الفصل السادس والسبعون: الذاكرة الثانية
«...ماذا ؟»
تغيرت البيئة المحيطة به تماماً ؛ فقد تلاشت الأحياء الفقيرة ، واختفت المصانع الأسطوانية الشاهقة حتى إيفانجلين لم يعد لها أثر.
كان أدريان يقف في غرفة واسعة إلى حدٍ ما ، جدرانها وسقفها مطليان باللون الأبيض. أمامه طاولة مستطيلة ، وعلى جانبيها كرسيان. جلس على أحد طرفي الطاولة رجلٌ يرتدي معطفاً أبيض طويلاً ويعتمر نظارة ذات إطار مربع.
كانت الغرفة تعجُّ بالعديد من الإطارات المعلقة على الجدران أو المعروضة على الأرفف ؛ وبإمعان النظر ، تبين أن كل تلك الإطارات ليست سوى شهادات اعتماد لعيادة نفسية.
ولكن الأهم من ذلك كله ، أن طراز بناء الغرفة لم يكن من طراز عالمه الجديد ؛ بل كان من عالمه السابق ، الأرض.
«الأمر أشبه بتلك الأيام تماماً».
حين أيقظ أدريان قدرة «الأصل» لديه لأول مرة ، بدا الأمر وكأنه انتقل فجأة إلى كوكب الأرض. حيث كان شعوراً مختلفاً تماماً عما يعيشه كل يوم عند خلوده إلى النوم ، فقد تذكر إحساسه بأنه عاد فعلياً إلى الأرض ، وهو شعور لم يداهمه قط أثناء وجوده داخل ذلك العالم الذهني في منامه....وها هو أدريان ينتابه الشعور ذاته مجدداً.
«لماذا يحدث هذا ثانيةً ؟ بل الأمر برمته يثير الحيرة».
كانت الأحداث تتسارع بشكل جنوني قبل لحظات ، وكان بحاجة إلى وقت لاستيعاب كل ما جرى.
ومع انقشاع سحب الارتباك عن ذهنه ، لاحظ أن ذلك الهياج العصبي الذي كان يعتريه قبل قليل قد تلاشى تماماً ، وأصبح عقله هادئاً كصفحة بحيرة ساكنة.
«بينما أُفكر في الأمر ، فهذا أيضاً أمرٌ مريب».
لم يتذكر أدريان قط أنه شعر بمثل ذلك الهياج في حياتيه كلتيهما ؛ فهو لا يظن أنه شخص قادر على اختبار مشاعر بهذا القدر من الحدة. و كما أنه لم يدرك سبب استفزازه من كلمات تلك الفتاة بتلك الطريقة.
وبغض النظر عن كل شيء ، ألم يكن من المفترض بقدرته «الأصل» أن تكبح جماح مشاعره العنيفة لضمان بقاء حالته الذهنية متزنة ؟
بعد جمع كل هذه الحقائق ، بدا ذلك الهياج -الذي بلغ من الحدة حداً كاد يفقده صوابه- أمراً غير منطقي على الإطلاق.
بعد رصد هذه النقاط ، التفت أدريان حوله لتقييم الموقف.
في تلك اللحظة ، فُتح الباب خلفه ، ودخل شاب ، مما دفع أدريان لوسع عينيه قليلاً.
كان الشاب ذا شعرٍ أشعث يكاد يغطي عينيه ، واستقرت على أرنبة أنفه نظاراتٌ مستديرة وكبيرة. حيث كان وجه الرجل خالياً تماماً من أي تعبير ، بينما مسحت نظراته الباهتة الغرفة ببطء.
لم يستغرق أدريان وقتاً ليعرف الرجل ؛ ففي نهاية المطاف كان ذلك هو ماضي أدريان نفسه. حيث كان هذا الشاب هو «دانيال» في الخامسة والعشرين من عمره.
هذا المشهد ، وهذا المكان ، وتسلسل الأحداث هذا.. كان كله حاضراً في ذاكرة أدريان. حدث ذلك قبل حوالي تسعة أو عشرة أشهر من تناسخه المفاجئ.
عندما استقرت نظرات الشاب على الرجل الذي يرتدي المعطف الأبيض ، قال بنبرة متزنة:
«لقد حجزت موعداً معك في هذا الوقت ، أيها الطبيب. اسمي دانيال».
رفع الرجل ذو المعطف الأبيض -الطبيب- رأسه وابتسم بتهذيب:
«أوه ، بالطبع يا سيد دانيال! كنت في انتظارك. تفضل بالجلوس من فضلك».
تقدم الشاب نحو المقعد ، مما جعل أدريان يتنحى جانباً بشكل فطري ليُفسح له الطريق. وحين جلس ماضيه أمام الطبيب ، التقت نظرات الطبيب بعينيه ، وسأله بنبرة ودودة ومهذبة:
«سيد دانيال ، يساورني الفضول لمعرفة سبب حجزك موعداً مع طبيب نفسي مثلي. همم... بالنظر إلى تلك الهالات السوداء تحت عينيك ، هل تعاني من اضطرابات في النوم ؟ أم أنك تعاني من ضغوط نفسية شديدة ، ربما ؟»
هز ماضيه رأسه بهدوء وأجاب باقتضاب:
«لا أعاني من أيٍ من تلك الأمور».
أمال الطبيب رأسه:
«إذاً ؟»
لكن إجابة ماضيه جعلت تعابير الطبيب تضطرب بشكل غريب:
«أيها الطبيب ، أعتقد أنني مريض عقلياً».
سعل الطبيب وحاول استعادة تماسكه بسرعة ، ثم التقط دفتراً وبدأ بتدوين ملاحظة. و بعد لحظات ، أنهى الطبيب ما يفعله وسأل بنفس النبرة المهذبة السابقة:
«لماذا تعتقد ذلك ؟ سيكون من المفيد لو شرحت لي بالتفصيل».
تحدث أدريان بعد توقف قصير:
«يبدو أنني أعاني من اللامبالاة بدرجة متطرفة جداً. أيها الطبيب ، لا أظن أنني سأتأثر كثيراً لو سقطت ميتاً أمامي في هذه اللحظة بالذات. و أنا... لست متأكداً متى بدأ الأمر ، لكنني أعيش على هذه الحال منذ سنوات عدة على الأقل».
ومضت لمحة من الانزعاج في عيني الطبيب ، لكن ابتسامته المهذبة ظلت مرسومة على وجهه بينما استمر في التدوين وهو ينصت إلى ماضي أدريان.
بعد أن انتهى ، التقت عينا الطبيب بعيني الشاب:
«سيد دانيال ، تقول إنك على هذه الحال منذ سنوات ، ومع ذلك لم تأتِ هنا للتشخيص إلا الآن. لا بد أن هناك حادثة وقعت مؤخراً جعلتك تفكر بهذه الطريقة ، أليس كذلك ؟ إن كان الأمر كذلك فأود معرفة تفاصيل تلك الحادثة».
صمت ماضيه وحدق في الطبيب. ورغم بقاء وجهه بلا تعبير إلا أن نظرة عينيه قد تغيرت ؛ وهي تقبيله يبدو أن الطبيب قد لاحظها أيضاً.
«لا أزال أتذكر بوضوح ما شعرت به في تلك اللحظة آنذاك».
تذكر شعوره بأن الطبيب قد قرأ أفكاره. ومع أنه جاء هنا للتشخيص إلا أنه لم يتوقع أن يخرج بنتيجة تذكر. و لكن هذه كانت اللحظة التي تغيرت فيها أفكاره قليلاً.
بدأ ماضيه في الحديث:
«كان الوقت بعد الثانية عشرة ليلاً قبل ثلاثة أيام ، وكنت عائداً من عملي إلى المنزل. و في طريقي ، شهدت ما بدا وكأنه شجار بين عصابتين محليتين. حيث كانتا تقطعان الطريق ، لذا انتظرت حتى ينتهيا ، لكن الشجار أخذ يحتدم حتى قُتل اثنان بالرصاص ، ووصل رجال الشرطة إلى المكان».
توقف قليلاً ، ثم تابع بعد أن أطلق زفرة:
«استجوبني رجال الشرطة ، ورويت لهم كل ما شهدته. و لكنهم فجأة اعتقلوني بتهمة تقديم شهادة زور ؛ فقد قالوا إنني كنت هادئاً للغاية بالنسبة لشخص شاهد جريمتي قتل أمام عينيه مباشرة. لم يُطلق سراحي إلا بعد أن فحصوا تسجيلات كاميرات المراقبة في المنطقة».
للحظة لم ينطق الطبيب بكلمة. كلا ، بل بدا وكأنه عجز عن الكلام ، وكأن الكلمات قد خانته. و لكنه سرعان ما استجمع قواه بعد ذلك:
«سيد دانيال ، يبدو أنك مررت بـ... الكثير. إن لم تكن تمانع ، هل لك أن تخبرني بما تعمل لكسب عيشك ؟»
أجاب ماضيه بنبرة مستوية:
«أعمل مديراً للموارد البشرية في شركة خاصة».
بعد ذلك شرع الطبيب في طرح الكثير من الأسئلة ؛ أسئلة حول الظروف العائلية ، والدائرة الاجتماعية ، والروتين اليومي ، وأشياء أخرى كثيرة.
في تلك الأثناء ، تحول تركيز أدريان إلى الغرفة نفسها ، وبشكل أدق ، تحول تركيزه إلى باب الغرفة ونافذتها.
كان الباب مغلقاً ، لكنه استطاع رؤية الخارج من خلال النافذة. حيث كان شارعاً مزدحماً بجموع من الناس يسيرون ذهاباً وإياباً. لم تكن هناك سيارات لأن الطريق كان ضيقاً نوعاً ما ، لكن بعض الدراجات الهوائية كانت تمر من حين لآخر.
«أتساءل إن كان بإمكاني الخروج الآن».
كانت المرة الأولى مباغتة وقصيرة جداً ، فلم يستطع أدريان القيام بأي شيء ذي مغزى. و لكن عملية «الانتقال إلى الأرض» هذه لم تنتهِ بسرعة المرة الماضية ، مما منح أدريان مساحة لبعض التجارب.
هل يمكنه الخروج عبر الباب ؟ وإذا استطاع ، فإلى أي مدى يمكنه الذهاب ؟ وما هي مساحة خريطة هذا العالم المتخيل للأرض ؟
اقترب أدريان من الباب وفتحه ، ليرى مشهد العيادة الخارجي بالكامل.
بعد عشر سنوات من العيش في العالم الجديد ، اعتاد أدريان على هوائه النقي والمنعش ، لذا حين استنشق هواء الأرض الملوث والمتسخ مرة أخرى ، تسببت له الرائحة بتجعد أنفه.
كان رد فعله أقوى بكثير مما توقع ، بالنظر إلى أنه تنفس هذا الهواء طوال خمسة وعشرين عاماً.
هز رأسه ليتخلص من الأفكار غير الضرورية ، وقرر أدريان الخروج ، فاتخذ خطوة إلى الأمام....أو هكذا حاول ، على الأقل. لأنه مهما حاول لم يستطع اتخاذ تلك الخطوة.
كان الأمر كما لو أن قوة مغناطيسية غريبة تجذبه من الخلف ، وترفض السماح له بالمضي قدماً. حيث كانت قوة جذب جائرة لدرجة أن فكرة المقاومة للتحرر منها لم تخطر بباله حتى.
لذا بعد محاولات أخرى ، تنهد أدريان واختار الاستسلام.
«كل شيء يبدو أغرب كلما حاولت فهم الأمور. حسناً ، لا يسعني سوى المحاولة».
وبما أنه لا جدوى من مواصلة تجاربه العقيمة ، حول أدريان تركيزه إلى شيء آخر ؛ ركز على القوة التي كانت تجذبه من الخلف.
بدا أنها لم تظهر إلا بعد أن تجاوز مسافة معينة. ولكن ، إذا كانت هذه القوة تجذب ، فإلى ماذا تجذبه ؟
أغمض أدريان عينيه وأرهف حواسه إلى أقصى حد تماماً كما علمه «السير جوران» قبل بضع سنوات ، وصب كل تركيزه على قوة الجذب ، محاولاً تتبعها حتى نهايتها.
وسرعان ما استطاع الشعور بالطرف الآخر من الجذب. فتح عينيه ببطء ، بفضول لمعرفة ما قد يكون.
وكان أمام ناظريه... ماضي أدريان نفسه.