Switch Mode

إعادة: الدم والحديد 968

النجوم في الأعلى والأوساخ في الأسفل +


الفصل 968: النجوم في الأعالي والتراب في الأسفل

خضع المتمردون المحليون لأفضل تدريب ممكن ، وزُوِّدوا بأسلحة وذخائر يكفى لاقتحام العاصمة.

كانت الحروب في الأقاليم الاستعمارية السابقة أبسط بكثير مما كانت عليه في حياة "برونو " الماضية ؛ إذ لم تكن هناك مخازن ضخمة من الأسلحة الآلية أو المتفجرات الموجهة التي توزعها الحكومات الأيديولوجية بسخاء في حروب الوكالة من أجل الموارد.

كذلك لم تكن هناك مخازن استعمارية كبرى لأسلحة متطورة قد تُركت وراءها ؛ فقد اندثرت معظم المستعمرات قبل أن يتم توحيد أي شيء سوى الرشاشات الثقيلة وبنادق التعمير اليدوي (بولت اسشن) في الدول الحديثة.

لقد نجح "برونو " بفعالية في تقويض قدرة الفوضى الاستعمارية ، حيث افتقرت تلك الأقاليم إلى البنية التحتية والتعليم اللازمين لإنتاج أي أسلحة ذات قيمة بمفردهم ، مما يعني أن كل رصاصة أُطلقت وكل بندقية حُملت كانت إما بقايا من عصرٍ ولّى ، أو قطع معدات مُجددة لها تاريخ انتهاء صلاحية ، وخط إمداد يمكن لبرلين قطعه بفعالية في أي وقت.

هذا يعني أيضاً أنه في غياب المركبات المدرعة ، ووسائل النقل الميكانيكية ، والأسلحة الآلية ، يمكن الإطاحة بمعظم الحكومات ما بعد الاستعمار بمجرد إضافة رشاشات مبردة بالماء وبنادق نصف آلية ، مع القليل من التدريب أو الإمداد.

كانت تلك هي الإستراتيجية الصامتة التي طبقها "إرنست روم " وخليفته "يواخيم بيبر " في أنحاء أفريقيا وآسيا للقضاء على الأنظمة غير المتعاونة التي نسيت مَن الذي صاغ تيجانها. لم تكن تلك الإستراتيجية فعالة على الإطلاق ضد جيش حديث ، لكنها كانت أكثر من تكفى لإسقاط "القبائلية التقنية " التي حكمت العديد من هذه المستعمرات السابقة خارج مدنها الرئيسية التي كانت تمثل بقايا الحكم الأوروبي المباشر.

سقطت "نيروبي " في غضون ساعات ، وجرت الدماء في الشوارع. فلم يكن هناك جندي ألماني واحد ليشهد ذلك ولا مرتزقة يرفعون راية "الذئب ". ومع ذلك كانت بصماتهم حاضرة في المذبحة ، باديةً على كل سلاح استُخدم وعلى كل مظروف رصاص فارغ. و بالطبع لم يكن لدى الكثيرين الوقت أو الرغبة في فحص تلك الأدلة تحت المجهر ؛ إذ اتجه اهتمام العالم نحو شيء يبدو أكثر أهمية بكثير.

كانت الحضارة ككل غارقة في متابعة عودة أول مسافرين خارج الأرض في العالم ممن غامروا بالوصول إلى جرم سماوي آخر ، لدرجة أنهم لم يلحظوا –أو ربما لم يجدوا أي أهمية لـ– الهجوم الذي شُن على عاصمة كينيا. فكيف لإقليم استعماري سابق خاضع للإدارة الخفية لـ "كارتل " مرتزقة أوروبي أن يكون أهم من إعلان ألمانيا القمرَ مقاطعةً خاصة بها ؟

رأى "برونو " الأخبار في الصحيفة ، ورأى صور "أمير الحرب الجديد " وعلم على الفور أن الخطة قد نجحت. فلم يكن بحاجة إلى اجتماع دبلوماسي رسمي ، فـ "مساعد الشيطان " كان قادراً على إدارة المفاوضات نيابةً عنه. و في الواقع ، من المرجح أن كل شيء قد حُسم خلف الكواليس قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى.

رأى "إروين " والده يبتسم ابتسامة خفيفة للصحيفة ، وأدرك أن شيئاً ما قد دُبّر في الخفاء. قطّب حاجبيه واضعاً شوكته ، بينما نظرت زوجته إلى تعابير وجهه الجادة وتنهدت ، مُتمتمة بشتائم بالروسية وهي تهز رأسها. التفتت عينا "برونو " نحو المرأة لا نحو ابنه ، على الرغم من أن "إروين " هو مَن بادره بالحديث.

- "أبي... أعلم أنه لا ينبغي لي أن أسأل ، ولكن هل لي أن أستنتج أن نوبة سعادتك المفاجئة تتعلق بالعودة الآمنة لمسافرينا الكونيين ، وليست بسبب ذلك الأمر البغيض في نيروبي ؟ "

أدرك "برونو " فجأة لمن كانت موجهة الكلمات التي تمتمت بها "آليا " تحت أنفاسها ؛ لم تكن موجهة إليه ، بل إلى زوجها لأنه تجرأ على إثارة محادثة لم تكن ترغب في خوضها. اكتفى "برونو " بالابتسام وطيّ الصحيفة ، واضعاً إياها تحت يده بينما اتجه نحو شوكته ، متجاهلاً الفكرة برمتها.

- "بالطبع ، ما الذي قد يجعلني سعيداً أكثر من العودة الآمنة لأبطالنا الشجعان ؟ "

كان "إروين " يعلم أنه يكذب ، و "آليا " تعلم أنه يكذب ، وكل مَن على الطاولة ، بما فيهم "برونو " نفسه ، يعلمون أنه يكذب. و لكن لم يرغب أحد في مواجهة بطريك بيتهم الملكي بكذبه ، كما لم يرغب أحد في معرفة ما يخطط له بالضبط في كينيا مما تطلب حمام الدم ذلك. وبصراحة ؟ لم يهتموا حقاً. حيث كانت هناك أمور أكثر أهمية بكثير في محيطهم ليركزوا عليها بدلاً من عنف ومعاناة أناسٍ يبعدون عالماً كاملاً ، ولن يروهم أو يلتقوا بهم أبداً في حياتهم.

وهكذا تنهد "إروين " وأومأ برأسه ، موافقاً على ترك مكائد والده تمضي. وكما هو الحال دائماً مع "برونو " فإن أي عمل مشبوه يقوم به في الخفاء نادراً ما يكون لغير مصلحة الرايخ ومستقبل عائلتهم.

ربما كانت "هايدي " الشخص الوحيد الذي يعرف خطط "برونو " ويرفض تركه يفلت منها ؛ ليس بدافع أخلاقي ، بل لأنها هي الأخرى كانت تستمتع بـ "الشماتة " في بعض الأحيان.

- "أوه ، إذاً أنت لست سعيداً بتأمين 'منطقة كايلزر فيلهلم هوخلاند ' ذاتية الحكم التي قضيت الكثير من الوقت والجهد في سبيلها ؟ ألم تذهب للتو في رحلة إلى كينيا للقاء القائد بيبر ؟ ظننت أنك ستكون مسروراً لأن الأمور سارت كما هو مخطط لها. "

تنهدت "آليا " بينما كان "إروين " يكاد يرغب في تحطيم وجهه في طبق طعامه. لم يتحرك "برونو " قيد أنملة ، وأسندت "هايدي " ذقنها المنحوت بدقة على كف يدها ، محدقة في "برونو " بابتسامة أثبتت أنها فخورة بنفسها لأنها "صبّت الزيت على النار ".

نظر إليها "برونو " نظرة العارف ، لا غاضباً ولا محبطاً ، بل ربما مستمتعاً قليلاً إن جاز التعبير ، ثم طرح سؤالاً بنبرة رتيبة أفرغت لعبتها من محتواها تماماً:

- "ألا يمكنني أن أكون سعيداً بكليهما ؟ "

ثم عاد إلى طعامه ، ولم يتكرم حتى بمنح محاولتها لإثارة المتاعب على مائدة الإفطار نظرة أخرى. أما "هايدي " وعلى الرغم من اقترابها من سن السبعين ، فقد عبست كأنها لا تزال تلك الفتاة التي نشأت بجانب "برونو " قبل عقود طويلة عندما كان كلاهما ما زالان في ريعان الشباب.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط