Switch Mode

أُعيد ميلاده كميكانيكي بنظام من الرتبة الإلهية 197

العودة إلى القاعدة


الفصل 197: العودة إلى القاعدة

دوى صدى ارتطامٍ عميق!

للمرة الأولى منذ أسابيع، انفتح باب الملجأ؛ وفي اللحظة التي تحرك فيها الباب المعدني الثقيل، انبعث أزيزٌ قوي مع اشتغال "المحول الأولي (A.D.E. v0.2)"، الذي دبّت فيه الحياة على الفور، لتتوهج مصابيح (LED) داخل المأوى وكأنها تبدد وحشة المكان ترحيباً بعودة سيدها.

رؤية تلك الأضواء المألوفة، التي ثبّتها بيديه، رسمت ابتسامةً فورية على محيا "ليون"، بينما استرخت أوصال جسده تماماً؛ لقد عاد أخيراً إلى قاعدته.

في هذا العالم الموحش، بدت كل البقاع الأخرى وكأنها "خارج الديار"، حتى "المجتمع G" نفسه؛ فالمكان الوحيد الذي استشعر فيه رابطةً حقيقية وانتماءً صادقاً كان هذا المأوى، الذي استيقظ فيه يوماً بذكرياتٍ مشتتة ومبتورة.

شعر "ليون" وكأنه مغامرٌ آبَ إلى دياره بعد شهورٍ من الترحال في الفيافي الوعرة، حيث غمرته دفء المنزل فجعلته يسترخي بشكلٍ كلي.

"بززز!"

انبعثت إشعاعاته الرمادية البيضاء بهدوء، غامرةً دراجة "كاراكي ST-3" الخارقة ذات المحرك المزدوج، بينما شرع "ليون" في استخدام "تقنية التصغير" لتقليص حجم الدراجة بما يكفي لمرورها عبر مدخل الملجأ.

وبعد نزوله السلالم، استنشق "ليون" جرعةً من الهواء النقي؛ فرغم غيابه لأسابيع، لم يكن الهواء تحت الأرض راكداً أو ملوثاً بالعفن، وكان هذا خير دليلٍ على نجاعة جهوده السابقة في ترميم وتجديد هذا المرفق السفلي.

دفع "ليون" الدراجة نحو منطقة الحدادة في المأوى، ووضعها هناك بإهمالٍ مدروس بجانب هياكله الميكانيكية الأخرى التي تركها خلفه قبل أسابيع، ثم توجه أخيراً بخطواتٍ وئيدة نحو منطقة المعيشة.

عندها، بدأت صورةٌ افتراضية تتجسد أمامه.

"دينغ!"

"مرحباً بعودتك إلى الوطن يا سيدي".

ظهر "ديفيس" هذه المرة على هيئة قطٍ فراءٍ لطيف؛ فابتسم "ليون" وهو يرمق العرض الافتراضي قائلاً: "حسناً، شكراً لك يا ديفيس، إنه لشعورٌ رائع أن أكون في منزلي حقاً".

بيد أن رؤية إطار السرير الخالي عكرت صفو مزاج "ليون" للحظة، إذ تذكر أنه لم يشترِ بعد فراشاً مريحاً لإتمام أثاثه؛ ولم يكن النسيان هو السبب، بل تأكده من عدم قدرته على استخدام "تقنية التصغير" على الأسرة الضخمة هو ما منعه من إحضار واحدٍ معه.

توقع "ليون" حدوث ذلك، ومع ذلك وخزه الإحباط؛ "سأضطر للبحث عن وسيلة بديلة لجلب سريرٍ إلى هنا"، حدث نفسه بأسى.

لكن افتقاره لسريرٍ وثير لم يكن ليُفسد سعادته بالكامل؛ فبعد مغامرةٍ عاصفة مليئة بالأحداث الغريبة، كان "ليون" جذلاً بعودته، متأهباً لخوض غمار تحدٍ جديد.

لقد انقضى شهران تقريباً منذ أن استيقظ في هذا العالم، لكن "ليون" لم يغفل قط عن هدفه الأسمى: استعادة شتات ذكرياته المبعثرة.

بحلول ذلك الوقت، كان واثقاً بنسبة تقارب اليقين أن هذا الكوكب هو "الأرض"، وظل السؤال الجوهري الذي يؤرقه: لماذا وكيف آلت الأرض إلى هذا المصير؟

ماذا حدث لعالم عصره؟ وماذا حلّ بذكرياته؟ وكيف تغلغلت شركة (A.D.E.) في نسيج هذا العالم؟ ولماذا كان هو الإنسان الوحيد الناجي من تلك الحقبة؟

كانت هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، تتطلب إجاباتٍ شافية؛ ولن يتأتى له ذلك إلا بأن يشتد عوده ويصبح أقوى ليفك قيود وظائف "النظام" التي تتيح له استرجاع ماضيه.

لهذا السبب، وخلافاً للآخرين، لم يكن بمقدور "ليون" التراخي أو الاكتفاء بالاستمتاع بمباهج الحياة؛ فكيف يهنأ بالعيش وجزءٌ أصيل من كينونته مغيبٌ في غياهب المجهول؟ لقد كان في أمسّ الحاجة لإجاباتٍ تريح عقله المشوش.

ورغم هوسه باسترداد ماضيه، لم يكن "ليون" يلقي بنفسه في التهلكة؛ فمنذ لحظة استيقاظه، كان يتعامل مع كل عقبةٍ بحذرٍ شديد ومنهجيةٍ صارمة.

والسبب الوحيد الذي منحه الثقة لخوض "اختبار الصعود" الثاني بعد شهرٍ واحدٍ فقط من صعوده الأول، هو أنه قد فك شفرة "عداد الصعود" بالفعل، ورآه ممتلئاً عن آخره.

والأهم من ذلك كله، أنه بفضل سمته الفريدة —"الشذوذ الزمني"— كان محصناً ضد فساد (A.D.E.)؛ مما يعني أنه حتى لو تعثر في تجربة الصعود، فإن احتمال تحوله إلى "وحش نيون" مشوه يكاد يكون معدوماً.

كانت هذه الميزة والامتياز الحصري لـ "ليون" وحده دون سائر "الصاعدين" في هذا العالم؛ القدرة على خوض "المحاكمات" دون وجل.

لكن هذا لا يعني أنه كان يستهين بالفشل؛ بل كانت نواياه تناقض ذلك تماماً. فالفشل يعني هدر الوقت في رتبة (E)، و"ليون" لا يملك ترف الوقت في رحلة بحثه عن الحقيقة.

كان عداده مكتملاً، وفيما يخص معارفه التاريخية، فقد نهل منها ما يكفي لاستيعاب أي اختبارٍ قد يواجه؛ أما من حيث القوة القتالية، فقد غدا وحشاً كاسراً يختلف تماماً عما كان عليه حين كان مجرد "ميكانيكي" من الرتبة (F). كان "ليون" مفعماً بالثقة، ليس في قوته فحسب، بل في مهاراته الإنشائية أيضاً.

فبالمقارنة مع الحقبة التي عمل فيها لدى شركة "بيج جيج" (Big Gig) للإنشاءات، تطورت قدراته الآن وصارت أكثر نضجاً وقوة؛ لذا، لو كان الاختبار القادم متعلقاً بالبناء، فإنه واثقٌ من اجتيازه بيسرٍ وسهولة، مستنداً إلى خبرته في التجربة الأولى.

ورغم كل تلك الثقة، لم يهرع "ليون" لبدء الاختبار فور وصوله من رحلته المضنية؛ بل وضع حقيبة ظهره على الأرض لتكون وسادةً مؤقتة، وتمدد فوقها.

وبعد دقائق معدودات، استسلم لسلطان النوم...

في صباح اليوم التالي، استيقظ "ليون" وهو يشعر بفيضٍ من النشاط والحيوية.

نهض وشرع في ترتيب المأوى بمنهجية، وحرص على صيانة جميع منشآته وتأمينها لتلافي أي حوادث عارضة أثناء غيابه، قبل أن يحكم إغلاق الملجأ تماماً عن العالم الخارجي.

بعد ذلك، جلس "ليون" متربعاً في منطقة المعيشة؛ ورغم استعداده التام، فإنه حين أزفت اللحظة، شعر بوجيب قلبه وتسلل القلق إلى نفسه.

أغمض عينيه وتأمل ملياً، مستحضراً تفاصيل اختبار "تاليا" ومحاكمته الأولى، ثم طمأن نفسه بمدى الأمان الذي يوفره له ملجؤه هذا.

وبمجرد أن استعاد رباطة جأشه وهدأت أعصابه، اتخذ قراره.

"دينغ!"

~----~

[تمت مزامنة برنامج تجربة المحفز (Catalyst)!]

[بدء اختبار الصعود للرتبة D... يرجى الانتظار...]

~----~

كان ذلك آخر ما وقع عليه بصر "ليون" وسمعه في هذا الواقع.

"بوم!"

شعر وكأن دوي انفجارٍ مألوف قد تغلغل في ثنايا عقله، حيث غشيت بصره بروقٌ بيضاء ساطعة لدرجةٍ أعمت عينيه، مما اضطره لإغماضهما بشدة.

ثم انبثق مجال تشويهٍ دقيق، أخذ يثني ذرات الغبار والضوء في المحيط، حتى انشق صدعٌ في قلب الملجأ.

كان الصدع ذا لونٍ بني، تدور في ثناياه زوابعُ من غبارٍ ورمالٍ وهمية.

وأخيراً، ارتمى جسد "ليون" ساكناً، بينما سُحب وعيه بالكامل إلى غياهب ذلك الشق.

"دينغ!"

~----~

[انزياح الوعي الذاتي – حالة تجريبية نشطة]

~----~

ساد الصمت المطبق داخل منشأة "سبيس إكس" (SpaceX) التي كانت مهجورةً فيما مضى.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط