كانت عطلة نهاية الأسبوع قد بدأت للتو. فلم يكن لدى "فيت " أي ارتباطات ، لكن "كارين " كانت لديها. بيد أنَّ طبيعة المهام اليوم كانت أكثر تعقيداً وتطلباً ، لذا وجدت نفسي عاجزاً عن الاستغراق في النوم وعيناي مفتوحتان هذه المرة.
ومع ذلك لم يكن الأمر كافياً لأفقد تركيزي تماماً عما كان يفعله "فيت ".
بصفتي "فيت " كنت أقف عند البوابة الجنوبية للأكاديمية أنتظر بوجل تحت أشعة الشمس اللافحة ، قابضاً على حقيبة ثقيلة نسبياً بيد واحدة ، بينما أُسرح بصري في الطرقات المرصوفة التي كانت تبدو خالية ونظيفة.
ثم ومن بعيد ، وصل إلى مسمعي صوت تدحرج عجلات عربة بانسيابية. حيث كان الصوت يتعالى ويقترب مع كل ثانية تمر.
التفتُّ لأجد العربة التي كنت أترقب قدومها بقلق.
كانت تبدو شديدة التواضع ، مطلية بلون داكن غير لامع ، خالية من أي شعارات عائلية أو زخارف مبهرجة أو نقوش ذهبية قد تجذب الأبصار. حيث كانت تشبه وسائل النقل التقليديه لتاجر ميسور الحال أو نبيل من طبقة أدنى. و لقد كانت نقيضاً تماماً لآخر عربة زُجَّ بي داخلها.
استمرت العربة في حركتها المنضبطة قبل أن تبدأ في التباطؤ ، متوقفةً بأنينٍ خافت تماماً عند البوابة.
وحقيقة أنَّ العربة توقفت والباب محاذٍ لي تماماً كانت شهادة على مدى براعة الحوذي وتدريبه ؛ فقد كان التوقف دقيقاً للغاية.
للحظة لم يحدث شيء. و حيث بقيت واقفاً مكاني ، أفكر ما إذا كان يتوجب عليَّ أن أكون أنا من يبادر بالاقتراب من العربة. ألا أكون مغروراً أكثر من اللازم حين أظن أنهم سيرسلون مرافقاً لاستقبالي ؟
قبل أن يتمكن الشك من التسلل إليَّ أكثر ، انفتح باب العربة بنقرة خفيفة وانزلق بسلاسة ، وخرج منه شخص واحد.
كان يبدو في غاية الوسامة والجمال كما عهدته... إنه "رين " المرافق الشخصي للأميرة "مونيث ".
مرتدياً بدلة تفصل قوامَه بدقة ، ليست ضيقة فتُحرج ولا فضفاضة فتُهمل ، وشعر طويل مصفف بعناية في ذيل حصان منخفض يستقر على كتف واحد. حيث كان "رين " يبدو في أبهى هيئة كما هو الحال دائماً.
"إنَّ أحدهم ينافس 'ليلى ' في حسنها. "
قال "رين " بصوتٍ رخم ومهذب "السيد 'فيت ' ، لقد جئتُ لأصحبك إلى لقائك. تفضل من فضلك ". كانت آثار النظرات الحادة التي رماني بها في المرة السابقة قد تلاشت ، سواء في عينيه أو في كلماته. تساءلتُ حينها ، هل كان هذا مجرد أداء مهني بحت ، أم أنني كنت أتوهم ؟
أشار "رين " نحو داخل العربة الخافت الإضاءة ، متنحياً جانباً ليفتح لي الطريق.
جرعتُ غصتي ، وأومأت برأسي ، وأجبرت قدماي على الحركة. اتخذت خطوات بطيئة وموزونة ، محاولاً إظهار شيء من رباطة الجأش.
صعدت الدرجات الصغيرة ، وولجت إلى الداخل ، ثم غصت في المقاعد المخملية الوثيرة. حيث وضعت حقيبتي على حجري وأمسكتها بإحكام بينما استقررت في مقعدي.
بالنظر حولي كان جلياً أنَّ هذه لم تكن نفس العربة الملكية التي استخدمتها "مونيث " لاختطافي عملياً في المرة السابقة.
لكن ، وبالرغم من مظهرها الخارجي البسيط كان الداخل يشعرك وكأنك في حصنٍ متحرك. حيث كانت الإطارات الخشبية سميكة ومدعمة بأقواس حديدية ، والنوافذ مغطاة بما بدا أنه زجاج ثقيل. و كما كانت مجهزة بخزانة مشروبات صغيرة وفاخرة مدمجة في الجانب.
راودني شعور بأنَّ هذه العربة ليست سوى قطعة أخرى من مقتنياتها الخاصة المخصصة للشؤون السرية والآمنة.
تبعني "رين " إلى الداخل بعد فترة وجيزة ، وانغلق الباب الثقيل خلفه محدثاً دوياً مكتوماً. ودون أن ينبس ببنت شفة ، التفت وطرق بـ كنيوسكليس (مفاصل أصابعه) بقوة على النافذة الخشبية للحوذي خلفه. وبعد لحظات ، صهلت الأحصنة ، ودبت الحياة في العربة مجدداً....
هممم...
الأجواء مريبة.
لم ينطق "رين " بكلمة واحدة منذ أن بدأت العربة رحلتها قبل دقائق. حيث كان يجلس قبالتي ، في وضعية مثالية ، يحدق للأمام بتعبير يصعب سبر أغواره. لم يخرج منه حتى حرف واحد لأحلله.
كان بوسعي سماع تنفسه ؛ كان هادئاً. فلم يكن تنفساً طبيعياً ، بل تنفساً منضبطاً بمهنية عالية. استطعت أن أجزم أن "رين " من أولئك الأشخاص الذين يمتلكون قدرة على تنظيم ضربات قلوبهم أو ما شابه.
وبعيداً عن الأجواء المريبة كان الحر يزداد بشكل لا يطاق. فالشمس الحارقة في الخارج كانت تحول هذا الصندوق الخشبي الفاخر إلى "حمام بخار متنقل " وبدأت أشعر بطبقة رقيقة من العرق تتشكل على جبيني.
تحركت قليلاً في مكاني ، أحاول إيجاد بقعة باردة على المخمل الوثير ، لكنها كانت معركة خاسرة.
لمحت "رين " بطرف عيني ، متوقعاً رؤية أي أثر للانزعاج ، لكن لا شيء على الإطلاق. ولا قطرة عرق واحدة. بشرته لا تشوبها شائبة ، شعره في مكانه تماماً ، وتلك البدلة الأنيقة تبدو ناصعة كما كانت عند خروجه أول مرة. بحق السماء ، كيف يكون هذا ممكناً فيزيائياً ؟ هل ألقى ساحرٌ تعويذة تبريد على تلك البدلة ، أم أن طبيعة تكوينه مختلفة ؟
وفجأة ، تحرك "رين ".
ببراعة انسيابية ، مد يده نحو خزانة المشروبات المدمجة ، وفتحها بنقرة ناعمة ، واستخرج كأساً زجاجياً شفافاً.
سأل "رين " "هل ترغب في مشروب ، سيد 'فيت ' ؟ ".
ما أنت ؟ أتقرأ الأفكار ؟
لكن نعم ، بكل تأكيد ، شكراً لك.
أومأت برأسي إيماءه خفيفة وقلت "نعم من فضلك ، القليل من الماء سيكون رائعاً ".
"علمت. "
صب "رين " سائلاً شفافاً من زجاجة في الكأس ، وكان قرقعة مكعبات الثلج الخافتة تبدو كأنها موسيقى تُعزف لأذنيَّ. ناولني الكأس ، فأخذته برفق ، متبعاً الإتيكيت اللائق كما فعلت.
ارتشفت منه ، مستمتعاً بالماء البارد وهو ينساب في حلقي الذي جفَّ قليلاً. حرصت على إنهاء المشروب قبل أن أضع الكأس في الحامل المخصص له بجانب المقعد.
بمجرد أن استقر الكأس في مكانه ، تغيرت وضعية "رين ".
تمتم "رين " وكأنه يخاطب نفسه أكثر من مخاطبتي ، رغم أن عينيه الحادتين التقطتا عينيَّ بسرعة "أنت تتقن الإتيكيت... هل تلقيت تدريباً على ذلك يا سيد 'فيت ' ؟ وإلى أي مدى ؟ "
تجمدت قليلاً في مكاني. آخر ما أردت قوله هو أنني كنت أقلد ما في ذاكرة "كارين ". لكن لكي أكون عادلاً ، لقد دربتني "الأم " على الأساسيات بينما كنت تحت "رعايتها " الشخصية.
أجابت بثقة "لقد دربتني الدوقية 'ساريد ' شخصياً تحضيراً لمنصبي المستقبلي كحارس شخصي للسيده 'كارين '. وأعتقد أنني يمكنني تمرير نفسي كنبيل من طبقة دنيا على أقل تقدير ".
حدق "رين " فيَّ للحظة ، وكأنه يحلل كلماتي ، قبل أن يقرر على ما يبدو تجاوز الأمر. وعندها فقط انتقل إلى صلب الموضوع.
بدأ "رين " وهو يستخرج ورقة من حقيبته النحيفة بجانبه ، وناولني إياها "جيد إذن. والآن ، بخصوص تفاصيل لقائك... ".
"ما هذا ؟ "
بدأت في قراءتها بينما شرع "رين " في شرح المحتوى.
"لقد رتبت سمو الأميرة أن يكون المكان في مطعم خاص في الحي السفلي. ولتجنب أي لفت للأنظار ، ستكون الأميرة 'مونيث ' متنكرة. و كما سيتمركز حراسها الشخصيون في أرجاء المكان ، متخفين بالمثل. "
أومأت ببطء وأنا أقرأ الورقة. حيث كانت الورقة تتضمن تفاصيل أكثر بكثير من شرح "رين " مثل اسم المطعم وغيرها. و لكنني كنت أتساءل:
لم يتم أخذ الأمر على محمل الجد بهذا الشكل ؟
أعني ، من البديهي أننا لا نستطيع اللقاء في القصر... لكن مع ذلك...
تابع "رين " بصوت أكثر انخفاضاً "علاوة على ذلك فقد طلبت سموها صراحةً أن تتخلص من البروتوكولات الملكية للحفاظ على المظاهر. عليك أن تعاملها ببساطة كصديقة ".
اتسعت عيناي.
صديقة ؟!
أتقول لي أن أتصرف بكل عفوية مع خطيبة الأمير الأول ؟!
فتحت فمي لأرد ، لكن "رين " لم ينهِ كلامه بعد.
وأضاف "هذا طلبها هي. أما بالنسبة لطلبي أنا... فأنصحك بشدة أن تتذكر مكانتك يا سيد 'فيت '. لا تخلط بين تساهلها معك وبين الامتياز. لا تتجاوز الحدود. هل مفهوم ؟ "
سرت قشعريرة في عمودي الفقري.
"ن-نعم! مفهوم ، آه... " تلاشت كلماتي ، متسائلاً كيف ينبغي لي أن أنادي "رين ".
تنهد "رين " تنهيدة خفيفة ، وقال "بيلروز. و يمكنك مناداتي بهذا الاسم ".
بيلروز ؟
أهذا هو اسم "رين " المستعار ؟
أم لعلَّه اسمه الحقيقي ؟
"تذكر ، امتنع عن استخدام أي ألقاب طوال فترة اللقاء. نادني فقط 'بيلروز ' إذا لزم الأمر. "
"ن-نعم ، بيلروز! "
بعد أن أُلقي التحذير ، غرقت العربة مجدداً في صمت ثقيل ومطبق لم يقطعه سوى صخب العاصمة البعيد ، وقع حوافر الأحصنة المنتظم ، وقرقعة العربة الإيقاعية.
غيرت طريقة إمساكي بالحقيبة الثقيلة ، ضاغطاً بها بقوة على حجري مرة أخرى.
لم يكن بداخلها أسلحة أو بضائع مهربة أو أي شيء من هذا القبيل. حيث كانت مجرد كتب ، وتحديداً سلسلة الرواية الرومانسية المكونة من ثلاثة أجزاء التي كتبتها الأميرة "مونيث " بنفسها وأهدتني إياها. "حب هادئ ".
القول بأن لديَّ أفكاراً حول هذه القصة سيكون تقليلاً كبيراً من شأنه. حيث كان لدي عدة كلمات لوصفها... معظمها محير ، وبعضها مقلق ، وكلها مجرد أسئلة لا يمكن لأحد سواها أن يجيب عنها.
ففي نهاية المطاف ، وبحلول الجزء الأخير ، بدأت قصتها تفقد هويتها كقصة لتصبح أشبه برسالة سرية تنتظر فك شفرتها.
والسبب الوحيد لوجودي في هذه العربة الآن ؟
هو أنني تمكنت من فك تلك الشفرة.
ولكن هذه الحزمة من الأسئلة حول كتبها لم تكن الشيء الوحيد الذي يثقل كاهلي. حيث كان هناك سر أكبر وأثقل بكثير يحرق أفكاري.
كنت بحاجة لاكتشاف الحقيقة. فكنت بحاجة لأعرف ما إذا كانت الأميرة "مونيث " هي الشخص نفسه تماماً المذكور في سجل "الموهبة " القديم الذي وجدته في الأرشيف الملكي. فإذا كانت هي... فقد تكون الشخص الوحيد الذي يمكنه –نأمل– حل لغز "رموز موهبتي ".
وبناءً على الرسالة التي خبأتها بين تلك الصفحات ؟
كانت هي بلا شك.
أو... ربما كانت تتلاعب بي ، وأن كل هذا الإعداد المتقن ليس سوى طُعم ذكي.
في هذه المرحلة لم يكن الأمر سوى واحد من بين العديد من الأسئلة والفرضيات التي تدور في رأسي. لن تكون هناك إجابات قاطعة... ليس قبل أن أقابلها وجهاً لوجه.
أخذت نفساً عميقاً وهادئاً ، أحاول تهدئة أعصابي. و نظرت من نافذة العربة بينما بدأت طرقات الأكاديمية النظيفة تتلاشى لتفسح المجال لشوارع الحي السفلي الصاخبة وغير المألوفة.
حصنتُ نفسي لما هو قادم.
سواء أكانت "مونيث " صديقة أم عدوة ، فأنا على وشك أن أعرف الحقيقة.