انفتح بابي بصريرٍ خافت لم يفلح في تهدئة ذلك الرنين المزعج في أذنيّ.
أمسكتُ بحقيبتي بإحكامٍ شديد حتى شحب لونا مفاصلي ، وأنا أشق طريقي عبر ردهة مسكني.
هناك ، التقيتُ بـ "نينا " خادمتي الشخصية التي كانت تحمل كتاباً مجلداً بالجلد الأحمر.
- "صباح الخير يا سيد نيكولاس. إليك واجب مادة التاريخ ؛ لقد أنهيته وفقاً للمعايير... "
تجاوزتها مسرعاً ، وانتزعت الكتاب من يديها بعنف ، كدتُ أصطدم بذراعيها من شدة الاندفاع. خفت صوت خادمتي ، وحل محله صوت خطواتها المتسارعة وهي تحاول جاهدة الحفاظ على وتيرة محترمة خلفي.
- "اترُكيني وشأني " أمرتُها.
توقفت في مكانها ، وسمعتُ حفيف ثيابها وهي تؤدي ما افترضتُ أنه انحناءة عميقة.
في المعتاد ، كنتُ أسمح لها بقراءة جدولي بينما أتوجه إلى المبنى الرئيسي ، لكن اليوم ، مجرد رؤيتها جعلت قشعريرة تسري في جسدي.
في كل مرة أغمض فيها عينيّ ، أرى ذلك اليوم.
أرى الطريقة التي نظرت بها "كارين " إلينا... أو ربما ، الطريقة التي نظرت بها من خلالنا. ذلك الازدراء البارد الذي طالما أعجبتُ به ، والذي تمنيتُ لو أن كل نبيلٍ يتمتع بالكرامة يتقنه ، قد وُجّه نحوي كخنجرٍ مسموم.
كيف...
كيف سارت الأمور بهذا السوء ؟
كنتُ قد دعوتها لدردشة قصيرة حول الشاي بخصوص الوضع الحالي للأكاديمية ، لكنها لم تكتفِ بالامتناع عن إبداء أي رأي ، بل كان همها الوحيد هو الاستفسار عن البطولة. وحتى لو كان ذلك هو سبب مجيئها ، فقد كان من البديهي لأي شخص أن يكسر حدة التوتر ببعض الأحاديث الجانبية.
لكنها لم تتفاعل أبداً. جلست هناك كالتمثال المصنوع من الجليد.
بالنظر إلى الوراء كان ينبغي أن يكون ذلك مؤشراً ؛ مؤشراً أوضح من سماء الصباح اليوم.
حين غادرت مجلسنا فجأة ، سمحتُ لنفسي لفترة وجيزة أن أظن بأنني و "أليشيا " قد أثقلنا عليها بملاحظاتنا ، لكن لا كان رحيلها جزءاً من مخططها منذ البداية.
لقد سارت بخطى حازمة نحو خادمها ، ذلك القذر الذي سمّته مرافقاً لها. وحين وصلت إليه... لطخت سمعتها طوعاً في الوحل فقط لتدافع عنه في وجه أدلة مادية ملموسة... وتمكنت بطريقة ما من إقناع الجميع...
لكن ما أثار غضبي أكثر من أي شيء... هو التقرير الذي قدمه لي "ماركوس " لاحقاً ، إذ كشف لي أنها كانت تعلم. و لقد عرفت بخطتنا منذ البداية.
هذا يعني أنه منذ اللحظة التي دعتها فيها "أليشيا " للقائنا... أو ربما قبل ذلك حتى... كانت تعلم أننا نحاول فقط تعطيلها.
كيف ؟
أسأل مجدداً... كيف ؟
ربما لم يكن حصولها على المركز الأول في امتحان القبول مجرد ضربة حظ. ربما تحمل سلالة "ساريد " بالفعل حدساً حاداً كالشفرة. و لقد كان ذلك دليلاً على أن "كارين " كانت ، بالفعل ، قمة هذه الأكاديمية. حيث كانت بالضبط ما أردتها أن تكون. ما سعيتُ جاهداً لأكونه.
ومع ذلك لماذا...
- "لماذا عليها أن تضيع هذا في الدفاع عنه ؟! "
انطلقت الكلمات من حنجرتي وأنا أضرب بقبضتي جدار المسكن. تردد صدى الضربة في الردهة الخالية.
سحبتُ يدي ببطء ومررت كفي على وجهي. حيث أطلقتُ زفيراً ثقيلاً ومضطرباً ، محاولاً استعادة رباطة جأشي ، لكن عينيّ انجذبتا غريزياً نحو الجانب.
هناك ، مثبتاً على حامل خشبي متحرك كانت لوحة الإعلانات الأكاديمية. حيث كانت في كل مكان ؛ في كل ردهة ، عند كل مدخل للمساكن ، وفي كل زاوية من أرجاء الحرم الجامعي. لا يهم أين تتواجد في الأكاديمية ، فستصادف واحدة منها في نهاية المطاف.
وهناك ، بخط أسود عريض لا يعرف الاعتذار كانت الورقة التي طاردتني منذ تعليقها صباح أمس.
أربعة أسماء ، مدرجة ليراها الجميع في الأكاديمية.
حدقتُ في الورقة.
—
إشعار بإجراء تأديبي:
بسبب تزوير تقرير كاذب ومحاولة تشويه اسم طالب آخر ، سيتم تأديب هؤلاء الطلاب على النحو التالي:
- نيكولاس من عائلة "نيد " (السنة الثانية ، المتفوقون): نقل فئة إلى السنة الثانية ، فصل الثيران.
- رافيليننا من عائلة "لوريدين " (السنة الأولى ، المتفوقون): نقل فئة إلى السنة الأولى ، فصل الجاموس.
- ماركوس من عائلة "موريد ": إيقاف عن جميع الأنشطة الأكاديمية لمدة شهر.
- أليشيا من عائلة "باريد ": إيقاف عن جميع الأنشطة الأكاديمية لمدة شهر.
أي محاولات أخرى لتقويض ميثاق نزاهة الفرسان الملكيين ستؤدي إلى طرد فوري.
توقيع ،
مدير العلاقات العامة
—
حتى بعد قراءته للمرة الثانية عشرة... قلبي رفض ببساطة تصديقه.
كانت فئة المتفوقين ملاذ النخبة ، المكان الذي أنتمي إليه ، المكان الذي كان مقدراً لي أن أكون فيه. ومع ذلك في ليلة واحدة... سُلبت مني.
لم يكن تغيير الفئة مقرراً حتى الأسبوع القادم ، ومع ذلك في كل مرة كنت أمر فيها بشخص أعرفه... سواء في الفئة أو في الردهات ، كنت أعلم يقيناً من أعينهم أنهم يشفقون عليّ ، أو ربما يسخرون مني.
بعد أخذ نفس عميق ، شققت طريقي ببطء خارج مسكني وتوجهت إلى المبنى الرئيسي. حاولت إبقاء رأسي مرفوعاً ، لكن كل نظرة تُلقى نحوي... كانت تشعرني وكأنها لسعة....
حين دخلت المبنى الرئيسي ، ازدادت النظرات حدة. حاولت إقناع نفسي بأنني أقوى من هذا. فكنتُ "نيد " فخوراً. فكنت مصنوعاً من مادة أصلب من هؤلاء القرود الذين يثرثرون.
صعدت الدرج إلى جزء أكثر هدوءاً من الردهات. طريق التفافي عن أقصر مسار إلى الفصل ، لكنه طريق كنت مستعداً لسلكه من أجل الصمت ، فقط لأحظى ببعض الوقت مع أفكاري.
لو أدخلتُ والدتي في الأمر... لو قدمت التماساً للمجلس... ربما أستطيع قلب الطاولة على...
- "السيد نيكولاس... "
نادى صوت واهن ومرتجف. حيث توقفت في مساري والتفت لأجد "رافيليننا " تقف هناك كانت مفاصل أصابعها شاحبة وهي تقبض على حقيبتها.
- "أخبرني... كل هذا خطأ ، أليس كذلك ؟ " همست وصوتها يتهدج. "سيتم نقلي من فئة المتفوقين الأسبوع المقبل... إذا سمع والدي بهذا... " ارتعشت في مكانها وكأنها تشعر بنهايتها المحتومة. "أرجوك ، أخبرني أنك تحدثت إلى المجلس. أخبرني أنك أصلحت الأمر. "
نظرت إليها ، وللحظة لم أرَ نظيرة لي ، بل رأيتُ علقةً تموت تحاول التشبث بكمي.
- "اخفضي صوتكِ " أمرتها.
- "أرجوك... يجب أن تفعل شيئاً! المدير لا يقبل حتى بمقابلتي! حاولت التواصل مراراً وتكراراً ، لكن أولئك المعلمين قالوا إن القرار نهائي بسبب... "
- "لا تعطيني هذه الأعذار الواهية يا رافي " اقتربتُ منها. "لقد أعطيتكِ دوراً بسيطاً. حيث كان يمكن لطفل أن يؤديه وهو نائم ، لكنكِ وماركوس تعاملتما مع الأدلة ببراعة حصان سكران. "
- "لكننا اتبعنا أوامرك! " شهقت متراجعة وكأنني صفعتها.
- "ألم أقل لكِ اخفضي صوتكِ ؟! " زأرت. "كان كل شيء يسير جيد! حيث كان سيمر دون أي عثرة! لكنكِ وماركوس اضطررتما لإطلاع كارين على خطتنا! "
- "كيف يكون ذلك خطأنا ؟! " قالت بصوت متهدج. "ألم تكن أنت من يُفترض به أن يعطلها ؟ "
- "تلك ليست المشكلة هنا— أوه! " غصصتُ بغضبي ، وكدت أضرب بحقيبتي الأرض. أجبرتُ نفسي على أخذ نفس عميق ، لاستعادة ما تبقى من رباطة جأشي.
التفتُ مجدداً نحو "رافيليننا " لكن الفتاة التي رأيتها لم تكن التي أعرفها. تلك العيون التي كانت تنظر إليّ بوقار التابعة الهادئة قد اختفت ، وحل محلها نظرة غضب صافٍ لا تشوبها شائبة.
يا لها من وقاحة.
نقرتُ بلساني ، منتظراً الاعتذار المحتوم ، أو ذلك التلعثم المثير للشفقة الذي يشير إلى عودتها لمكانتها. و لكن الصمت طال.
حين ظننتُ أنها ستدافع عن نفسها بطريقة مثيرة للشفقة مجدداً ، تراجعت للخلف ، وضيقت عينيها وهي تنظر إليّ.
- "لقد ورطتنا في هذه الفوضى... والآن لا تستطيع حتى تخليص نفسك... " همست ، وضحكة منهكة أفلتت من حلقها. "أنت مثير للشفقة... "
استدارت على عقبيها ومشيت مبتعدة.
وقفت متجمداً ، وفكيّ محكمان.
شددتُ قبضتي على حقيبتي ؛ شعرتُ بالدم يسيل من كفي حيث غرزت أظافري بعمق. و حيث بقيتُ صامتاً ، ليس شفقةً بها ، بل لأنني علمت أنني لو فتحت فمي... فلن تنتهي الأمور بشكل جيد لكلينا.
أجبرت قدميّ على التحرك ، لكن عقلي ظل مشغولاً بكلماتها.
أنا... مثير للشفقة ؟
كلا. و لقد فعلتُ كل شيء بشكل صحيح. و لقد سلمت تقريراً إلى المدير مباشرة عبر شخص موثوق. و لقد كانت تحفة من الأدلة التي كانت يجب أن تؤدي إلى جرّ ذلك الخادم من البوابات مكبلاً بالسلاسل.
لكن في اللحظة التي سمعت فيها خبر قراره بالانحياز لـ "كارين " ورفض تقريري ؟ لم يسعني إلا أن أضحك.
كان الرجل جباناً ؛ مديراً تحول إلى كلب مطيع بمجرد أن لوحت "كارين " بنسبها. لم يرفض التقرير بناءً على الحقائق ؛ بل حكم تحت أوامرها وباسمها. و لقد ضحى بمكانتي لإرضاء امرأة لم تكن تملك حتى أدنى مستويات الكياسة للقيام بالالتزامات المتوقعة لمكانتها الاجتماعية.
كل واحد منهم مثير للشفقة...
رفعتُ رأسي عالياً حين اقتربت من الأبواب الثقيلة لجناح المتفوقين. سأدخل تلك الفئة اليوم مثلك أفعل دائماً.
في عقلي... رددتُ اسمها.
كارين...
كنتُ أعتبرها المعيار الذهبي. القمة. و لكنني أرى الآن أنني كنت مخطئاً. لم تكن هدفاً يُنال ، ولا ركيزة يُطمح إليها. حيث كانت عيباً. فريثة دوقية مستعدة لتلطيخ سلالتها في الوحل من أجل خادم عامي ليست نبيلة ؛ بل كانت خائنة للنظام ذاته الذي أنجبها.
كانت مصدر إزعاج تماماً مثل ذلك الشيء الذي تبقيه بجانبها.
سيأتي يوم تسقط فيه ، اليوم الذي سيراها فيه الجميع على حقيقتها ، خائنة ومحتالة.
وسأحرص على أن يكون سقوطها على يديّ وحدي.