الفصل 522: ترقب وانتظار
كانت نتائج الجولة الأولى من المنافسة جليةً واضحة ؛ إذ لم يقدم أطباء الطب الغربي الثلاثة أي أساليب علاجية مبتكرة ، في حين نجح الطبيبان الآخران في لفت أنظار الجميع ، وقاما بعلاج "تان لويو " من المرض الذي أرق مضجعه لسنوات طوال.
ناهيك عن ذلك التهديد الذي أطلقه "تشو ونيوان " حين فقد أعصابه في وقت سابق ، مما منح "سو تاو " و "لينغ يو " صدارة الترتيب في هذه التصفيات.
وعلى الجانب الآخر ، بدت ملامح "او يانغ دي " و "جي دونغهان " و "بينغ هاني " كئيبة ، فقد ظنوا في بادئ الأمر أن طبيعة التحدي تصب في مصلحتهم إلا أن النتيجة جاءت مخيبة لآمالهم ومخالفة لتوقعات الجميع.
لم يكن ذلك لقصور في مهاراتهم الطبية ، بل لأن طبيباً متخصصاً في الطب الغربي بحجم "تان لويو " لم يجد سبيلاً للعلاج ، فكيف لهؤلاء الثلاثة أن يأتوا بحلٍ في هذا الوقت الوجيز ؟
أما "سو تاو " و "لينغ يو " فقد كانا يتمتعان بكفاءة طبية عالية ؛ فحتى وإن لم يتبادلا الحديث ، فقد أكدا صحة الأسلوب العلاجي الذي اتبعه أحدهما للآخر.
ورغم أن تعاونهما بدا مثالياً إلا أن منافسةً خفية كانت تضطرم بينهما.
في تلك اللحظة ، اعتلت "سو تاو " مشاعر متضاربة ؛ مزيجٌ من الغبطة والحيرة.
فمهارات "لينغ يو " الطبية تتفوق بوضوح على مهارات أخيه الأكبر "وانغ غوفنغ " علاوة على تمتعه بشخصية متواضعة ومنطوية ، مما حال دون شعور "سو تاو " بأي ضغينة تجاهه.
بيد أن كلاهما مرشحان في "اختيار الطبيب الوطني " وحتى إن تعاونا لمرة ، فسيظلان في نهاية المطاف خصمين لدودين.
بينما كان "لينغ يو " ينظر إلى "سو تاو " بعين المودة ، أثنى عليه قائلاً "أخي الأكبر سو ، لك الفضل الأكبر في تخفيف ألم المريض ، ولو كان للحكام أن يضعوا تقييماً ، فستنال حتماً درجات أعلى مني ".
لم يكن صوته عالياً ، لكن كل الحاضرين سمعوه حتى إن "هيليان تشين " أومأ برأسه موافقاً و ربما كان "هيليان " طبيباً غربياً ، لكنه استطاع تمييز الحق ؛ فبينما كانت إبر "لينغ يو " الصينية ماهرة كان تدليك "سو تاو " بمثابة معجزة إلهية في قدرته على تسكين آلام المريض.
كان هذا يعني أن تدليكه يحقق تأثير التخدير نفسه ؛ ففي الجراحات الغربية ، قد يكون الجراح الرئيسي هو الركن الأساسي ، لكن أطباء التخدير لا يقلون عنه أهمية. وعموماً ، فإن قسم التخدير في المستشفيات التي تستقبل أعداداً كبيرة من المرضى يحتل مكانة مرموقة.
بعد وقت قصير ، نُقل "تان لويو " إلى غرفة الاستراحة ، وجلب له الطاقم الطبي بعض الحساء ، وما إن انتهى منه حتى شعر بدفء وقوة تسري في أوصاله.
دفع "هيليان تشين " الباب ودخل يسأل "كيف حالك يا صديقي القديم ؟ "
اعتلت محيا "تان لويو " حمرة الصحة بعد أن كان شاحباً ، وتنهد قائلاً "أنا مذهول و ربما كان العلاج مؤلماً ، لكنني شعرت وكأنني ولدت من جديد. و لقد عانيت لسنوات طويلة من ضعف جسدي المتزايد ، وبحثت في العديد من المراجع واستشرت الأصدقاء ، لكن دون جدوى في علاج شلل النوم الذي كان يعذبني! أما الآن ، فأنا أشعر بالإعياء وأرغب في أخذ قسط من الراحة ".
ابتسم "هيليان تشين " بمرارة وأجاب "لا يمكنك النوم بعد ، فقد كنت أنت المريض ، ورأيك حاسم. و لقد صدرت نتائج التقييم ، وعليك الاطلاع عليها ، فأنت تملك حق النقض (الفيتو) ".
وهذا يعني أن لـ "تان لويو " بامتلاكه حق النقض أن يقلب النتيجة إن وجد فيها خللاً.
تناول "تان لويو " الورقة ، وألقى نظرة عليها ثم ابتسم بمرارة "يا للمفاجأة لم أتوقع أن يحصل فريق الطب الغربي على تقييم منخفض كهذا ".
حلل "هيليان تشين " الموقف قائلاً "يعود ذلك إلى نجاح سو تاو ولينغ يو في تحليل الأجزاء المفقودة وإظهار قدرات استثنائية. فهما ليسا بارعين في الطب الصيني فحسب ، بل يمتلكان أساساً في الطب الغربي ، لذا لم تشكل الأجزاء المفقودة عائقاً أمامهما. أما الأطباء الغربيون الثلاثة ، فقد نجحوا فقط في استنتاج نوع اضطراب النوم الذي تعاني منه ، بينما أصاب الطبيبان في تحليل كل شيء ".
تنهد "تان لويو " قائلاً "الطب الصيني يمتلك ميزة عند الفحص ؛ فهو يركز على الدقة ، ليس فقط في التشخيص ، بل في تحديد أصل العلة أيضاً والطب الغربي يقصر في هذا الجانب ".
أومأ "هيليان تشين " برأسه وأضاف "لا يحدث هذا إلا مع الأطباء الموهوبين ؛ فالأطباء العاديون لا يمكنهم ملاحظة كل هذه التفاصيل ".
قال "تان لويو " متنهداً "يبدو أننا واجهنا خصوماً أقوياء في هذه التصفيات الوطنية! "
ابتسم "هيليان " ابتسامة ساخرة وأضاف "ناهيك عن وجود اثنين منهم! هل أدركت الآن لماذا تخلى شيا دي تشون عن انحيازه للطب الغربي ليوصي بسو تاو ؟ "
احمر وجه "تان لويو " عند سماع ذلك "سأتصل به لاحقاً لأعتذر منه. حين سمعت الخبر في ذلك الوقت ، اتصلت به ووبخته ونعتُّه بالخائن لأنه أوصى بطبيب تقليدي رغم كونه طبيباً غربياً ".
أجاب "هيليان " "لطالما كان الصراع بين المدرستين الطبيتين محتدماً ، وأخشى أن يستمر هذا النزاع في الجولتين القادمتين ".
عزاه "تان لويو " "المنافسة أمر جيد! أنت تعلم أن الطب الغربي تفوق بفضل فريق المتخصصين ، لكن الأطباء ذوي الخبرة هم الأكثر قبولاً لدى الناس ، فأدويتهم لا تسبب آثاراً جانبية ، ومفعولها سريع ".
أومأ "هيليان " برأسه قائلاً "كطبيب غربي في الصين ، أشعر أن هناك الكثير لنتعلمه من الطب الصيني. لطالما ظننت أن مكانتنا العالمية لن تتحقق إلا بالتطور في الطب الغربي ، لكننا نملك وصفات ثمينة ورثناها عن أجدادنا ، وقد نصنع معجزات مذهلة إذا أجرينا عليها أبحاثاً يكفى ".
هز "تان لويو " رأسه بأسف "المؤسف أن معظم أطباء البلاد يؤمنون فقط بالنظريات الوافدة ، ويعتمدون اعتماداً كلياً على الأجهزة والأدوية المستوردة ".
تنهد "هيليان " بقلق "الأدوية المستوردة باهظة الثمن ، ورغم فعاليتها ، فهي تشكل عبئاً كبيراً على عامة الناس ".
قال "تان لويو " "لا تزال الصين في بداية الطريق في الطب الغربي ، ونحن متأخرون بعشرين عاماً على الأقل. أمثال او يانغ دي قد عادوا بشهاداتهم ، لكن قدراتهم تتراجع بمجرد ابتعادهم عن الأجهزة الغربية المتطورة ".
لقد وضع "تان لويو " يده على الجرح ؛ فسبب تفوق أمثال "او يانغ دي " على الأطباء المحليين يعود إلى احتكاكهم بجراحات معقدة وأجهزة متطورة في الخارج ، فمثلاً ، إذا طُورت الحواسيب ، سيحصل "او يانغ دي " على النظام الأحدث قبل غيره.
لكن من حيث الموهبة والإبداع ، فقد بدا "او يانغ دي " وزميلاه أقل شأناً من "سو تاو " و "لينغ يو ".
علق "تان لويو " "النتيجة منطقية إذن! "
أومأ "هيليان " قائلاً "عليك أن ترتاح الآن ، لماذا لا تعفى من الجولات القادمة ؟ "
ابتسم "تان لويو " وهو يهز رأسه "لا يمكنني ذلك فأنا متشوق لرؤية ما سيحدث تالياً ".
نظر "هيليان " إلى "تان لويو " بذهول ، فقد أدرك أن صديقه القديم قد انحاز لمهارة "سو تاو " و "لينغ يو " الطبية.
"إذن ، لنترقب وننتظر! "
فرغم كونهم أطباء و يمكنهم أن يصيروا مرضى ، وحين يعجزون عن علاج أنفسهم لفترة طويلة ثم يداويهم من يملك المهارة الحقة ، تصبح مشاعرهم كأي شخص عادي.
سملت السيدة "هان " ورقة إلى مديرها وقالت "ظهرت نتيجة المنافسة الأولى! "
أخذ "ليو يي " الورقة ونظر فيها ، ثم ارتسمت على وجهه علامات الرضا وأومأ برأسه "لا تزال هناك جولتان ، خاصة الأخيرة التي تستهدف شخصيات هامة. حيث يجب أن نكون على أهبة الاستعداد ، وخصوصاً من أجل السيد تشاو ؛ لا يمكننا السماح بأي انزعاج قد يصيبه ".
بما أن السيد "تشاو " هو الشخصية المحورية في الجولة الثالثة ، أجابت السيدة "هان " "لقد تواصل أحدهم بالفعل مع السيد تشاو بخصوص هذا الأمر ، وقد أبدى موافقته ".
رد "ليو يي " "هذا لا يكفي. فرغم تصفية المرشحين الخمسة إلا أنهم يجهلون طباع السيد تشاو ، لذا علينا إطلاعهم على ذلك خلال الجولة الثالثة ، فلا يمكننا السماح بأي تقصير ".
أومأت السيدة "هان " بالقبول ؛ فهي تدرك مدى صرامة "ليو يي " في هذا الأمر ، إذ أن المسؤولين سيحاسبونه إن حدث أي خطأ.
ذهبت السيدة "هان " لوضع الخطط ، فهم يتحملون مسؤولية الخدمات اللوجيستية للمسابقة بأكملها ، ورغم عدم تدخلهم في التحكيم إلا أن عليهم ضمان سير العملية بسلاسة.
استل "ليو يي " هاتفه ، وتردد قليلاً قبل أن يتصل بمعلمه "سونغ سيتشين ".
"كل شيء يسير بسلاسة! "
كان لا بد من إبقاء تفاصيل "اختيار الطبيب الوطني " سرية ، لذا لم يستطع "ليو يي " الإفصاح عن الكثير ، لكن كان على المعلم أن يعلم أن هذا تقرير بالنجاح!
في المقر الرئيسي لشركة "نيولايت ميديا ":
كان وجه "ني جينغتشيو " يوحي بالضيق ، وقد فوجئت بتقرير "آن تشي " حول رد مجموعة "فوجي ".
أفادت "آن تشي " "لقد رفض كوهي كويزومي بذكاء عرض الاستثمار. أما عن شركة "ألتيميت ميديا " فقد نجحوا في الوصول إلى الرجل الثاني في مجموعة "فوجي " واتانابي أريسوكى. ووفقاً لـ كوهي كويزومي ، فإنه سيستقيل من منصبه عند عودته لليابان ليسلمه إلى واتانابي ".
أخذت "ني جينغتشيو " نفساً عميقاً ، وقبضت على يدها وضربت المكتب بخفة "رغم ولاء واتانابي المطلق لـ كوهي كويزومي إلا أنه ينتمي للطرف المعارض. و لقد جاهر بمعاداته للصين عدة مرات في شبابه ، وهذا هو السبب الذي جعلني لا أبحث عنه ".
عبست "آن تشي " وقالت "لكن "ألتيميت ميديا " لا يبدو أنها تبالي بهذا الأمر ؛ فقد التقى مديرها التنفيذي بمسؤولي مجموعة فوجي بالأمس ، ومن بينهم واتانابي ".
ردت "ني جينغتشيو " بجدية "حتى إن لم نحصل على هذا الاستثمار ، فلن نتواصل مع واتانابي. و هذه مسألة مبدأ! "
أومأت "آن تشي " موافقةً على قرارها ، فرغم أن عالم الأعمال مادي إلا أن هذا الأمر يتعلق بكرامة الوطن.
وبعد تفكير قصير ، طمأنتها "آن تشي " "ربما يتغير الموقف ؛ فـ كوهي كويزومي استغل علاقاته لدخول التصفيات كمريض. وإذا تم علاجه ، فلن يضطر للتنازل عن منصبه ".
هزت "ني جينغتشيو " رأسها بتنهيدة "لا أؤمن بالمعجزات. وبما أن فرص التعاون مع مجموعة فوجي ضئيلة ، فابحثي عن مستثمرين آخرين. فطالما لدينا مشروع جيد ، فأنا أؤمن بأننا قادرون على جذب من يقدرون قيمته ".