وعشرين عاماً طويلةً ومؤلمة... عشتُ في هذا العالم وحيدةً تماماً. محاطةً بملايين البشر الذين يعشقونني ويحترمونني ويُفضّلونني. ومع ذلك كنت أشعر دائماً بأنني... وحيدةٌ تماماً. "
أطلقت زفيراً صامتاً بينما استمرت عيناها في تتبع الشوارع السفلية.
"منذ أن فتحت عينيّ على الدنيا ، كنت أعرف كيف يُفترض لهذا العالم أن يعمل. كيف تتدفق الأمور ، وكيف يجب أن تُنجز. و لكن أينما نظرت... لم أرَ سوى أناسٍ يعيشون بسعادةٍ داخل آلةٍ محطمة. "
التفتت برأسها قليلاً ، تنظر إليّ من فوق كتفها. حيث كان القناع المرح قد تلاشى تماماً. حيث كانت شفتاها مستقيمتين ، وعيناها محنتين. بدت جادةً وهي تشتبك بنظراتها مع نظراتي.
"الأمر أشبه بمراقبة سربٍ من الطيور تحاول الطيران بجناحٍ واحد ، أو سمكٍ يتخبط على أرضٍ يابسة ، مقتنعٌ تماماً بأن اللهاث من أجل التنفس هو كل ما ينبغي أن تكون عليه الحياة. هم حتى لا يدركون أنهم يختنقون. " أطلقت سخريةً خاليةً من المرح. "أمرٌ مضحك ، أليس كذلك ؟ "
لم أبدِ أي رد فعل ، بل حاولتُ جاهداً فهم مقصدها.
"لمدة أربعة وعشرين عاماً ، كنت أبحث عن طريقةٍ لكسر تلك الوحدة. العزلة التي تأتي من فهم ما لا يفهمه الآخرون " تابعت وهي تستدير بكامل جسدها لتواجهني. "والآن... ولأول مرة في حياتي... أشعر وكأنني لم أعد وحيدة. "
خطت خطوةً بطيئة ومدروسة عائدةً نحو الطاولة حتى ملأ حضورها الغرفة الصغيرة. رفعت يداً نحيلة ، وأشارت بإصبعٍ واحدة مباشرة نحو صدري.
فتحت فمها ، لكن الكلمات التي انسكبت منها لم تكن باللغة الدارجة:
"أنت... يا من تستطيع سماع ما لا يسمعه الآخرون. هل تشعر بالأمر نفسه ؟ "