أمضى نوح بقية نوبته في مسح الطاولات وتقديم المشروبات. أما فرسان التنين -كما كان الجميع يطلق عليهم- فقد بقوا ساعة أخرى، وصدى أصواتهم يتردد في أرجاء الحانة وهم يضحكون ويروون قصصاً عن رحلات صيد سابقة.
حافظ نوح على مسافة بينه وبين الآخرين، وكان ينظف الطاولات على الجانب الآخر من الغرفة، لكن أذنيه كانتا تلتقطان كل كلمة.
قال أحدهم: "أتذكرون عندما أسقط إيغور ذلك التنين في الوادي الغربي؟ كان بحجم منزل، وقد اقترب منه وكأنه في نزهة!"
أجاب آخر مبتسماً: "ذلك لأن قائدنا مجنون، إنه رجل لا يعرف الخوف، ولهذا السبب نتبعه".
وأضاف ثالث: "شجاع وذكي، إنه يعرف سلوك التنانين أفضل من أي شخص آخر، ولهذا السبب تدفع لنا المملكة ثلاثة أضعاف ما يتقاضاه الفرسان العاديون".
فكر نوح وهو يحفظ المعلومات: "فرسان التنانين.. إنهم متخصصون، ولهذا السبب يحظون بالثناء والاحترام. إنهم يصطادون التنانين تحديداً، بينما يتعامل الفرسان العاديون مع التهديدات الأخرى".
لاحظ أحد الرجال نوحاً وهو ينظف طاولة قريبة، فنبّه رفيقه.
"انظروا، إنه ابن الجبان".
خفتت حدة الحديث على المائدة عندما التفت العديد منهم لينظروا إلى نوح.
قال آخر بنبرة ساخرة: "هذا بيرت، أليس كذلك؟ مسكين، لا بد أن العيش مع هذا الإرث صعب".
ظل نوح يمسح الطاولة وفكّه مشدود، رافضاً منحهم متعة ردة الفعل.
"أتعرفون ما فعله والده؟" تابع الرجل الأول حديثه، رافعاً صوته عمداً ليسمعه جميع رواد الحانة. "كانوا يسمونه ألدريك الشجاع، أحد أفضل فرسان المملكة، إلى أن كشف للجميع عن معدنه الحقيقي".
فكر نوح، وتوقفت يده للحظة على الطاولة: "ألدريك.. إذن كان اسم والدي المفترض ألدريك".
"وقع هجوم تنين ذات مرة" تابع الرجل حديثه وهو يستمتع بوضوح. "على أطراف المدينة، بالقرب من مستوطنات التنين؛ حيث كانت امرأة حامل عالقة في العراء، تتوسل طلباً للمساعدة. أما ألدريك الشجاع؟ فقد ألقى سيفه وولى مدبراً".
انتشرت الضحكات في أرجاء الحانة، ليس فقط من طاولة فرسان التنين، بل من الزبائن الآخرين الذين توقفوا عن أحاديثهم ليتسمعوا.
وأضاف فارس تنين آخر: "قال الشهود إنه كان يصرخ كالأطفال، ركض ربما لمسافة مئتي قدم قبل أن يطبق عليه التنين، فأحرقه حتى تحول إلى رماد. لم يمت حتى ميتة الأبطال ولم تكن لديه الكرامة ليموت وهو يقاتل".
المزيد من الضحك.. ضحك قاسٍ ساخر جعل نوحاً يقبض يديه على الخرقة بقوة.
قال الرجل الأول، مشيراً إلى نوح بقدحه: "إذن، أصبح ابنه معنا الآن. يقولون إن عِرق الحثالة دساس، وتلك الثمرة من تلك الشجرة. تُرى هل سيهرب هو الآخر عندما تأتي التنانين؟"
أجبر نوح نفسه على الاستمرار في الحركة، والاستمرار في التنظيف، وعدم النظر إليهم. كل غريزة طورها من شهور من التدريب القتالي كانت تصرخ فيه للرد، وللدفاع عن نفسه، ولجعلهم يندمون على كلماتهم.
لكن هذه لم تكن معركته، فهذه حياة بيرت، وعار بيرت، وكان نوح يعيشها مؤقتاً فقط.
ألقى نظرة خاطفة على إيغور الجالس على رأس الطاولة.
جلس قائد فرسان التنين بهدوء، يحتسي الجعة، غير مشارك في السخرية، ولكنه لم يمنعها أيضاً. اكتفى بالمشاهدة بتعبير لا يفصح عن شيء، وكأن إذلال نوح أمر مثير للاهتمام بعض الشيء، ولكنه في النهاية غير مهم.
أدرك نوح: "إنه لا يكترث بأي شكل من الأشكال. لا يكترث بما يكفي للمشاركة، ولا يكترث بما يكفي لإيقاف ذلك. وأنا أقل شأناً من أن يلاحظني".
قال أحد فرسان التنين أخيراً: "حسناً، يكفي هذا"، على الرغم من أن نبرته أوحت بأنه يشعر بالملل أكثر من التعاطف. "دع الصبي يعمل، فلدينا أشياء أفضل لنفعلها على أي حال".
"صحيح" وافق آخر وهو يقف ويتمدد. "أنا ذاهب إلى منزل السيدة لارا، فلدي بضع ساعات قبل أن نضطر إلى التحرك، فلنستمتع بها كما ينبغي".
قال ثالث مبتسماً: "أنا أفضّل حانة الفانوس الأحمر، ففتياتهم يعرفن كيف يعاملن الرجل معاملة حسنة".
بدأ أفراد المجموعة بالوقوف، وهم ينهون آخر رشفة من الجعة، ويستعدون للمغادرة. تحركوا بثقة رجال يعرفون قيمتهم وأهميتهم، ويعرفون أن بإمكانهم دخول أي مكان في المملكة وسيُستقبلون بحفاوة.
وقف إيغور أخيراً بخطوات هادئة، وضع عدة قطع نقدية على الطاولة -أكثر مما يكفي لتغطية حسابهم- وسار نحو الباب دون أن ينظر إلى نوح.
قال إيغور بينما كانوا يصلون إلى المدخل: "لا تفرطوا في الراحة الليلة يا رفاق، سنتحرك عند منتصف الليل. سواء كان هناك هدف أحمر أم لا، سنستمر في الصيد حتى نجد شيئاً يستحق القتل".
أبدى الآخرون موافقتهم، ثم انصرفوا، وتلاشت أصواتهم وهم يسيرون في الشارع باتجاه بيوت الدعارة التي اختاروها لقضاء فترة ما بعد الظهر.
وقف نوح هناك، وفي يده قطعة قماش، يحدق في الباب الذي خرجوا منه.
فكر قائلاً: "منتصف الليل.. سينطلقون في منتصف الليل. مما يعني أن لدي ربما ثماني ساعات لأقرر ما سأفعله".
***
"يا ولد!"
قاطع صوت السيد غرايسون أفكار نوح، حيث كان صاحب الحانة يقف خلف البار، يعدّ النقود.
"انتهى دوامك، تعال واحصل على أجرك".
سار نوح إلى البار، ووضع الخرقة والدلو أرضاً.
وضع غرايسون ثلاث عملات نحاسية على سطح البار، وكان تعبير وجهه عابساً.
"ثلاث قطع نحاسية، هذا ما تحصل عليه مقابل عمل يوم كامل، لا تنفقها كلها دفعة واحدة".
مدّ نوح يده نحو العملات المعدنية، فامتدت يد غرايسون بسرعة وأمسكت بمعصمه.
"يا ولد! لا تظن أن العمل هنا يجعلك محترماً، فما زلت حثالة، وما زلت ابن الجبان. أعطيتك هذه الوظيفة لأن أجرك زهيد عندما لا يرغب في توظيفك أحد، هل تفهم؟ لذا لا تتوهم بأن لك قيمة".
نظر نوح في عينيه ولم ينطق بكلمة، وانتظر فقط حتى ترك غرايسون معصمه.
وضع النقود في جيبه، ثم استدار وخرج من الحانة إلى ضوء شمس الظهيرة.
كان الشارع يعجّ بالناس الذين ينهون أعمالهم اليومية قبل حلول المساء. وكان الباعة يجمعون بضائعهم من أكشاك السوق. وكان الأطفال يركضون بين المباني، يلعبون ألعاباً لم يتعرف عليها نوح. وكانت النساء يحملن سلالاً من الخضراوات أو الخبز، متجهات إلى منازلهن لإعداد العشاء.
"لدي وقت" فكر نوح وهو ينظر حوله. "من الأفضل أن أرى ما هي هذه المملكة في الواقع، وأن أعرف نوع المكان الذي أنا عالق فيه".
بدأ يمشي دون وجهة محددة في ذهنه، يراقب كل شيء فحسب.
كانت المملكة أكبر مما كان يتصور في البداية؛ حيث كان الشارع الرئيسي المؤدي من المدينة السفلى إلى القلعة يمتد لمسافة نصف ميل تقريباً، وتتفرع منه عشرات الشوارع الجانبية بأنماط عشوائية تُثبت صحة نظريته السابقة؛ فقد كان هذا امتداداً تدريجياً على مدى قرون. تفاوتت المباني في حجمها وجودتها؛ فبعضها كان هياكل حجرية مُصانة جيداً، ربما كانت ملكاً لتجار أو نبلاء صغار، بينما كانت أخرى مباني بسيطة من الخشب والقش، تأوي العمال والحرفيين.
مرّ نوح بورشة حدادة، فسمع رنين المطرقة على السندان، ورأى شرارات تتطاير بينما كان أحدهم يُشكّل المعدن على الموقد. ملأ مخبزٌ الأجواء برائحة الخبز الطازج، وكان صانع سهام يُجهّز أقواساً في ورشة عمل مفتوحة.
والفرسان.. العشرات منهم يرتدون أنواعاً مختلفة من الدروع، يسيرون في الشوارع بخطى ثابتة؛ حيث كان معظمهم يرتدي دروعاً بسيطة ويحملون سيوفاً على أحزمتهم. بدا أنهم جنود حامية نظاميون، من النوع الذي يحافظ على النظام ويدافع عن الأسوار.
«لكن فرسان التنين مختلفون»، لاحظ نوح وهو يراقب فارسَين عاديَّين يمران دون أن يلفتوا أي انتباه. «حظيت مجموعة إيغور بالهتافات والمشروبات المجانية والاحترام من الجميع. وهذا يعني أن فرسان التنين نخبة، متخصصون أثبتوا جدارتهم في مواجهة تهديدات لا يستطيع الجنود العاديون التعامل معها».
استمر في المشي، وانعطف إلى الشوارع الجانبية، واستكشف الأحياء التي تراوحت بين الأحياء المزدهرة والأحياء الفقيرة التي بالكاد تعمل.
بالقرب من منطقة السوق، وجد نوح نفسه في شارع تصطف على جانبيه مبانٍ معلقة فوق أبوابها فوانيس حمراء. وقفت النساء عند المداخل أو انحنين من النوافذ، ينادين على الرجال المارين بعروضٍ صريحةٍ للغاية.
أدرك نوح، بعد أن فهم سبب وجود هذا الشارع: "بيوت الدعارة.. حيث قال فرسان التنين إنهم ذاهبون".
وكأن الفكرة استدعتهم، رآهم نوح.
كان ثلاثة من فرسان التنين الذين رآهم سابقاً يدخلون مبنىً بنوافذ مزينة بستائر حمراء متقنة؛ حيث كانوا يضحكون ويدفعون بعضهم البعض بمرح، ويبدو أنهم يستمتعون بوقتهم حقاً.
واصل نوح سيره، لا يريد أن يُرى وهو يتسكع بالقرب من تلك الأماكن كطفل فضولي.
أدى الشارع به للعودة نحو الطريق الرئيسي، وسلكه نوح وعقله ما زال يستوعب كل ما لاحظه.
«هذه المملكة نابضة بالحياة»، فكّر وهو يراقب التجار يغلقون متاجرهم والحراس يتبادلون نوباتهم في مواقع مختلفة. «إنها حية، الناس يعيشون حياتهم، يعملون في وظائفهم، ويربّون أسرهم». مما جعل كلمات إيغو أكثر غرابة: «مملكة ماتت منذ زمن طويل». ماذا حدث هنا؟ ما الذي قتل الجميع؟
كانت القلعة شامخة فوق المدينة، وأبراجها تستقبل آخر خيوط شمس العصر. ومن هذه الزاوية، استطاع نوح أن يرى أن البوابات الرئيسية مفتوحة، وأن الحراس متمركزون على جانبيها يتفقدون الداخلين والخارجين.
تذكر نوح قائلاً: "أمي تعمل هناك، تقوم بالتنظيف وغسل الملابس لسيدة تُدعى كونستانس. وهذا يعني أن القلعة تضم طبقة نبيلة، وبلاطاً عاملاً، وجميع الهياكل التي تجعل المملكة تعمل".
ابتعد عن القلعة، متجهاً نحو المدينة السفلى حيث يقع منزله.
استغرقت النزهة حوالي عشرين دقيقة، والشمس تغيب ببطء بينما كان يسير على الطريق المتعرج صعوداً إلى التل. كانت عائلات أخرى عائدة إلى منازلها أيضاً، عمال ينهون يومهم، وأطفال يُنادى عليهم لتناول العشاء.
عندما وصل نوح إلى المنزل الحجري الصغير كان الشفق قد بدأ يخيّم على التلال.
تصاعد الدخان من المدخنة، وبدا الأمر وكأن العشاء يُحضّر. دفع نوح الباب الخشبي، فوجد جيرترود جالسة على الطاولة، وأمه تُقلّب قدراً على النار.
"ها قد عدت" قالت مبتسمةً عندما رأته. "كيف كان يومك الأول؟ هل عاملك السيد غرايسون بإنصاف؟"
أغلق نوح الباب خلفه، وانتقل إلى الطاولة وجلس على أحد المقاعد.
قال وهو يسحب العملات النحاسية الثلاث من جيبه ويضعها على الطاولة: "كان الأمر على ما يرام، لقد دفع لي هذا المبلغ".
خفّت حدة تعبير والدته، وتركت القدر لتلتقط العملات المعدنية، وفحصتها كما لو كانت كنوزاً ثمينة وليست مجرد أجر زهيد.
"هذا رائع يا بيرت، سيساعدنا هذا في توفير الطحين الذي نحتاجه، وربما نستطيع شراء حذاء جديد لجيرترود، فحذاؤها القديم بدأ يتلف".
انتعشت جيرترود عند ذكر الأحذية، واتسعت عيناها: "حقاً؟ حذاء جديد؟"
قالت والدتهما وهي تضع النقود في جيبها: "ربما، إذا استمر أخوك في العمل بجد".
عادت إلى القدر، تغرف ما بدا وكأنه حساء خضار في أوعية خشبية. كانت الوجبة بسيطة -تتكون في الغالب من بطاطس وجزر مع قطع صغيرة من اللحم ربما كان دجاجاً أو أرنباً- لكن رائحتها كانت أذكى من رائحة عصيدة الإفطار.
تناولوا الطعام في صمت مريح لبعض الوقت، ولم يُسمع سوى صوت الملاعق وهي تصطدم بالأطباق وصوت طقطقة النار.
وفي النهاية، تحدثت والدة نوح مرة أخرى: "هل كان الناس... لطفاء معك اليوم؟"
رفع نوح نظره عن وعائه، ورأى القلق في تعبير وجهها، وفهم ما كانت تطلبه حقاً.
فكر نوح: "إنها تعلم وتشعر بالألم، تعلم ما يقوله الناس عن زوجها وعن ابنها، إنها تتساءل عما إذا كنت قد عوملت معاملة سيئة".
اعترف نوح قائلاً: "لقد قالوا أشياءً"، لأن إنكار ذلك سيكون أسوأ. "عن أبي.. عما حدث".
توقفت يدا والدته عن الإمساك بملعقتها، وتجهم وجهها.
"أنا آسفة يا بيرت، أتمنى لو أستطيع تغيير ما يفكر فيه الناس، لكن—"
"هل كان جباناً حقاً؟" قاطعها نوح، وخرج السؤال قبل أن يتمكن من كبحه.
رفعت جيرترود رأسها فجأة، واتسعت عيناها، وبدت والدتهما وكأنها تلقّت ضربة موجعة.
"البلدة بأكملها تقول ذلك" تابع نوح حديثه بصوت هادئ. "يقولون إنه ألقى سيفه وهرب، وأنه مات وهو يصرخ، وأنه تخلى عن امرأة حامل لينقذ نفسه.. هل هذا صحيح؟"
استمر الصمت لعدة ثوانٍ.
وأخيراً، وضعت والدته ملعقتها جانباً، وضمّت يديها في حجرها.
قالت بحذر: "كان والدك... معقداً، لقد كان رجلاً صالحاً من نواحٍ كثيرة، أحبنا وأعالنا، ولكن عندما جاء ذلك التنين..." توقفت، وهي تكافح مع الكلمات. "لقد كان خائفاً، مرعوباً، ونعم.. لقد هرب".
قال نوح: "إذن هذا صحيح".
"صحيح أنه هرب" وافقت. "لكن ليس صحيحاً أنه كان جباناً طوال حياته، فلحظة خوف واحدة لا تمحو كل ما كان عليه".
كانت جيرترود تبكي الآن، ودموعها الصامتة تنهمر على وجهها.
قالت بصوت خافت: "الجميع في السوق يقولون إن أبي كان جباناً، ويقولون إنني أخت جبان، وأنني سأهرب على الأرجح أيضاً عندما تحدث أشياء سيئة".
شعر نوح بشيء ينقبض في صدره؛ فهذه الطفلة الصغيرة التي أيقظته هذا الصباح بكل هذه الطاقة كانت تحمل عاراً لشيء لم يكن ذنبها.
قال نوح بصوت حازم لدرجة أن جيرترود ووالدته نظرتا إليه بدهشة: "اسمعا إليّ، كان أبي بشراً، والبشر يخافون، وهذا رد فعل طبيعي عندما نواجه أشياءً قد تقتلنا. التنين وحش ضارٍ مفترس، شيءٌ قادرٌ على حرقك وتحويلك إلى رماد في ثوانٍ. الخوف منه ليس جبناً، بل هو غريزة".
انحنى إلى الأمام، والتقى نظره مباشرة بنظرات جيرترود.
"اتخذ أبي قراراً في لحظة رعب، وربما كان قراراً خاطئاً، وربما لو قاوم لكان أنقذ تلك المرأة، أو ربما كان سيموت أسرع وتموت المرأة على أي حال، لا نعلم. ولكن ما نعلمه هو أن الخوف لا يجعلك جباناً، والفرار لا يجعلك وضيعاً، بل يجعلك إنساناً".
أدرك نوح وهو يتحدث أنه بدأ يصدق ذلك، بدأ يصدق أنه "بيرت" بالفعل، يدافع عن أب لم يقابله قط، لكنه مع ذلك يحمل عاره.
قالت والدتهما بهدوء وهي تمسح دموعها: "كان والدكما يحبكما، مهما حدث، ومهما قال الناس، تذكرا ذلك دائماً".
أومأت جيرترود برأسها، وما زالت تبكي لكنها بدت أقل حزناً.
أنهوا العشاء في صمت بعد ذلك، وكان كل منهم غارقاً في أفكاره.
بعد أن جُمعت الأطباق وغُسلت، أرسلت الأم جيرترود إلى الفراش رغم اعتراضها. امتثلت الطفلة في النهاية، واختفت في الغرفة التي تشاركها مع والدتها.
انسحب نوح إلى غرفته الخاصة، وأغلق الباب خلفه.
استلقى على فراش القش، يحدق في عوارض السقف منتظراً.
مرت ساعات، خفتت أصوات المنزل؛ والدته تتحرك وتستعد للنوم، صرير ألواح الأرضية، إغلاق الأبواب، وفي النهاية ساد الصمت التام.
انتظر نوح لفترة أطول، وهو يعد أنفاسه حتى تأكد من أن الجميع قد غرقوا في النوم.
ثم وقف، واتجه نحو النافذة، ودفع الستائر لتفتح بصمت.
كان هواء الليل بارداً على وجهه، وكان القمر بدراً، يلقي بضوء كافٍ للرؤية.
تسلق نوح من النافذة بدلاً من المخاطرة بالخروج من الباب الأمامي، وبفضل رشاقته الفائقة، كان الهبوط إلى الأرض سهلاً للغاية، حيث هبط دون أن يُصدر أي صوت.
ثم بدأ بالركض.
لم يكن مجرد ركض، بل انطلق بأقصى سرعة، إذ سمحت له قدراته الخارقة بالتحرك أسرع من أي إنسان عادي. تلاشت المناظر الطبيعية من حوله، وظهرت التلال والأعشاب والأشجار المتناثرة كبقع داكنة.
«قال فرسان التنين إنهم ذاهبون إلى بيوت الدعارة»، فكّر نوح بينما كانت قدماه تطويان الأرض. «كان الفانوس الأحمر أحد الأماكن المذكورة، وهو في منطقة السوق، وإذا كانوا سيغادرون في منتصف الليل، فسيتعين عليهم الانطلاق من هناك».
وصل إلى المدينة في دقائق؛ إذ ساعدته سرعته على النزول من التل وعبور الضواحي دون أن يراه أحد. كانت الشوارع شبه خالية في هذه الساعة، باستثناء بعض السكارى الذين يتعثرون عائدين إلى منازلهم والحراس الذين يقومون بدورياتهم.
أبطأ نوح من سرعته وهو يقترب من الشارع الذي يحمل الفوانيس الحمراء، إذ التقطت حواسه المرهفة أصواتاً من مختلف المباني؛ موسيقى، ضحكات، وأصوات صاخبة.
وجد ظلاً بين مبنيين واستقر هناك منتظراً.
كان "الفانوس الأحمر" ما زال مضاءً، ونوافذه تتوهج بضوء دافئ. لم يستطع نوح الرؤية للداخل من موقعه، لكنه كان يسمع أصواتاً، واستطاع أن يدرك أن المبنى ما زال مأهولاً.
مرت دقائق، ربما ثلاثون دقيقة، وربما أكثر.
ثم انفتح الباب.
ظهر فرسان التنين في مجموعة، وصدى أصواتهم يتردد في سكون الليل؛ كانوا ما زالوا يرتدون دروعهم، وأسلحتهم معلقة على أحزمتهم، يتحركون بخطوات واثقة كرجال قضوا الأمسية في الشرب.
قادهم إيغور، محافظاً على استقامة قامته رغم كثرة ما شرب، تبعه الآخرون، سبعة رجال في المجموع، جميعهم يتجهون في الشارع نحو الطريق الرئيسي المؤدي إلى خارج المدينة.
انتظر نوح حتى مروا، ثم عدّ إلى عشرة، وتبِعهم.
حافظ على مسافة بينه وبينهم، ربما خمسين ياردة، مستخدماً المباني والظلال للاختباء. سمحت له حواسه المرهفة بتعقبهم بسهولة رغم الظلام، وبالتحرك بصمت رغم الشوارع المرصوفة بالحصى.
«ماذا أفعل؟» فكّر نوح وهو يتبع المجموعة بعد أن غادروا المدينة وبدأوا يسلكون طريقاً يؤدي إلى التلال. «لا أعرف حتى ما الذي أبحث عنه، أي نار عليّ إخمادها؟ وما علاقة كل هذا بالتنانين؟»
لكنه استمر في المتابعة على أي حال، لأنها كانت الخيط الوحيد الذي يملكه.
اتجه المسار صعوداً نحو التلال المكسوة بالغابات التي ترتفع خلف أسوار المملكة. تحرك فرسان التنين بخطى ثابتة، وكانوا على دراية تامة بالطريق، وصدى أصواتهم يتردد في هواء الليل.
"هل تعتقد أنه سيكون موجوداً بالفعل؟" قال أحدهم.
أجاب آخر: "يقول إيغور إنه سيكون هناك، وهذا يكفي بالنسبة لي".
"حراشف حمراء، أليس كذلك؟ هذا ما قالته التقارير؟"
"أجل، إنه وغد ضخم أيضاً، إذا كانت إحصائيات نفوق الماشية دقيقة؛ فربما يكون صغيراً في السن، في العشرين أو الثلاثين من عمره، كبير بما يكفي ليكون خطيراً ولكنه ليس عجوزاً".
استوعب نوح ذلك: "عشرون أو ثلاثون عاماً عمر صغير بالنسبة للتنين؟ كم تعيش التنانين إذن؟"
ظل يتبعهم، ينتقل من شجرة إلى أخرى، ويبقى على مسافة كافية بحيث لا تُسمع خطواته.
«المهمة تقول إخماد النيران»، فكّر نوح وهو يراقب فرسان التنين يتسلقون التلال. «وهم يصطادون تنيناً أحمر، ينفث النار على الأرجح. هل هذه هي النار التي يُفترض بي إخمادها؟ هل يُفترض بي قتل هذا التنين؟ أم إنقاذه؟ ماذا بالضبط؟»
لم تأتِ أي إجابات، فقط صوت الأحذية على التراب، وحفيف الأوراق، والثقة الهادئة لرجال فعلوا هذا من قبل وتوقعوا أن يفعلوه بنجاح مرة أخرى.
واصل فرسان التنين الصعود، وأتبعهم نوح، وتزايدت الأسئلة في رأسه مع كل خطوة.