الفصل الثالث والثمانون: لا تجعل الحقد يثقل كاهلك
كان "تشو نان " يتيماً فاقداً للأبوين ، بينما كان والدا "غو نيان شيوي " على قيد الحياة ، ومع ذلك فإن والدتها تجاهلتها تماماً بسبب "سُم البرد " المستقر في جسدها ، تاركةً إياها تواجه مصيرها وحدها وتصارع الأمواج بمفردها. و شعر "تشو نان " أن حال "غو نيان شيوي " كان أسوأ مما كان عليه حاله في عائلة "تشو ".
أحس "تشو نان " برباط وثيق يجمعه بتجربة "غو نيان شيوي " وتملكته رغبة عارمة في التوجه إلى العاصمة الإمبراطورية ليثأر لها وينفث عنها ضيقها.
على غير متوقع ، هزت "غو نيان شيوي " رأسها فجأة ، وحدقت فيه قائلة "أرى تلهفك للعودة إلى عائلة تشو اليوم ؛ هل يمكن أنك كنت تعيساً هناك أيضاً ؟ "
حتى "غو نيان شيوي " كانت قد سمعت طرفاً من أخبار حياة "تشو نان " المريرة وسط عائلة "تشو ".
صمت "تشو نان " لبرهة ؛ فماضيه في عائلة "تشو " كان جرحاً في كرامته ، وأمراً لا يرغب في الخوض فيه مع الآخرين. و لكن بما أن "غو نيان شيوي " قد شاركته أسرارها وتجربتها الخاصة ، شعر "تشو نان " أنه لا داعي لإخفاء الأمر عنها. ففتح لها قلبه وقص عليها كل ما مر به من تجارب قاسية في كنف عائلة "تشو ".
ومع ذلك فقد أخفى وجود "دم الكنز " إذ كان ذلك سره الأكبر الذي لم يجرؤ على مشاطرته حتى مع "تشين يانغ كاي " ؛ ففي النهاية ، قلوب بني آدم لا تقبل الامتحان ، والأرواح أمارة بالسوء.
"لقد سلبت عائلة تشو الكنوز التي تركها لي والداي ، وداسوا على كرامتي ، ورفضوا إخباري بمكانهما.. إن ثأراً عميقاً كهذا لا يغسله إلا الدم! " صر "تشو نان " على أسنانه ، وبدت على وجهه ملامح الضراوة.
ولكن بعد أن أخرج تلك الأفكار المكبوتة لسنوات ، شعر "تشو نان " براحة كبيرة تسري في صدره.
هزت "غو نيان شيوي " رأسها مجدداً وقالت "أنت مخطئ ".
"أنا مخطئ ؟ هل تقصدين أن سعيي للانتقام خطأ ؟ " سأل "تشو نان " بضيق ، وهو يعقد حاجبيه.
أجابت "غو نيان شيوي " "ليس الانتقام في حد ذاته هو الخطأ ، بل الخطأ أن تترك الحقد يعمي بصيرتك ويقود خطاك ".
"منذ عودتك إلى طائفة جبل السيف الأخضر ، وأنا أراقبك وأنت تتخذ من الحقد وقوداً لك ، تفتك بالأعداء الأقوياء ، وتخوض غمار الموت والحياة ، وتقتنص الفرص ".
"من أجل زيادة قوتك ، استرخصت حياتك ولم تبالِ بالموت ".
"رغم أن هذا قد يسمح لك بالتقدم بسرعة فائقة ، فهل خصصت وقتاً حقاً لتفهم ما نلته ؟ هل تعرف حقاً كل شيء عن نفسك ؟ "
"أن تواجه الحرب بالحرب ، وتستخدم القتل لإخماد القتل.. ليس في ذلك عيب. ولكن ، هل يمكنك أن تظل قوياً للأبد وتستمر في القتل بلا نهاية ؟ "
ساد الصمت "تشو نان " لفترة طويلة. ورغم أنه قد حصل على تقنية "تحول الغموض القفر " إلا أنه وجد نفسه مراراً في طرق مسدودة ، ولولا يد القدر والمصادفات المحضة ، لربما كان في عداد الموتى الآن.
لو قال شخص آخر هذا الكلام ، لزجره "تشو نان " على الفور لكن "غو نيان شيوي " كانت قد كشفت له عن مكنونات صدرها ، مما أوجد صدىً لكلماتها في نفسه ، وجعل لوقع حديثها أثراً أعمق من غيرها.
"هل تعنين أن عليّ التخلي عن انتقامي ؟ " سأل "تشو نان " مقطب الجبين.
هزت "غو نيان شيوي " رأسها قليلاً "الانتقام حق طبيعي ، لكن عليك أن تدرك أن دافعك للممارسة الفنون القتالية لا ينبغي أن يكون الانتقام وحده ".
"قد يكون الانتقام هدفاً ، لكنه لا يمكن أن يكون الغاية والمبتدى ".
"إذا انغمست للأبد في شهوة الانتقام ، فحتى لو أتقنت مهارات قتالية لا حصر لها وبنيت أساساً مرعباً لم يسبق له مثيل ، فستظل مجرد دمية خاوية تنفذ المهارات ".
"المحارب الحقيقي ، أو بالأحرى الإنسان الحقيقي ، يجب أن يكون له 'داو ' قتالي خاص به و ربما لا يكون ما أقوله صواباً مطلقاً ، لكن الاعتماد فقط على الانتقام كمحرك لك هو بالتأكيد طريق ضلال ".
بقي "تشو نان " صامتاً ، يعيد تدبر كلمات "غو نيان شيوي " المرة تلو الأخرى.
بشكل غير متوقع ، وبالرغم من ممارسته لـ "تحول الغموض القفر " وإتقانه لعدد هائل من المهارات القتالية ، بل وحتى إدراكه لـ "نية القتال " أدرك أنه ما زال يفتقر إلى بصيرة "غو نيان شيوي ".
لقد كانت "غو نيان شيوي " على حق ؛ لقد أتقن أشياء لم يلمسها محاربون آخرون طوال حياتهم ، لكنه كان غارقاً فيها لدرجة أنه لم يفكر يوماً فيما يجب أن يكون عليه "الداو القتالي " الخاص به ، إذ كان كل همه هي القوة من أجل الانتقام.
هدأ روع "تشو نان " تدريجياً ، واستقر بحر وعيه المتلاطم ببطء. لم يدرك إلا الآن مدى الجنون والخطورة اللذين كان ينزلق إليهما ؛ فقد كان على شفا حفرة من الجنون المدفوع بالحقد لولا تدخل "غو نيان شيوي "!
"غو نيان شيوي ، شكراً لكِ ". قال "تشو نان " بصدق ، وهو ينظر إليها بنبرة يملؤها الامتنان.
عندما رأت "غو نيان شيوي " عيني "تشو نان " وقد استنارتا ، تنفست الصعداء. و لقد شعرت بوضوح باضطرابه من الغرفة المجاورة ، وخشت أنه يقترب من حالة فقدان العقل ، فخاطرت بالقدوم إليه آملة في مساعدته. ولحسن الحظ لم يكن "تشو نان " قد فقد رشده تماماً ، واستعاد هدوءه بكلمات قليلة.
"لقد خضنا غمار الموت معاً ، فلا داعي للشكر ". قالت "غو نيان شيوي " بهدوء ، دون أي رغبة في التفاخر بصنيعها.
وبينما كان ينظر إليها ، شعر "تشو نان " بدفء غريب يتصاعد في قلبه ؛ فمشاركة الماضي بصراحة جعلتهما أكثر قرباً وتفاهماً.
ثم قالت "غو نيان شيوي " بتمهل "هل تود أن تأخذني معك غداً إلى عائلة تشو ؟ أريد أن أراك وأنت تسوي حساباتك معهم ".
عند سماع كلماتها ، غمرت "تشو نان " فرحة لا توصف ، فأجاب "يسعدني ذلك كثيراً! "
نهضت "غو نيان شيوي " ببطء ، وعند رؤيتها تهم بالرحيل ، سأل "تشو نان " فجأة "هل ستغادرين ؟ "
رمقته "غو نيان شيوي " بعينيها الكبيرتين بشيء من المفاجأة وقالت "هل تريدني أن أبقى ؟ "
"آه… " بدا الخجل على وجه "تشو نان " وقال "سأقوم بتوديعكِ حتى الباب ".
ضحكت "غو نيان شيوي " ضحكة خفيفة ، وومض ضياء مختلف على وجهها.
بعد توديعها ، شعر "تشو نان " بقلبه يخفق بقوة مجدداً ، مما أربكه. "ما الذي يحدث ؟ هل ما زال الحقد يسيطر عليّ ؟ "
في أعماق روح "تشو نان " هز "كوي غوانغ " رأسه وتنهد قائلاً في نفسه "فتح القلوب هو أمر تبرع فيه النساء حقاً~ "
"لكنني أختلف مع كلمات هذه الفتاة ".
في نظر "كوي غوانغ " طالما أن المحارب يمارس أقوى المهارات وأقوى تقنيات الزراعة ، فهذا هو كل ما يحتاجه ؛ أما مفهوم "الداو القتالي " فليس سوى وهم في نظره.
في وقت مبكر من صباح اليوم التالي ، ظهر "تشو نان " و "غو نيان شيوي " عند سفح "ذروة السيف ". ثم ظهر "تشين يانغ كاي " ونظر إلى "غو نيان شيوي " ببعض المفاجأة قائلاً "ماذا ، هل ستذهبين أنتِ أيضاً ؟ "
وقبل أن تجيب "غو نيان شيوي " قال "تشو نان " "ترغب غو نيان شيوي في مرافقتي لإلقاء نظرة ؛ آمل أن يأذن المعلم بذلك ".
أومأ "تشين يانغ كاي " برأسه قليلاً ، وهو ينظر إليهما كأنهما ثنائي مثالي متناغم. لم يستطع إلا أن يشعر بالبهجة وهو يفكر "بوجودهما ، كيف لا تزدهر طائفة جبل السيف الأخضر في المستقبل ؟ "
ثم بسط "تشين يانغ كاي " يديه وساندهما ، محلقاً بـ "تشو نان " و "غو نيان شيوي " في الهواء ، متجهاً نحو خارج حدود الطائفة.
كانت مقاطعة "الجبل الأخضر " تحت أقدامهم وهم يعبرون بوابات الطائفة. وبنظرته إلى المدينة الشاسعة أدناه ، ظهر بصيص من الترقب في عيني "تشو نان ". لقد وصل الآن إلى المستوى التاسع من "حبة الروح " وسيدخل قريباً "نطاق عجلة اليانغ " وسيكون قادراً على التحليق في السماء تماماً مثل "تشين يانغ كاي "!
بعد فترة وجيزة ، هبط بهم "تشين يانغ كاي ". حدق "تشو نان " في مدخل عائلة "تشو " وضاقت عيناه قليلاً. ورغم نصائح "غو نيان شيوي " لم يستطع إلا أن يظهر نظرة شرسة.
قال "تشين يانغ كاي " "اليوم هو يوم رد الديون وتصفية المظالم. وبوجود معلمك هنا ، امضِ قدماً دون خوف! "
أومأ "تشو نان " برأسه ، ثم سار نحو بوابة عائلة "تشو " تتبعه "غو نيان شيوي ".
اندهش الحراس عند البوابة برؤية عودة "تشو نان " وقال أحدهم بسخرية "أيها الحثالة ، هل تجرؤ على العودة ؟ "
"اغرب عن وجوهنا ؛ هذه هي عائلة تشو ، وأنت لا تنتمي لهذا المكان! "
تقدم الحراس نحو "تشو نان " وأعينهم تفيض بالاستهزاء والوعيد ، غير مدركين أن "تشو نان " أصبح الآن تلميذاً حقيقياً لنخبة طائفة جبل السيف الأخضر.
"أنا لا أنتمي ؟ " ومضت شرارة من الحقد في عيني "تشو نان " وقال ببرود "إذن انظروا جيداً إن كنت أنتمي أم لا! "
*بام!*
فجأة ، وجه لكمة قوية إلى الأمام ، فانفجرت طاقة هائلة تشبه اندفاع وحش كاسر.
صرخ الحراس ، وطارت أجسادهم إلى الخلف كأوراقٍ عصفت بها الرياح ، وحطموا بوابة عائلة "تشو " وهم يرتطمون بها ، ولا يُعلم إن كانوا من الأحياء أم الأموات.
"أنا ، تشو نان ، قد عدت! " في تلك اللحظة ، بدا "تشو نان " كأنه إله جبار غاضب ، وهو يخطو ببطء داخل أسوار عائلة "تشو ".