الفصل 172 - خطة الرد
«كان ينبغي أن تكون زيارة خاصة ، لذا لم أتوقع أبداً أن ينخرط في هذا الأمر كل هؤلاء الناس!» ابتسم سونغ سيتشين بعد أن تصافح مع دي شوان. حيث كان سونغ شخصاً متواضعاً ، رغم أن دي شوان كان مجرد مسؤول حكومي يشغل منصب رئيس قسم. وعلى النقيض كان سونغ سيتشين الشخصية الأبرز في المجموعة المتخصصة بمقاطعة شيانغنان ، وكان المرضى الذين يعالجهم عادة من كبار الأثرياء ؛ حتى إن رؤساء الإدارات كانوا يضطرون لضبط جداول مواعيدهم بما يتناسب مع جدول أعماله.
ابتسم دي شوان قائلاً: «لطالما سمعت عن السمعة الطيبة للصديقين سونغ ودو. وبصفتي طبيباً ، فإنه لشرف الكبير لي أن ألتقي بكما!»
أثنى سو تاو في قرارة نفسه على دي شوان لحسن انتقائه للكلمات ؛ فهو لم يُعرِّف بنفسه كمسؤول حكومي ، بل كطبيب ، ليوطد بذلك العلاقة بينه وبين سونغ سيتشين ودو فانغغانغ.
ابتسم تانغ نانزهينغ ؛ ولو كان هذا في الماضي ، لاستحال عليه دعوة الرجلين إلى مستشفى جيانغهواي حتى مع شبكة علاقاته الواسعة. و لكن الأمر كان مختلفاً هذه المرة ، إذ كان الاثنان يشعران بالفضول تجاه سو تاو ، ورغبا في استكشاف بيئة العمل لهذا الطبيب النابغ.
سأل دي شوان بابتسامة: «هل نتوجه إلى قاعة المؤتمرات لنستريح قليلاً ؟»
ابتسم وانغ سونغ ، فقد كان قد رتب قاعة المؤتمرات في الليلة الماضية ، بل وأوعز إلى طبيبة ذات مظهر حسن بتقديم شرحٍ عن تطور المستشفى.
لوح سونغ سيتشين بيده مبتسماً: «دعك من ذلك فهذه شكليات لا طائل منها. لنقم بجولة في أرجاء المستشفى ونلقِ نظرة على خطوط العمل الأمامية».
عند سماع كلماته ، أدرك دي شوان أن الرجلين لم يأتيا للسياحة ، بل لفحص قدرات مستشفى جيانغهواي. فمستشفى هونغيا التابع لسونغ سيتشين يُعد من نخبة المستشفيات في البلاد ، وإذا تمكن مستشفى جيانغهواي من كسب ثقة سونغ سيتشين ، فسيفتح ذلك الباب لتبادل الموارد بينهما ، وهو عامل جوهري لتطور مستشفى جيانغهواي.
جرى إبلاغ الأقسام المختلفة ، وبذل الأطباء قصارى جهدهم لإظهار أفضل ما لديهم ، فقد أُخبروا مسبقاً بأن شخصيات بارزة في الوسط الطبي ستأتي للتفتيش. وبخاصة قسم الطب الصيني التقليدي ، حيث كان الأطباء في حالة من الحماس الشديد. فكل مجال له رموزه ، وسونغ سيتشين ودو فانغغانغ في الطب يشبهان تشين داومينغ وتانغ غوشيانغ في عالم الفن ؛ فأسماؤهما تمثل عقيدة ، وطالما وُجد أمثالهما ، فلن يندثر الطب الصيني التقليدي.
حين وصل سونغ سيتشين إلى قسم الطب الصيني ، تقدم تشانغ تشاو بتوتر وعرف بنفسه: «أنا رئيس قسم الطب الصيني ، تشانغ تشاو. أنت مثلي الأعلى ، ولم أتوقع أبداً أن أحظى بفرصة لقائك شخصياً اليوم! هل تسمح لي بالتقاط صورة معك ؟»
رمق سونغ سيتشين دي شوان بنظرة سريعة ثم ابتسم: «لا مانع من الصور ، لكن أخشى أنني لا أصلح لأكون مثلك الأعلى!»
بدت علامات الاستياء على وجه تانغ نانزهينغ وهو يتنهد: «أعتذر منك يا صديقي سونغ ، فتلميذي يتصرف بسذاجة».
نزولاً عند رغبة تانغ نانزهينغ ، التقط سونغ سيتشين صورة مع تشانغ تشاو ، بينما فعل دو فانغغانغ المثل مع معجبيه. ورغم تواضعهما إلا أنهما شعرا بالفخر في أعماقهما لهذا التقدير. فالجميع متشابهون في هذا ؛ مهما بلغ شأن المرء من الرقي ، يظل محباً لظهور مهاراته. فكلما تقدم الإنسان في العمر ، زاد اهتمامه بسمعته وهيبته.
وعند مغادرة قسم الطب الصيني ، تجولوا في بضعة أقسام للطب الغربي حتى عجز سونغ سيتشين عن كتمان ما في نفسه وهمس بضع كلمات في أذن تانغ نانزهينغ. رد الأخير بابتسامة خفيفة: «لم أتحدث مع سو تاو بشأن هذا الأمر بعد!»
هز سونغ سيتشين رأسه متنهداً: «يا صديقي تانغ أنت المخطئ في هذا الأمر ؛ فأنت تعلم يقيناً أننا جئنا إلى مستشفى جيانغهواي من أجل هذا تحديداً».
رأى تانغ نانزهينغ الحيرة على وجه سو تاو ، فأوضح قائلاً: «لن أخفي عنك الأمر. و في الحقيقة ، أراد الصديقان سونغ ودو إلقاء نظرة على الطفلة المدعوة شياو شياو في قسم الأطفال».
ذهل سو تاو للحظة ؛ فرغم أنه خمن أن للرجلين مأرباً من زيارتهما إلا أنه لم يتوقع أن يكون هذا هو السبب. وبعد تفكير وجيز ، بدا الأمر منطقياً ، فسرطان الدم أحد أصعب الأمراض استعصاءً في العالم ، وإذا تمكن الطب الصيني من حله بكل ثقة ، فسيكون ذلك دليلاً على امتلاكه سلاحاً لهزيمة الطب الغربي.
أدرك تانغ نانزهينغ أن مكانته وحدها لا تكفي للمضيف الرجلين في هانزهو ، فضلاً عن قيامهما بجولة في مستشفى جيانغهواي ، لذا أفشى لهما خبر وجود مريضة سرطان دم تخضع للعلاج بالطب الصيني. وعندما سمع الرجلان بذلك لم يتمكنا من كتمان فضولهما. فسو تاو قد صنع معجزة في بطولة "ملك الأطباء " بإفاقته مريضاً في حالة غيبوبة ، ومن يعلم ، ربما ينجح في صنع معجزة طبية أخرى.
بعد أن استوعب الأمر ، قال سو تاو بصدق: «لا تزال شياو شياو قيد العلاج. ورغم أنني سيطرت على حالتها إلا أنني لم أجد بعد الطريقة المثلى لاجتثاث المرض من جذوره».
ابتسم تانغ نانزهينغ قائلاً: «إذن ، دعنا نلقِ نظرة على المريضة بأنفسنا».
توجهت المجموعة إلى قسم الأطفال. حيث كانت لو شيمياو قد أُبلغت مسبقاً ، وحين رأت سو تاو يقف بين سونغ سيتشين ودو فانغغانغ يتبادلون أطراف الحديث بودّ ، شعرت بسعادة غامرة. فرغم صغر سن سو تاو إلا أنه أقنع الجميع بمهارته الطبية ، وصارت مدينة هانزهو بأكملها تعلم بوجود طبيب عبقري في مستشفى جيانغهواي. وبطبيعة الحال ورغم انتقال معظم المرضى إلى "قاعة النكهات الثلاث " إلا أن سو تاو أعاد الاعتبار لمستشفى جيانغهواي وبعث الحياة في قسم الطب الصيني.
ابتسمت لو شيمياو لسونغ سيتشين ودو فانغغانغ وقالت: «تفضلوا معي من فضلكم!»
كان مزاج الرجلين جيداً ؛ فليس هناك ما يعكر الصفو بوجود جميلة تقود الطريق. دخلت لو شيمياو الغرفة أولاً وشرحت الوضع لشياو شياو ووالدتها لتجنب ترويع الطفلة. وبعد الحصول على موافقتهما ، دخل الجميع. وعندما رأت شياو شياو سو تاو ، ظهرت غمازات وجهها الجميلة وهي تبتسم: «مرحباً عمي سو!»
اقترب سو تاو أولاً وجس نبضها قبل أن يقول: «شياو شياو ، بشرتك تبدو بحال جيدة جداً. لم يتبقَّ الكثير ، وستتمكنين من مغادرة المستشفى بصحة وعافية!»
تعجبت شياو شياو وسألت: «حقاً ؟»
أومأ سو تاو برأسه مجيباً: «هل كذبت عليك يوماً ؟»
فكرت شياو شياو قليلاً ثم قالت بجدية: «عمي سو أنت لم تكذب عليَّ قط ، لذا أنا أصدقك!»
تبادل سونغ سيتشين ودو فانغغانغ النظرات ، وبدا العجز في عيني كل منهما. ففي نظرهما كان سو تاو يواسي الطفلة فحسب ، فكلمة "لم يتبقَّ الكثير " تقدير فضفاض ؛ قد يعني شهراً ، أو عاماً ، أو ربما أكثر.
نظر سونغ سيتشين إلى شعر رأس شياو شياو بذهول وسأل لو شيمياو: «ألم تخضع المريضة لأي علاج كيماوي ؟»
أجابت لو شيمياو بصراحة: «خضعت للعلاج الكيماوي سابقاً ، ولكن بعد بدء علاج الطبيب سو ، تحولت إلى الطب الصيني ؛ مستخدماً الوخز بالإبر ، والتدليك ، والأعشاب. ومن المثير للدهشة أن شعرها قد نما بهذا القدر في وقت وجيز!»
كان دو فانغغانغ قليل الصبر بطبعه ، فاقترب من شياو شياو وبدأ بفحصها بالنظر. لم تبدُ مختلفة كثيراً عن الأشخاص العاديين ، فأفسح له سو تاو المجال. و بدأ دو فانغغانغ بجس نبضها عاقداً حاجبيه ، وانغمس كلياً في الفحص. وبعد مرور خمس أو ست دقائق ، تنهد والتفت إلى سونغ سيتشين: «ألقِ نظرة أنت أيضاً!»
رأى سونغ سيتشين دو فانغغانغ وقد انفرجت أساريره وتألق في عينيه بريق ، فاقترب وبدأ بجس نبض شياو شياو. استغرق وقتاً أطول من رفيقه ، ثم تنفس الصعداء بهدوء وقال: «لنخرج الآن وندع المريضة ترتاح».
بمجرد أن أنهى كلماته ، اتجه سونغ سيتشين نحو الباب متبوعاً بدو فانغغانغ ، وبدأا يتحدثان فيما بينهما. حيث كان تانغ نانزهينغ في حيرة من أمره وهو ينظر إلى سو تاو بعيون متسائلة ؛ فهل حدث شيء ما ؟
هز سو تاو كتفيه وهو يغادر الغرفة معهما ، كأن لا علم له بما يدور.
وعند إغلاق باب الغرفة ، تغيرت ملامح سونغ سيتشين والتفت إلى سو تاو: «أرغب أنا ورفيقي دو في التحدث معك على انفراد».
نظر سو تاو إلى لو شيمياو بابتسامة وقال: «يمكننا فعل ذلك في مكتب رئيسة القسم لو».
بادرت لو شيمياو بفتح مكتبها للسماح للثلاثة بالدخول.
بعد أن جلسوا ، تنهد سونغ سيتشين وسأل: «هل عالجت سرطان دم شياو شياو بالفعل ؟»
أضاف دو فانغغانغ: «نبض شياو شياو قوي ، ولا يوجد أي خلل في أعضائها الداخلية. و لقد تعاملت مع مرضى سرطان الدم من قبل ، ولم يكن نبضهم يوماً كهذا. لذا لا يمكن أن يكون هناك سوى استنتاج واحد: لقد شُفي سرطان الدم لديها!»
هز سو تاو رأسه بابتسامة مريرة: «هذا مجرد مظهر خارجي. و إذا توقفت عن وخزها بالإبر وأعطائها الأعشاب ، فسوف يتسارع إنتاج خلايا الدم البيضاء لديها مجدداً».
تنهد سونغ سيتشين ؛ فقد فهم ما يعنيه سو تاو. وبنية الاستقصاء ، سأل: «يكمن الصعوبة في كيفية استعادة وظيفة نخاع العظم في إنتاج الدم ، أليس كذلك ؟»
أومأ سو تاو برأسه. و لقد كان سونغ سيتشين حقاً علماً في مجال الطب الصيني ؛ فبمجرد جس النبض استطاع استنتاج طريقته العلاجية. لم يخفِ سو تاو شيئاً وشرح خطته: «أخطط لإجراء عملية تنقية لنخاع العظم لديها!»
تبادل سونغ سيتشين ودو فانغغانغ النظرات ، وبدت الصدمة على وجهيهما.
تنهد سونغ سيتشين: «سبق أن سمعت أنك استخدمت الوخز بالإبر في مدينة يوهانغ لإعادة تشكيل العروق. لا يسعني إلا أن أقول إنك موهوب وجريء ، لكن تنقية نخاع العظم أمر مبالغ فيه تماماً!»
رد سو تاو بابتسامة: «إذا ظللنا نكتفي بما تركه لنا الأسلاف دون أن نبتكر ، فكيف لنا أن نحقق أي اختراق ؟»
ومض الإعجاب في عيني دو فانغغانغ وهو يقول لسونغ سيتشين: «يا صديقي سونغ ، يبدو أن رحلتنا إلى هانزهو لم تذهب سدى!»
أومأ سونغ سيتشين برأسه بدوره: «الطب الصيني يحتاج إلى دماء جديدة ، وإذا تمسكنا بما ورثناه فحسب ، فلن نستطيع إعلاء شأن العلم الذي نقله أجدادنا. و لقد أخبرني تانغ بأفكارك. وغداً ، سأعلن انسحابي من الدائرة الحالية والعمل على تشكيل تحالف جديد للطب الصيني».
سخر دو فانغغانغ بلطف: «هؤلاء الأشخاص في دائرة الطب الصيني يطبقون مقولة: لا يرحمون ولا يتركون رحمة الاله تنزل ؛ فقد حولوا الطب الصيني إلى دار لرعاية المسنين. نحتاج نحن العجائز إلى التكاتف لتشكيل منظمة أكثر حيوية ، لنتمكن من مساعدة القادمين الجدد في نشر اسم الطب الصيني!»
شعر سو تاو بارتياح كبير ، فقد تحقق هدفه في مواجهة الدائرة التقليديه للطب الصيني وجهاً لوجه. وكانت هذه وسيلة سو تاو للتعامل مع "مؤسسة إله الطب " أيضاً!
وبطبيعة الحال لم يكن التحالف الجديد سوى بداية. فنظام الطب الصيني الحالي كان يقف عائقاً أمام أي تطوير ، وكما يُقال "ما هُدم لا يُبنى إلا على أنقاضه ". وفقط بتفكيك النظام الحالي ، يمكنه إعادة صياغة منظمة تسمح للطب الصيني بالنمو والازدهار.
بأساليبه الخاصة كان سو تاو يحاول تحقيق هدفه خطوة بخطوة.
سيكون التحالف الجديد هو ساحة سو تاو التي سيبدع فيها بحرية ، وهذا هو تحديداً السبب الذي دعاه لاستقدام سونغ سيتشين ودو فانغغانغ إلى هانزهو.