الفصل 716: خَلِيفَةُ إلهِ النَّارِ
ثيايريا
شَعَرَ سو تاو بالدَّهشة ؛ فقد كان على دِرايةٍ بمنظمة "مَنارة النَّار ". لقد مَدَّت يوان لان ، وهِي جين ، وتانغ شي يَدَ العَونِ إليه في مَواقفَ عِدَّة ، لذا كان يَعلمُ أنها منظمةٌ استثنائية ، وكان قد بَنى معها صِلةً منذ أمدٍ بعيد. ومع ذلك لم يَتوقع قَطُّ أنَّ تلك الرَّابطةَ قد تَشكَّلت قبل ذلك بكثير ، وأنَّ الشخصَ الذي يَقِفُ خلفَها ليس سِوى يان ووجين!
"أعرفُ السيد شُوي منذ أكثرَ من ثلاثةِ عقود. و في ذلك الحين لم أكن سوى حارسٍ شخصي لمسؤولٍ رفيعِ المستوى. خِلالَ فترةِ الإصلاحاتِ الأولى ، خَطَّطَ ذلك المسؤولُ لجعلِ الاقتصادِ مِحوراً للبلاد ، لكنَّ السيدَ شُوي خَشيَ مِن وقوعِ فوضى ، فأسَّسَ 'مَنارةَ النَّار '. وهذا هو السَّببُ في كونِ المنظمةِ تختلفُ عن غيرِها من المنظماتِ الخاصة ؛ فنحن نُركِّزُ في المقامِ الأول على حمايةِ استقرارِ الاقتصاد ". ارتسمَت على وجهِ يان ووجين ابتسامةٌ وهو يَسترجعُ ذكرياتِ الماضي.
قال سو تاو مبتسماً "هذا أمرٌ مُفاجئٌ حَقاً لم أتوقع أبداً أنَّ إلهَ النَّار قريبٌ مني إلى هذا الحَدّ ".
أومأَ يان ووجين برأسِه ، ثم قال باسماً "لقد كنتُ أُراقبُك منذ لقائِنا الأوَّل. قلَّةٌ من الناسِ يعرفون هُويتي ، بما فيهم يان جينغ ".
تنهَّدَ سو تاو قائلاً "تُخفي نَفسَك في العَلن أنت زاهدٌ حقيقي ". كان يَنتابُه شُعورٌ غريبٌ ، وكأنَّ كُلَّ خُطوةٍ يخطوها قد وُضِعَت لها خُطةٌ مُسبقة.
لوَّحَ يان ووجين بِيَدِه وقال "أنا مُجرَّدُ فردٍ عادي. لستُ بِمَعزِلٍ عن الأمراضِ أو الموتِ عندَ المَشيب. و على مَدى السنواتِ القليلةِ الماضية ، حَسَمتُ أمري في مدينة هانتشو ؛ فلقد آنَ الأوانُ لأعترفَ بتقدُّمي في العُمر ، وأن أُسلِّمَ دَفَّةَ المُستقبلِ لشبابٍ مِثلك ".
ردَّ سو تاو مُبتسماً "أنت تتمتَّعُ بصحةٍ جيدة ، ولا يَقوى شابٌّ بَعدُ على مُجاراتِك ".
هزَّ يان ووجين رأسَه متنهداً "هذا المَنصبُ في 'مَنارةِ النَّار ' لا يَختبرُ الجسدَ فحسب ، بل يُمحِّصُ العقلَ أيضاً. لم أعُد قادراً على مُواكبةِ التَّيَّاراتِ الحديثة ، وقد دارَ بيني وبين السيد شُوي حِوارٌ طَويلٌ في هذا الشأن. و لقد توصَّلنا لاتفاقٍ مُشترك ، ونأملُ أن تَتولَّى أنت قيادةَ 'مَنارةِ النَّار ' ".
تردَّدَ سو تاو قائلاً "لكنني... ".
"أعرفُ ما يَدورُ في خَلدِك. تُريدُ فقط أن تكونَ طبيباً تُغيثُ الناس ، لكنَّ إمكاناتِك تُؤهِّلُك لما هو أعظم. المُجتمعُ يحتاجُك لتحمُّلِ مَسؤولياتٍ أخرى ". نظرَ يان ووجين إلى سو تاو وتابع "لا بدَّ أنَّ اسمَ تشين جينغ يو ليس غريباً عليك ؛ فهو خَلِيفَةُ 'مجموعةِ التِّنِّين '. وبِامتلاكِك 'مَنارةَ النَّار ' ، ستكون في نفسِ مَكانتِه ".
ذُهِلَ سو تاو حين سَمِعَ تلك الكلمات ، وأطالَ النَّظرَ إلى الكتابِ القَديمِ المَوضوعِ على الطَّاولةِ قبل أن يَسأل "هل كان النِّزاعُ بيني وبين تشين جينغ يو مُدبَّراً من قِبَلِكُم أنت والسيد شُوي ؟ ".
ضَحِكَ يان ووجين ، وابتُرِقَت عيناهُ ببريقٍ خاص "وهل لهذا أهميةٌ الآن ؟ لقد راقبتُك طويلاً أنت طموح ، وحتى دونَ تَدخُّلِنا ، كُنتَ ستلتقي بتشين جينغ يو لا مَحالة. وكما يقولُ المَثَل: لا يَجتمعُ نَمِرانِ في غابةٍ واحدة. لذا كان حَتْماً أن يُصبحَ تشين جينغ يو خَصمَك ".
شَعَرَ سو تاو بالصَّدمةِ لِوهلة ، ثم تنهَّدَ في سِرِّه.
ثعالبُ عَجوزة... ثعالبُ عَجوزة...
لقد اتَّضحَ أنه خُدِعَ من قِبَلِ يان ووجين طَوالَ هذه المُدَّة ، ناهيكَ عن أنه لم يَكُن يَفهمُ السيدَ شُوي كما ظَنَّ. لقد صارَ دُونَ أن يَدري بَيدَقاً على رُقعةِ الشِّطرنج ، يُحرِّكُه كِلاهُما من الخَلف.
بَدَت نبرةُ سو تاو غيرَ راضيةٍ حين قال "لقد خَيَّبتُما ظَنِّي ".
تَصنَّعَ يان ووجين جِدِّيَّةً مُصطنعةً وأكمل "أنت تملكُ الإمكاناتِ والإصرار ، وأنا والسيد شُوي راضيانِ تَماماً عنك. و في الحقيقة ، للأمرِ مُبرِّراتُه ؛ فبِالنَّظرِ إلى أصلِك كان من المُستحيلِ أن نُسلِّمَك مَسؤوليةً بهذا الحَجمِ دونَ أن نَختبرَك. و لكنَّك اكتسبتَ ثِقتَنا بأفعالِك ، وبخاصةٍ إيمانَك الرَّاسخَ بوطنيَّتِك خِلالَ رِحلتِك إلى اليابان ".
تَجمَّدَ سو تاو للحظة قبل أن يبتسمَ بخَجل "إذن ، كُنتُما على دِرايةٍ بأصلي طَوالَ الوقت ".
أجابَه يان ووجين بِهدوء "بالطبع. قد يكونُ أصلُك غامضاً ، لكنَّه حقيقةٌ لا مَناصَ منها ".
في تلك اللحظة ، شعرَ سو تاو بارتياحٍ أكبر ؛ فإذا كانا قد سَلَّماه "مَنارةَ النَّار " رغمَ عِلمِهما بِهويَّتِه ، فهذا يَعني أنه حَازَ على ثِقتِهما الصَّادقة.
هزَّ سو تاو رأسَه مبتسماً "لا أزالُ بحاجةٍ لإعادةِ التَّفكير! ".
لم يكُن ذلك لِقِلَّةِ ثِقَةٍ في نفسِه ، بل لإدراكِه أنَّ مُوافقتَه ليان ووجين تَعني وَضعَ قَدَمِه في مَعتركٍ خَطير ، وأنَّ العَقباتِ التي ستُواجهُه ستكونُ أكثرَ تَعقيداً وخطورةً ممَّا يَواجهُه الآن.
فميدانُ مَعركةِ "مَنارةِ النَّار " يَقَعُ في عَالمٍ آخر. قد يبدو الاقتصادُ في نَمُوّ ، لكنَّ هُناكَ مَن يَعسُون في الخَلفِ لإثارةِ العواصف. ولحمايةِ استقرارِ الاقتصاد ، دأبت "مَنارةُ النَّار " على اقتلاعِ كُلِّ التَّهديداتِ الكامنةِ في البلاد.
ولِتَوضيحِ الأمر كانت رانجُور الألمانيةُ إحدى تلك التَّهديدات ، وقد كانت "مَنارةُ النَّار " مَسؤولةً عن مٌراقبتِها ، لِتَقتلعَها وجماعتَها من الجُذورِ إذا لَزِمَ الأمر.
تابعَ يان ووجين مُغرِياً إيَّاه "أعلمُ أنَّك تُخطِّطُ حالياً للاستثمارِ في مَصنعٍ للأدويةِ الصِّينية ، وهذا يَعني أنَّ التَّكتُّلاتِ الدوليةَ ستكونُ خُصومَك. وإذا أردتَ للأدويةِ الصِّينيةِ أن تَدخلَ السُّوقَ العالميَّ وتُنافِسَ تلك الكِياناتِ العِملاقة ، فأنت بحاجةٍ إلى دَعمِ 'مَنارةِ النَّار ' ".
كان يان ووجين يَمكثُ في عقلِ سو تاو ويُدركُ نُقطةَ ضَعفِه ؛ فهو يَتوقُ إلى القُوَّة.
يَرى الكثيرون في القُوَّةِ سُمّاً ، وليس ذلك بِظَنٍّ يَعوزُه الدَّليل. وبالطبع لم يَكن سو تاو استثناءً من ذلك.
ابتسمَ سو تاو بقلَّةِ حيلة "يبدو أنني لم أَعُد أملكُ مَفراً من قَبضتِك وقَبضةِ السيد شُوي ".
ربَّتَ يان ووجين على فَخذِه بِلُطفٍ وضَحِكَ "هذا مُؤكَّد! قد يَبدو لك أنني أُناقشُك ، لكنَّ الأمرَ في حقيقتِه إخطارٌ نهائي. و هذا المَنصبُ لكَ حتى وإن رَفَضت. و لقد بَذلنا أنا والسيد شُوي جُهداً جَهيداً لأجلك ، أفتظنُّ أننا سنُضيعُ مَساعِيَنا إن رَفَضتَ الآن ؟ ".
هَزَّ سو تاو كَتِفَيه "سأبذلُ قُصارى جُهدي ".
قال يان ووجين باسماً "أعرفُك حَقَّ المعرفة. أنت تَتظاهرُ بِالرَّفضِ لا أكثر. فأيُّ رَجُلٍ لا يَتوقُ لمَسيرةٍ مِهنيَّةٍ ناجحة ؟ في هذا العَصرِ الذي يَعُمُّه السَّلام ، لا مَعنى لِحياتِك إن اكتفيتَ بِجَمْعِ المال. إنَّ العوالمَ الخفيَّةَ والعواصفَ التي لا تُرَى هي ما يَجِبُ على الشَّابِّ أن يَخوضَه. و لقد هَرِمنا ، وحانَ الوقتُ لِنُسلِّمَ الأمانةَ لِجيلِكم ".
قد يَبدو يان ووجين هادئاً ووَقوراً في مُعظمِ الأوقات ، لكنَّ ذلك لم يَكُن سوى قِناعٍ لا أكثر.
فجأةً ، سألَ سو تاو بِفُضول "لماذا يَقبعُ والدُ يان شا في الخارجِ الآن ؟ ".
فحسبَ العُرفِ السَّائد ، يَجبُ أن يَرِثَ الابنُ مَسيرةَ أبيه ، لذا كانَ يَجدرُ بِيان سُن أن يكونَ خَلِيفةَ إلهِ النَّارِ بَدلاً عنه.
لَم يُخفِ يان ووجين خَيبتَه في ابنه يان سُن "لقد ارتَكبَ جُرماً لا يَغفرُه صِينيٌّ قَط. والآن ، حَياتُه هي أشدُّ عِقابٍ يَتجرَّعُه ".
لم يَسترسل سو تاو في التَّحقيقِ بالتَّفاصيل ، وتنهَّدَ في سِرِّه. فمِن الواضحِ أنَّ يان ووجين يَعلمُ أنَّ ابنَه لا يَزالُ حَيّاً ، لكنَّه أخفى ذلك عن جيانغ تشنج هان ويان شا. أيُّ قَسوةٍ هذه ؟
قال سو تاو بِصراحة "أشعرُ أنَّ هذا ظُلمٌ بَيِّنٌ لِلسيد والآنسة! ".
تنهَّدَ يان ووجين وفِي عَينَيه بَقايا حِيرة "لذا أشعرُ أنني خَذلتُهما! حقيقةُ أنَّ يان سُن لا يَزالُ على قَيدِ الحياةِ سِرٌّ لا يَنبغي لأحدٍ أن يَعلمَه ".
أخذَ سو تاو نَفَساً عميقاً وابتسمَ بمرارة "إذن ، هَل يَتوجَّبُ عليَّ اتِّباعُ هذه القاعدةِ مُستقبلاً ؟ أخشى أنَّني لا أستطيع! فمبادئي تَمنعُني من خِيانةِ أو خِداعِ مَن حولي ".
ضَحِكَ يان ووجين قائلاً "هذا صَحيح ، وهذا بالتَّحديدِ ما أَعجبَني أنا والسيد شُوي فيك. قد تَغلبُ مَشاعِرُك على حُكمِك في بعضِ الأمور ، لكنَّك بفضلِها تبدو واقعيَّاً في حَياتِك. نأملُ أن تَستخدمَ سِحرَك الخاصَّ لِتُعيدَ صِياغةَ 'مَنارةِ النَّار ' لتُصبحَ منظمةً بَعداً جديداً. وبما أننا عَقدنا العَزمَ على تَسليمِها لك ، فافعل بها ما تَشاء ".
لَامَسَت كلماتُ يان ووجين وَتَراً حَسَّاساً في قَلبِ سو تاو. فبفضلِهما تَمكَّنَ من حَلِّ الكثيرِ من الأزمات. ورغمَ أنهما كانا يُراقبانِه إلا أنَّ ذلك كان نَوعاً من حِرصِ الكِبارِ على مصلحةِ الصِّغار.
لَمَعَت عَينا سو تاو وهو يقولُ بِنبرةٍ حازمة "بما أنَّ الأمرَ قد وَصلَ إلى هذا الحَدّ ، فلا سَبيلَ أمامي لِلرَّفض. سأُفرِغُ كُلَّ جُهدي ولن أَدَّخِرَ وَسْعاً! ".
ثَمَّةَ فَرْقٌ بين بَذْلِ الجُهدِ وبين عدمِ ادِّخارِ الوَسع ؛ فالأولى كانت بنبرةِ استسلامٍ خَفِيّ ، أما الثَّانيةُ فكانت عَقيدةً لا تَلين.
"بِالمُناسبة ، رَفيقُك الذي يُلقَّبُ بِـ 'شَيطانِ السِّكين ' ، ذلك الشَّابُّ ذو اللقبِ 'ليو '. هو بارعٌ جِدّاً ، ويُدرِّبُ قُوَّاتِك الخاصةَ الآن ، أليس كذلك ؟ لِمَ لا تُرسِلُه لِتلقِّي تَدريباتٍ في 'مَنارةِ النَّار ' لِفترة ؟ سَيَكونُ ذلك مُفيداً لَه لِتَعزيزِ قُوَّتِه ". كان يان ووجين قد تَبادلَ الحديثَ مَع ليو جيان وي ، وكان مُدرِكاً لِمَهاراتِه.
ابتسمَ سو تاو "سأستشيرُه في هذا الأمر ، لكنَّني أَعرفُه جيِّداً ، ولا أظنُّه سيَرفض ". فليو جيان وي مُولَعٌ بِفُنونِ القِتالِ إلى حَدِّ الجُنون ، ولن يُفوِّتَ فُرصةً لِمُقابلةِ المزيدِ من الخُبراء.
وبعدَ صَمتٍ قَصير ، أضافَ يان ووجين "أمَّا بِخصوصِ أتباعِك ، فَعليك تَهذيبُهم جيِّداً ، ولا تَدعُهم يَعثون في الأرضِ فَساداً ".
ففي السَّابق ، كَشفَ باسُون ورفاقُه عن هُوِيَّتِهم في حادثةِ مُقاطعةِ نانيو ، بل وطاردوا تلك القاتلةَ حتى الموت. حيث كان كُلُّ ذلك تحتَ مَجهرِ "مَنارةِ النَّار " لكنَّهم غَضُّوا الطَّرفَ لِكونِ الأمرِ لم يُهدِّدْ سَلامةَ المُواطنين.
وبِحسبِ نبرةِ يان ووجين ، فإنه لَن يَتساهلَ معهم إذا تَجاوزوا الخُطوطَ الحَمراء.
تنهَّدَ سو تاو مُدرِكاً أنه لا خَفاءَ على يان ووجين ، وأجاب "إنهم مَجموعةٌ من المَساكين ، وسأعملُ على إصلاحِهم ".
قال يان ووجين باسماً "لقد قُلتُ كُلَّ ما يَجبُ قَولُه ، لذا عَدِّلْ من نَفسِك الآن. فأنت لن تَحمي 'قاعةَ النَّكهاتِ الثَّلاث ' وثقافةَ الطِّبِّ الصِّينيَّ فحسب ، بل صارَت أَرواحٌ كَثيرةٌ بَينَ يَديك ".
ابتسمَ سو تاو "سأحمي 'مَنارةَ النَّار ' كما حَميتُ 'قاعةَ النَّكهاتِ الثَّلاث '! ".
وحين غادرا غُرفةَ المَكتب ، انحنى ظَهرُ يان ووجين مُجدَّداً ، لِيَعودَ إلى هَيئتِه العادية.
وبعدَ أن ألقى سو تاو التَّحيَّةَ على جيانغ تشنج هان ويان شا ، غادرَ المَقرَّ ورَكِبَ سَيَّارتَه ، بينما أنارت جيانغ تشنج هان مَصابيحَ الفِناءِ لِتُضيءَ لَه الطَّريق.
نَظرَ سو تاو إلى ذلك الظِّلِّ ، وتنهَّدَ في سِرِّه قبل أن يُشغِّلَ مُحرِّكَ سَيَّارتِه ويَختفي في دُجى اللَّيل.