بمجرد وصول الفرق الطبية وفد الخبراء من العاصمة إلى المستشفى ، شرعوا في إجراء فحص دقيق وشامل لـ "شو هو " ليؤكدوا خلو جسده من أي معضلات عضويّة كبرى. ورجحوا أن بقاءه غائباً عن الوعي ليس إلا أثراً جانبياً لعملية التطور ؛ وأمام هذه الحالة لم يجرؤ الفريق الطبي على المجازفة بالتدخل الدوائي ، إذ إن حقنه بالعقاقير في هذه المرحلة قد لا يكتفي بقطع حبل التطور فحسب ، بل قد يودي بحياته أيضاً.
"لا مفر من سحب عينة دم لإجراء الفحوصات " اقترح البروفيسور "لان " الذي اشتعل رأسه شيباً لكن رُوحه لا تزال تفيض حيوية ، ثم أردف قائلاً "لقد جلبنا معنا الجرعتين الوحيدتين المتبقيتين من مادة تعزيز تطور العقل. دعونا نرقب ما ستسفر عنه نتائج فحص الدم قبل أن نقرر استخدامهما. "
أثارت ملاحظته هذه حفيظة قائد الفريق "سونغ " الذي اعترض بحدة "هاتان هما الجرعتان الوحيدتان المتاحتان حالياً ، وقسم الدفاع الخاص لديه خمسة لاعبين يسيرون في ذات المسار التطوري وقد تقدموا بطلب للحصول عليهما ، ونسبة نجاحهم تتجاوز السبعين بالمائة. فهل يملك 'شو هو ' فرصة مماثلة ؟ نحن لا نعلم حتى إن كان سيخرج من غيبوبته حياً. "
"ليس من شأنك أن تملي عليّ ما أفعله " رد البروفيسور "لان " وهو يدفن رأسه في الملفات التي أمامه ، دون أن يرفع بصره ، وأضاف "الأوامر الصادرة إليّ هي تقييم مدى أهلية 'شو هو ' لاستخدام العقار ، فإذا كان قادراً ، سأعطيه له. أما ما سوى ذلك من أمور ، فهي خارج نطاق صلاحياتي. "
وهنا تدخل قائد الفريق "وو " قائلاً "هناك أمر سبق لي أن أبلغت عنه ؛ أصدقاء 'شو هو ' يرفضون رفضاً قاطعاً السماح لطاقم المستشفى بسحب قطرة دم واحدة منه ، لذا... "
لم يكد يُنهي جملته حتى قاطعه البروفيسور "لان " بصرامة "كيفية تدبركم لأمر سحب الدم هي شأنكم الخاص. و لدي تجارب تنتظرني ، أنا مغادر. "
وما إن أتم حديثه حتى حزم ملفاته وغادر القاعة بالفعل ، تاركاً وراءه قادة قسم الدفاع الخاص يتبادلون نظرات الحيرة. و قال القائد "لياو " بلهجة يشوبها الحرج "إن طباع البروفيسور العجوز حادة لا تُطاق. "
رمقه القائد "سونغ " بنظرة خاطفة وقال "الدولة ترعى الكفاءات ، ومهما ساء خلقه ، فليس من حقنا انتقاده. الأجدر بك أن تفكر في كيفية سحب عينة الدم. "
تنهد القائد "وو " بعمق عند ذكر هذا الأمر ؛ فإلى جانب "يان جيايو " انضم شخصان آخران ، ليقف الثلاثة كالسد المنيع أمام غرفة "شو هو " متأهبين للفتك بكل من يجرؤ على مخالفتهم. وفي ظل وجود "شو هو " هناك لم يكن بمقدورهم اللجوء إلى القوة.
"رغم أنني لا أحبذ هدر هاتين الجرعتين على 'شو هو ' إلا أنك يا 'وو ' تفتقر إلى الحزم ؛ فكيف تسمح لثلة من اللاعبين بالتلاعب بك ؟ " هكذا سخر القائد "سونغ " وتابع "عليك أن تظهر سطوتك وهيبتك داخل أروقة قسم الدفاع الخاص. "
اكفهر وجه "وو " وقال "أتدري كم من اللاعبين يحتشدون الآن خارج أسوار المستشفى ؟ "
لو كان "شو هو " مجرد شخص عادي لا وزن له ، لما كان ثمة ضير في قمع "يان جيايو " والآخرين ، لكن الضباب تكمن في أن "شو هو " قد أثار ضجة سابقاً بوقوفه في صف "المتطورين " ؛ تلك الشرارة لم تخمد بعد ، وذاكرة الفضاء الرقمي ليست بالوهن الذي يطويها معه النسيان. فلو حدث مكروه في المستشفى —سواء كان مدبراً أو وليد الصدفة— سيتخذ هؤلاء اللاعبون منه ذريعة لإشعال فتيل أزمة كبرى.
لم يعد الزمان كما كان ، حين كانت حفنة من مثيري الشغب تهدد أمن الدولة أو السلامة العامة ، فيلتف الجميع حول الحكومة لقمعهم. و الآن ، أعداد اللاعبين في تزايد مستمر ، وهم يرقبون موقف الدولة عن كثب لأن الأمر يمس مصالحهم ووجودهم. ناهيك عن اللاعبين الكثر داخل قسم الدفاع الخاص أنفسهم ؛ فخلال الحادثة السابقة حين غزا اللاعبون الخارجيون ، كم سقط من "لاعبين طليعيين " ؟ لقد أريقت دماء وأزهقت أرواح ، ألا يحق لهؤلاء المطالبة بمعاملة عادلة ؟
قال القائد "وو " وهو يحدق في "سونغ " "الصراعات لا تحل معضلة. حين تخرج وتتنقل ، فإنك تصطحب معك لاعبين لحمايتك ؛ ألا يقشعر بدنك وأنت تنطق بمثل هذا الكلام ؟ "
تغيرت تعبيرات "سونغ " قليلاً ، لكنه أصر على موقفه قائلاً "إنهم يتحدون هيبة الدولة ، وهذا سلوك لا يمكن التغاضي عنه. و إذا سمحنا لواحد بإثارة القلاقل اليوم ، فسيشتكي اثنان غداً ، وفي الغد سيعلو سقف مطالب الثلاثة. ألن تؤول الدولة حينها إلى الفوضى ؟ نحن نعتمد على اللاعبين الآن ، لكن لا يمكننا تركهم يعيثون في الأرض فساداً أو يتوهمون أنهم فوق سائر البشر. "
بدا الوهن على وجه "وو " وهو يقول "لقد تبدلت الأحوال. "
فإذا فشلوا في إدارة الأمور بحكمة خلال هذه الطفرة المبكرة في أعداد اللاعبين ، فإن الاحتقان سيزداد سواراً. وعندما لا تعود القوة قادرة على تهديد حياة اللاعبين ، سيخرج الوضع عن السيطرة تماماً.
لذا فإن الأولوية القصوى الآن ليست في إخضاع اللاعبين للقوانين أو الأعراف بالقوة ، بل في كسب ثقتهم وحثهم على الانخراط في صفوف الدولة. فمن خلال تعزيز صفوف "اللاعبين الطليعيين " فقط ، يمكن الحفاظ على النظام على المدى الطويل.
"سأذهب لتفقد الآخرين " قالها القائد "وو " ثم نهض وغادر غرفة الاجتماعات.
من بين أعضاء قسم الدفاع الخاص الذين ولجوا "منطقة الضباب " معاً لم يعد سوى ستة عشر فرداً ؛ أما البقية فقد ابتلعهم الضباب وتواروا عن الأنظار. ولم يُعرف إن كانوا قد علقوا هناك ، أم أنهم استخدموا تذاكر القطار لدخول دهاليز أخرى.
ومن بين الناجين الذين عادوا ، ظل أربعة منهم فاقدين للوعي. وقد استنفد الفريق الطبي شتى الوسائل لإيقاظهم دون جدوى. حيث كانت حالتهم تختلف عن حالة "شو هو " ؛ فرسوم أمغتهم بدت طبيعية ، وبدت حالتهم أقرب ما تكون إلى سبات عميق.
"فرص استيقاظ هؤلاء ضئيلة للغاية " أخبر البروفيسور "لان " ثلة من الأطباء القريبين منه ، وأضاف "ما لم يتمكن أحد من إخراجهم من تلك الحالة سريعاً كما حدث مع الآخرين ، فإن قواهم ستخبو تدريجياً حتى الموت. "
عقب أحد الخبراء في الموقع "قبل أن يذبلوا تماماً ، سيتم نقلهم إلى المحطة في أقل من شهر... كيف حال 'شو هو ' ؟ "
أجاب أحد الأطباء "البروفيسور 'تانغ ' يجري له تدخلاً نفسياً. "
أصابت الدهشة القائد "وو " للحظة وتساءل "أيمكن تقديم استشارة نفسية لشخص في غيبوبة ؟ "
قال البروفيسور "لان " "بالنظر إلى نشاط موجاته العقلية ، فالأمر ليس مستحيلاً. نحن نراه في نوم عميق ، لكنه ربما يصارع لإنقاذ نفسه. لنذهب ونلقي نظرة. "
نُقل "شو هو " إلى غرفة معزولة تماماً. جلس "تانغ غوانغ بو " بجانب سريره يتحدث إليه. وأظهرت الأجهزة أن "شو هو " يتفاعل مع الحديث الخارجي ، رغم أن ذلك لم يكن جلياً وسط اضطراب قراءات تخطيط العقل المفرطة.
سأل البروفيسور "لان " "هل طرأ تحسن على حالته ؟ "
التفت "تانغ غوانغ بو " وبابتسامة قال "لا أرى ما يدعو للقلق. إنه يستجيب لكلماتي ، مما يشير إلى أن وعيه حاضر. أما عن سبب عجزه عن الاستيقاظ التام ، فربما يعود ذلك إلى أن حالته الجسديه لا تزال تلهث خلف سرعة تطوره. "
تطلع البروفيسور "لان " نحو الطبيب المعالج الذي أفاد على الفور "قبل عشر دقائق ، حقناه بجرعة منقى من عقار التطور ، لكنها لم تحدث أي أثر. "
قطب "لان " حاجبيه وقال "هذا أمر غير طبيعي. بناءً على الجدول الزمني لتطوره ، فإن جرعة بهذا الحجم ينبغي أن تشكل عبئاً على الجسد وتنتج رد فعل ما. لا يمكن أن يمر الأمر دون استجابة على الإطلاق... إن حالته تختلف عن بقية المتطورين. "
وما إن أنهى حديثه حتى تبدلت وتيرة أنفاس الأطباء الحاضرين دفعة واحدة.
اندفعت "يان جيايو " بخطوات واسعة نحو السرير ، وركلت كرسي "تانغ غوانغ بو " لتبعده ، وهي تزيح الجمع المتراجع بيدها ، وقالت بنبرة تنذر بالشر "لقد قلت مراراً وتكراراً ، لا يُسمح لكم بسحب دمه. "
وقف الآخرون في الغرفة مكتوفي الأيدي ، لكن البروفيسور "لان " قال "بما أن وعيه حاضر ، فلنجرب الدواء أولاً. أحضروا العقاقير. "
لم يكد القائد "سونغ " الذي دخل التو ، يفتح فمه للاعتراض حتى رأى فجأة يد المريض تنتفض من تحت الأغطية. "هل استيقظ ؟ "
التفت الجميع ليشاهدوا "شو هو " وهو يرفع يده ويوجه ضربة قوية لبطنه. وبينما ظن البقية أنه على وشك استعادة وعيه ، انقضت "يان جيايو " نحوه ، فانتشلته من مكانه ، وركلت السرير بقوة لتقفز بعيداً عنه وهي تهرع نحو الباب. وفي اللحظة التي قفزت فيها مبتعدة ، انهار الجدار المجاور بعصف انفجار ، واقتحمت شاحنة ضخمة الغرفة بكل عنف!