**الفصل 319: أهليَّةُ التَّعالي**
لقد أثبت سو تاو بطريقة غير مباشرة ، عبر لجوئه إلى أسلوب نفسي ، أنه يكنُّ احتراماً كبيراً لقدرات كيم جونغ-هو.
تمكَّنت ليو روتشين ، عبر قنواتها الخاصة ، من الحصول على معلومات وافية عن كيم جونغ-هو ؛ إذ عالج الأخير 3500 مريض ، مستخدماً مع كل واحد منهم بروتوكولاً علاجياً مختلفاً. و لقد تجاوز بالفعل حدود "الطب الصيني التقليدي " التقليديه القائمة على "الاسترشاد بالكتب الطبية " ؛ وهو المنهج الذي يعتمد على البحث عن وصفات علاجية في المراجع القديمة.
بيد أن هذا المنهج كان يفتقر إلى المنطق ؛ فلكل إنسان طباعه وخصائصه الفريدة ، وحتى مع تشابه الأعراض ، تختلف أنماط حياة المرضى وتكويناتهم الجسديه ؛ لذا فإن الاكتفاء بالوصفات الجامدة من الكتب لا يُعدُّ معياراً دقيقاً.
أما كيم جونغ-هو فقد سعى إلى تحقيق طفرات نوعية من خلال ابتكار تقنيات جديدة انطلاقاً من أسس تلك الكتب. و لقد كان يضع وصفات مختلفة لكل مريض ، مما سمح لهم بالتعافي أسرع من المعتاد.
نشأ كيم في عائلة ذات جذور راسخة تحوز الكثير من المخطوطات الطبية القديمة ، وقد أُجبر على حفظها وهو في الثالثة من عمره. وعلى الرغم من أن نطقه للغة الماندرين كان يشوبه بعض الغرابة إلا أن تمكُّنه اللغوي لم يكن أقلَّ شأناً من أي أستاذ لغويات في جامعة سيول ؛ لأنه أدرك أن بلوغ القمة وتجاوز جده يتطلب الغوص في أصول الطب التقليدي الكوري (تكم) وخصم جوهر الطب الصيني التقليدي (تسم).
في اللحظة التي خطا فيها إلى القاعة كانت يداه ترتجفان من فرط الحماس ، وهو شعور لم يختبره من قبل. نعم كان متحمساً لأنه وجد أخيراً نداً مكافئاً له ، فحتى وانغ غوفنغ لم يثر فيه مثل هذا الشعور ، إذ كان الأخير رزيناً أكثر من اللازم ، وما زال حبيس مستوى "الاسترشاد بالكتب " ولم يكتشف بعد ميزته الخاصة من بين طيات تلك الصفحات.
إذا ما ضربنا مثالاً بفنون القتال ، فإن وانغ غوفنغ يشبه ممارساً وصل في فنٍ قتالي إلى ذروته وأتقن حركاته ، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة تبسيط التقنيات وابتكار أسلوبه الخاص. و على النقيض من ذلك كان كيم جونغ-هو وسو تاو يحملان المعرفة الطبية محفورة في قلبيهما ، ويضعان نفسيهما موضع أسلافهما ليتأملا ويشقا دربهما الخاص.
في أفضل تقدير ، يمكن اعتبار وانغ غوفنغ "خبيراً " بينما وضع كيم جونغ-هو وسو تاو أقدامهما على عتبة "الأكبر الشيوخ ". والفرق بين الخبير والحكيم يشبه الفرق بين تانغ نانتسنغ من جهة ، وسونغ سيتشين ودو فانغغانغ من جهة أخرى ؛ فبينما كانت شهرة تانغ نانتسنغ محصورة داخل مدينة هانتشو كانت سمعة "القدير سونغ " و "القدير دو " تملأ آفاق البلاد.
في نظر كيم جونغ-هو كانت شهرة وانغ غوفنغ ترجع في الغالب إلى خلفيته الأسرية ودعم اثنين من كبار الشيوخ (جده وأبيه) ، أما من حيث المهارة الطبية ، فلا يُعدُّ وانغ غوفنغ شيئاً يُذكر مقارنة بكيم جونغ-هو.
عندما وقعت عينا وانغ غوفنغ على سو تاو ، اجتاحت قلبه عاصفة من الغيرة ، رغم محاولته الحفاظ على هدوئه. حيث كان يسأل نفسه دائماً: ما الذي يمنح سو تاو الحق في أن يكون محطَّ الأنظار في القمة الطبية الدولية ؟
وعندما لمح مورونغ هونغ يدي وانغ غوفنغ المرتجفتين ، تنهد في سريرته ؛ إذ كان يدرك ما يدور في خلده. لذا قال متنهداً "يا غوفنغ عليك أن تكون مستعداً ؛ فإذا خسر سو تاو ، فسيتعين عليك الصعود للمواجهة! "
سأل وانغ غوفنغ بصدمة وهو ينظر إلى مورونغ هونغ "الصعود للمواجهة ؟ "
تابع مورونغ هونغ بلهجة جادة "نعم. إن شرف الطب الصيني التقليدي لا يقبل الهوان. و إذا هُزم سو تاو ، فعليك أن تتحدى كيم جونغ-هو وتستردَّ شرفنا! "
تساءل وانغ غوفنغ "وماذا لو فاز ؟ "
أجاب مورونغ هونغ بعقلانية "سيكون أمراً جيداً إذا فاز. تذكر أننا الآن في الخارج ، وعلينا نبذ خلافاتنا والتوحد! "
ارتسمت على شفتي وانغ غوفنغ ابتسامة ازدراء تجاه منطق مورونغ هونغ. لماذا عليه أن ينظف فوضى سو تاو ؟
سأل مورونغ هونغ ونظراته الحادة تخترق أفكار وانغ غوفنغ "لماذا ؟ أأنت غير راغب ؟ "
رد وانغ غوفنغ "بغض النظر عن النتيجة ، لن أتحرك! أيها السيد مورونغ ، أرجو المعذرة ، لكن لي كبريائي الخاص. "
سمع مورونغ هونغ رده وتنهد بضعف ؛ فقد كان يعلم أن هذا ليس عدلاً بحق وانغ غوفنغ ، وأنه في حال خسر سو تاو ، فسيكون على وانغ غوفنغ تحمل المخاطر حتى لو كان مستعداً لتحدي كيم جونغ-هو. ففي نهاية المطاف ، خسر وانغ غوفنغ أمام كيم جونغ-هو سابقاً ، وسيكون تكرار الهزيمة ضربة قاصمة لنفسيته.
عقد مورونغ هونغ حاجبيه ، فلم يجد مرشحاً أفضل. أكان عليه أن يضع كل آماله في سو تاو فحسب ؟ وهل يستطيع الأخير تحمل هذه المسؤولية ؟
لقد بدأت القمة الطبية الدولية ، برعاية شركات الأجهزة الطبية العالمية الشهيرة التي ضخت مبالغ طائلة في الإعلانات. يزداد الطلب في الطب الغربي على الأجهزة ، خاصة في أدوات الفحص التي تشهد وتيرة تحديث كل ثلاث سنوات ، مما يعني أن المستشفى يضطر إلى إنفاق الأموال لتطوير أجهزته في غضون خمس سنوات في المتوسط.
تُحمَّل تكاليف هذه الأجهزة على كاهل المرضى ؛ فقد تُصنَّع بعض الآلات ببضع مئات من الدولارات ، لكن سعرها يتضاعف بجنون عند بيعها. إنها صناعة ذات أرباح هائلة ، لكنها مرتبطة بصحة الإنسان ، وهي أغلى ما يملك ، لدرجة أن المرضى مستعدون لإنفاق ثرواتهم مقابل العلاج.
مقارنة بالطب الغربي ، لا يتطلب الطب الصيني التقليدي الكثير من التجهيزات ؛ إذ يكفي الأطباء المخضرمون جسُّ نبض المريض لتحديد علته. وبسبب هذه التكلفة المنخفضة والرسوم الزهيدة ، تأثرت قدرة الطب الصيني على البقاء والمنافسة ، وبغياب الجانب التجاري ، تضاءلت الإعلانات ، مما جعل العامة يثقون بالطب الغربي ويشككون في الطب التقليدي. إن معضلة الطب الصيني ليست في معرفته الطبية ، بل في افتقاره للفرص التجارية.
لقد أبلى كيم جونغ-هو بلاءً حسناً ؛ إذ نجح في تحديث الأشياء التقليديه والترويج لها بأسلوبه الخاص ، مما جعل الطب التقليدي الكوري يحظى باهتمام أكبر في كوريا الجنوبية ، وأصبح الناس أكثر قبولاً لتلقي العلاج عبره.
يُقال إن "السفر لمسافات شاسعة خير من قراءة مجلدات كثيرة ". لقد تعلم سو تاو الكثير خلال هذه الرحلة إلى كوريا ، وبدأ يلمس طريقاً لتطوير "قاعة النكهات الثلاث ". لم يكن شخصاً طموحاً بالمعنى التقليدي ، لكنه كان يسير نحو هدف محدد ؛ وكما يقول المثل "على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ ".
ابتسمت ليو روتشين وهي تأمل في تخفيف توتر سو تاو "لم أرَك بهذا الجد من قبل. "
أجاب سو تاو بصراحة "لا أملك خياراً آخر ؛ يجب أن أعترف بأن كيم جونغ-هو هو أقوى خصم واجهته حتى الآن. "
نظرت ليو روتشين لا شعورياً نحو كيم جونغ-هو الذي كان يبدو بدوره جاداً ، وقالت "لقد كنت واثقاً بنفسك دائماً ، وأعتقد أن كيم جونغ-هو سيُصدم إذا سمع تقييمك له. "
هزَّ سو تاو رأسه مقاطعاً "أوه ، لقد أسأتِ فهمي! "
سألته ليو روتشين بحيرة "أسأتُ الفهم ؟ "
أجاب سو تاو بهدوء "نعم. و أنا لست جاداً لأنني أفتقر للثقة في هزيمته ، بل لأنني أفكر في كيفية التغلب عليه بكل جوارحي. "
يا للغطرسة! لكنه في الوقت ذاته كان أهلاً لها. تنهدت ليو روتشين بابتسامة وقالت "إذن لا يسعني إلا تمني الحظ لكيم جونغ-هو ، لنأمل ألا تكون خسارته فادحة. "
حاول سو تاو استدراج ليو روتشين بذكر خطيبها السابق عمداً "لا أظن ذلك فهو في نهاية المطاف أكثر كفاءة من وانغ غوفنغ. "
كيف لليو روتشين ، بابتسامتها المعهودة ، ألا تدرك نوايا سو تاو ؟ أزاحت خصلات شعرها بأصابعها وقالت "إذا كنت تستخدم وانغ غوفنغ دائماً كمعيار للقياس ، فإن رؤيتك ضيقة للغاية. "
عند سماع كلماتها ، كفَّ سو تاو عن الحديث عن وانغ غوفنغ. ورغم أنه كان غير أخلاقي الحديث بسوء عن الآخرين إلا أن سو تاو لم يكن "نبيلاً " بالمعنى الحرفي ، خاصة وأن وانغ غوفنغ كان يكيد له في الخفاء ، لذا لم يجد حرجاً في أن يتخلى عن نبله أمام خصمه.
كانت هناك علاقة وثيقة تنمو بين سو تاو وليو روتشين ، ورغم أن السبب جزئياً هو إعجابها به إلا أنه ظل يطلق الكثير من التلميحات والإغراءات. و في النهاية كان يفعل ذلك ليغيظ وانغ غوفنغ "ألم تكن تتحداي مرة تلو الأخرى ؟ حسناً ، سأغوي خطيبتك لأثير اشمئزازك! "
إن شركة "إله الطب " التي أسسها وانغ غوفنغ وباي فان كانت تقلد "قاعة النكهات الثلاث " وتسرق أفكارها ، بل نصبوا له عدة فخاخ. وحين يحين الوقت ، سيستوفي سو تاو ذلك الدين منهما بلا شك.
كانت "المعالجة الذكية للبيانات " هي المحور الرئيسي لهذه القمة ، حيث ألقى العديد من المتخصصين كلماتهم. حيث كان سو تاو يجلس بصبر يستمع ، ورغم أن الموضوع لا يتعلق مباشرة بالطب الصيني إلا أنه استخلص منه بعض الفوائد. و في وقتنا الحالي ، تتجه العديد من الصناعات نحو استراتيجية البيانات ؛ ولو وُجدت شبكة ضخمة تصنِّف جميع حالات الطب الصيني في قاعدة بيانات ، لأمكن توفير استشارات متخصصة عبر الإنترنت لعدد لا يحصى من المرضى في آن واحد ، وهو أمر مفيد للتطبيق العملي ونشر الطب الصيني.
كان سو تاو سريع التقبل للأفكار الجديدة حتى إنه ثبَّت العديد من التطبيقات على هاتفه. وإذا كان من الممكن تقديم الاستشارات عبر الهواتف ، ألن يكون ذلك أكثر كفاءة ؟
يؤكد الطب الصيني على "النظر ، والسمع والشم ، والسؤال ، والجس ". لكن بالنسبة للأمراض العادية كان "النظر " كافياً ؛ لذا إذا أمكن إدخال ذلك في تطبيق ، فيمكن للأطباء رؤية مرضاهم عبر الشبكة وتقديم الاستشارة. حيث كانت هذه بالتأكيد وسيلة فعالة لتقليل تكلفة العلاج.
مع تبلور الفكرة في ذهنه ، شعر سو تاو بأنه قادر على تجربتها عند عودته إلى الصين. فتقنية التطبيقات ناضجة ، ولا تتطلب استثمارات ضخمة. أما عن الإعلانات ، فيمكنه إطلاق حملة مشتركة بين "شركة مستحضرات التجميل للنكهات الثلاث " و "قاعة النكهات الثلاث " وربما يبتكر نموذجاً تجارياً ناجحاً (و2و).
عند الانتهاء من الإجراءات ، أُزيلت الطاولة من على المسرح وبدأت اللجنة المنظمة بتغيير الترتيبات ، وبعد لحظات ، تحول المكان إلى غرفتي استشارة منفصلتين.
أعلن المضيف بالإنجليزية "سنبدأ الآن حدثنا الرئيسي ؛ جلسة تبادل معرفي بين كيم جونغ-هو من كوريا الجنوبية وسو تاو من الصين! لقد اخترنا الحكام ، وقمنا بترتيب حالتين لمريضين بأعراض متشابهة. ومن يعالج مريضه أسرع سيكون الفائز! ورغم أنها جلسة تبادل معرفي ، فقد اتفق المتسابقان على رهان خاص بينهما ؛ فالخاسر سيضطر إلى تعليق لافتة الفائز على مركزه الطبي أو صيدليته. والآن ، لندعُ المتسابقين إلى الصعود للمسرح! "