**الفصل 611: تحت الضوء**
بعد أن انتظر ليو جيان وي قرابة الخمس عشرة دقيقة ، أضاء هاتفه. وصلت إليه رسالة من "باسون " تقول "لقد عثرت على قرص (يوسب) بحوزة جيانغ مينغ شوان ".
كانت النتيجة أكثر سلاسة مما كان يتصور ؛ إذ لم يتخلص جيانغ مينغ شوان بعد من المعلومات التي استخلصها "هي يو " بل احتفظ بها معه.
في واقع الأمر كان جيانغ مينغ شوان غير متعاون في البداية ، لكن تحت وطأة استجواب "باسون " له ، خضع مذعوراً على حياته. اعترف بأنه هو العقل المدبر وراء فضيحة "صناديق تشيهوانغ الخيرية " وفي الوقت نفسه ، وعدهم بأنه إذا ما أطلقوا سراحه ، فسيمسح فوراً كل ما يخص هذه الفضائح من شبكة الإنترنت.
من الواضح أن جيانغ مينغ شوان ندم على هذه اللحظة. لطالما اعتبر نفسه شخصاً لا يرحم ، وأن هناك حشداً من الناس في "يانغ تشنج " و "شيانغ دو " مستعدون للتضحية بحياتهم من أجله. وهكذا ، لطالما كان هو من يهدد الآخرين ، لكنه لم يتوقع يوماً أن يتجرع هو كأس التهديد.
وكما يُقال "فوق كل ذي علم عليم " ؛ فقد استهان جيانغ مينغ شوان بتعقيدات العالم. حيث كان بوسعه استئجار قتلة للنيل من "هي يو " لكنه أغفل القوى الخفية التي يتمتع بها "سو تاو " والتي باغتته بما لم يحتسب.
لو كان جيانغ مينغ شوان مستعداً مسبقاً ، ووزع حراسة يكفى لحماية نفسه دون ترك ثغرة لخصمه ، لما كان من السهل على ليو جيان وي تحقيق هدفه. ففي النهاية ، وكما يقول المثل "أهل مكة أدرى بشعابها " لكن جيانغ مينغ شوان استخف بـ "سو تاو " ودفع ثمن ذلك غالياً. ففي أعين الآخرين ، هو زعيم مقاطعة نانيوي ، ولا أحد يجرؤ على تهديده هناك.
حتى تسليمه لقرص الـ (يوسب) كان وليد اضطرار لا اختيار. ومع ذلك كان واثقاً من قدراته ، ومؤمناً بأنه حتى لو كُشف محتوى القرص للعلن ، فسيتمكن من الاعتماد على علاقاته في مقاطعة نانيوي للحفاظ على نفوذه.
لذا وزن خياراته ؛ فبما أنهم يريدون المعلومات ، فليعطهم إياها ، وسيتعامل معهم لاحقاً عندما يستعيد عافيته.
في تلك اللحظة كان جيانغ مينغ شوان مرعوباً بحق. فقد عاش لسنوات طويلة ، وكان يدرك حكمة "الانسحاب التكتيكي " ؛ ففي النهاية "الانتقام طبق يفضل أن يُقدم بارداً ".
بطبيعة الحال لم يصدق ليو جيان وي وعود جيانغ مينغ شوان. طلب من "باسون " إرسال القرص إلى "شيا يو " للتأكد مما إذا كان يحوي أي معلومات ذات قيمة.
سرعان ما رد "شيا يو " بأن القرص يحوي تفاصيل حول كيفية تحكم "صناديق المحبة الخيرية " وجيانغ مينغ شوان في بضع مؤسسات خيرية أخرى لغسل الأموال. ولو تم كشف تلك البيانات ، فستكون نهاية جيانغ مينغ شوان. وفي الوقت نفسه ، سيُتورط "لي ييدي " أغنى رجال الأعمال في مقاطعة هويانان. وبهذه المعلومات ، سيخضع "لي ييدي " للمساءلة القانونية ويذوق مرارة حياة السجن.
ربت ليو جيان وي على كتف لي بينغ ، وابتسم قائلاً "أنت شخص ذكي ، تعرف متى تنسحب! إذا جاء يوم رغبت فيه بتغيير مسارك ، يمكنك القدوم إليّ في أي وقت ".
نظر لي بينغ إلى ليو جيان وي ، وشعر فجأة وكأنه يعرف هذا الرجل منذ زمن بعيد.
لقد خاض هو الآخر تجربة في حلبات القتال السرية ، لذا كان يعرف "شيطان السكاكين ".
كلما خاض "شيطان السكاكين " قتالاً كان يتسم بالضراوة ويجعل من الهجوم وسيلة للدفاع ، ولا يمنح خصمه فرصة لالتقاط أنفاسه. وفجأة ، أُصيب لي بينغ بالذهول حين أدرك أن الرجل الواقف بجانبه هو ذلك الشيطان نفسه ، غير أن شيطان السكاكين الحالي كان مختلفاً تماماً عن ذلك الكائن العنيف الذي عرفه في الحلبات السرية آنذاك.
"أأنت شيطان السكاكين ؟! " نظر لي بينغ إلى ملامح ليو جيان وي.
"اسمي ليو جيان وي! " استدار ليو جيان وي وابتسم. ورغم أن اسمه الحقيقي لم يكن بفظاعة لقبه إلا أن نبرة صوته كانت تعكس ثقة كبيرة.
ذلك لأنه الآن يسير تحت ضوء الحقيقة ولم يعد يعيش في الظلام. وحتى وإن ظل حازماً ومصمماً على تحقيق أهدافه ، فقد كان ضميره مرتاحاً.
كان تشين غوانغ كبير مراسلي أخبار مدينة نانيوي.
تخصص في التحكم الرقمي وعمل في مصنع لنصف عام ، لكنه أدرك أن تلك الوظيفة لا تلائمه. و في أيام الجامعة كان يحب كتابة مقالات لتعليق على الشؤون السياسية الراهنة ، لذا جرب حظه وتقدم لصحيفة ، وقُبل بالفعل ، ومنذ ذلك الحين سلك طريق الصحافة.
بصفته صحفياً لسنوات طويلة كان تركيزه مختلفاً عن الآخرين. فبينما يركز غيره على الاقتصاد ليتسنى لهم التعامل مع الشركات وتوسيع علاقاتهم ، فضلاً عن احتمالية تلقي الرشاوى -وهو ما يعد مفيداً لهم في مسيرتهم المهنية مستقبلاً- كان هو يزدري ذلك إذ يرى أولئك الصحفيين عبيداً للمال يكتبون مقالات وكأنها إعلانات تجارية ؛ لقد كانوا يتجاوزون الخطوط الحمراء للأخلاق.
كما كان هناك العديد من صحفيي الترفيه الذين يحظون بشعبية ، لكن الوسط الفني مليء بالقواعد غير المكتوبة حتى باتت الأخبار تتدفق بلا توقف. ومع ذلك كان يشعر بالازدراء تجاههم أيضاً ؛ فقد كان يرى أن تخصيص صحفيين للوسط الترفيهي هو إهدار للطاقات ، كما أنهم يضللون قيم المجتمع.
كان تشين غوانغ صحفياً سياسياً ذو سمعة طيبة ، لكنه كان يعيش حياة متقشفة ، ولا يكسب سوى 5,000 إلى 6,000 يوان شهرياً. وحتى بعد زواجه لسنوات طويلة لم يستطيعا سوى تحمل تكاليف شقة مستعملة بمساحة 67 متراً مربعاً ، ولم يسددا قروضهما البنكية إلا في العام الماضي. والحقيقة أنه أتيحت له فرص كثيرة لتغيير حياته حتى أن إحدى الشركات قصدته يوماً بحقيبة تحوي 300 ألف يوان نقداً ، طالبة منه إزالة مقال كتبه يفضح أسراراً مظلمة حول سلامة الغذاء ، لكنه رفضها.
طوال مسيرته كان يملك ضميراً حياً يدفعه لفضح أنشطة المجتمع الدنيئة ، محاولاً اجتثاث كل أشكال الظلام.
ومع ذلك كان هذا الطريق أصعب مما تصور. فلم يكن يواجه احتمال حذف مقاله في أي لحظة فحسب ، بل كان يواجه تهديدات من كل حدب وصوب ؛ حتى إنه تلقى يوماً تهديداً طال عائلته بأكملها حين كشف فسادهم.
لكن رغم ذلك حافظ تشين غوانغ على نزاهته ، رغبة منه في أن يكون مختلفاً عن بقية الصحفيين.
قبل نصف ساعة فقط ، تلقى اتصالاً من رقم مجهول وأضاف حساب الطرف الآخر. وسرعان ما أرسل له الطرف الآخر مجموعة من الوثائق التي أصابته بالصدمة. لو نشر تلك المعلومات حقاً ، لأحدثت هزة في البلاد بأسرها.
كان "شيا يو " يجلس في سيارة "تويوتا هايلاندر " اشتروها مؤخراً. و بعد أن تدمرت سيارته السابقة في مدينة "تشيونغجين " اشترى هذه السيارة باسم "قاعة النكهات الثلاث ". وبما أنها تابعة للشركة كان بإمكانه التمتع بامتيازات معينة.
مقارنة بسيارات الصالون كانت الهايلاندر أكثر رحابة. حيث كان يضع سماعة أذن "بلوتوث " بينما يطبع على لوحة المفاتيح. حيث كانت نافذة المحادثة مفتوحة ، حيث كان "شيا يو " يتناقش مع الصحفي تشين غوانغ حول إمكانية نشر الخبر غداً.
استغرقت محادثتهما أكثر من ساعة ، وعد فيها تشين غوانغ بكتابة المسودة فوراً. ومع ذلك لم يكن من السهل الموافقة على مقال كهذا ، إذ إنه يورط أحد أباطرة مقاطعة هويانان وعدداً من المؤسسات الخيرية الكبرى ، لذا كان هناك احتمال كبير أن يرفض رؤساؤه المقال.
"السيد تشين أنت شخص ذو مبادئ ونزاهة. لسنوات طويلة ، أتيحت لك فرص عديدة لنيل جائزة الصين لأبرز الأخبار ، لكنك كنت مقيداً بالمواد المتاحة. و هذا النوع من الأخبار لا يمس السياسة الراهنة ، وهو ذو مغزى كبير. وعلاوة على ذلك فقد زودتك بالبيانات كاملة. و إذا أحسنت استغلال هذه الفرصة ، فأتخيل أن الشرف سيكون من نصيبك هذا العام " هكذا كان "شيا يو " يحرضه.
"سأحاول ، لكن الأمر يعتمد على الحظ إن كان سيُنشر أم لا " تنهد تشين غوانغ أمام حاسوبه. فلم يكن يكترث للجائزة ، بل كان يشعر أن لهذا المقال أهمية كبرى. ومع ذلك كان تأثيره واسع النطاق إذ يتضمن قوى تفوق قدراته ، وهذا كان التحدي الأكبر الذي واجهه في مهنته كصحفي.
حين رأى أن الطرف الآخر لم يعد يرد ، أغلق تشين غوانغ أداة المحادثة وبدأ في ترتيب المواد. حيث كانت أكثر مما تصور ، بل وتضمنت العديد من الأسرار المظلمة ؛ لذا فمن المؤكد أنها ستحدث هزة في المجتمع.
في الواقع لم يكن "شيا يو " بحاجة لكثير من الشرح ، فأي صحفي يمكنه شم رائحة الفرصة. حيث كان هذا النوع من الأخبار ضخماً للغاية ، وبمجرد كشفه ، سيشكل طفرة كبيرة له وللشركة.
ولأن المواد كانت تكفى ، كتب تشين غوانغ سلسلة من المقالات. وبحكم خبرته المهنية ، استغرق الأمر ساعة واحدة فقط لينهي مسودة من 2,000 كلمة. و بعد مراجعة المقال ، أرسله إلى محرر الوردية الليلية "هذا مقال عاجل للغاية. هل يمكن نشره صباح الغد ؟ "
كان تشين غوانغ أحد كبار الصحفيين في الشركة ، وكان يحظى بامتيازات خاصة لدى المحرر.
بعد أن قرأ المحرر المقال ، اتصل فوراً بتشين غوانغ لأنه لا يستخدم أدوات المحادثة ، وسأل بنبرة جادة "هل تملك دليلاً على هذا المقال ؟ إذا رفع الطرف الآخر دعوى قضائية ضدنا ، فقد تقع في مأزق ".
"بما أنني تجرأت على كتابته ، فهذا يعني بطبيعة الحال أن لدي الأدلة. هل يمكنك مساعدتي في إتمامه ؟ " ابتسم تشين غوانغ.
أطلق المحرر تنهيدة في سره ، ثم ابتسم بضعف "حسناً ، لكن هذا النوع من المقالات يتطلب إجراءات طويلة ، وقد يضطر للمرور على رئيس التحرير. سأجهز مادة بديلة في حال رُفض المقال ، لكي لا نضع الشركة في موقف محرج ".
"شكراً لك! " أجاب تشين غوانغ بصدق.
"بصراحة ، أنا أتطلع إليه أيضاً. و آمل أن يتمكن رئيس التحرير من تحمل الضغوط وفضح كل هذه الأسرار المظلمة " ابتسم المحرر.
"إذا رفضت شركتنا نشره ، فسأضطر لإرسال المواد إلى منصات أخرى. و لقد قررت أنه لابد من وجود وسيلة إعلامية ذات صوت حق ، تضغط على هؤلاء الأشرار وتواجههم " أجاب تشين غوانغ بهدوء.
بعد أن أنهى "شيا يو " محادثته مع تشين غوانغ ، أرسل رسالة تهديد لأولئك الصحفيين الذين حاولوا عرقلة "سو تاو " في المؤتمر الصحفي.
"لدي أدلة على تلقيكم رشاوى لتزييف الحقائق. و إذا كنتم ترغبون في تجنب التحقيق ، فاحذفوا مقالاتكم اليوم. وإلا ، فستواجهون حكم القانون غداً ".
حتى أن "شيا يو " أرفق أدلة بحثه مع كشوفات الحسابات البنكية.
من المستحيل على الأشخاص العاديين العثور على مثل هذه الأمور ، لكن بالنسبة لـ "متحرٍ " خبير مثل "شيا يو " كان هذا أمراً يسيراً.