الفصل 1439: الفصل 127: التحول!
"بما أنها من سلالته، فادفعها إليه دون وجل".
"ليس الأمر كذلك فحسب، بل تُرى هل ما زلنا في حاجةٍ إلى شكره؟".
بدا "صائد الحيتان" غريب الأطوار وهو يرمق "لي غواني" بنظراتٍ جادة، مدركاً أن هذا الرجل لا بد وأنه يضمر في نفسه نية الانتقام لقطع رأس "ملك الذئاب"؛ وإلا فما الداعي لاختيار وسيلةٍ بتلك الوحشية مثل قطع الرأس حين أردى "جيانغ شوانتاو" قتيلاً؟
في تلك الأيام الخوالي التي عصف فيها الهرج والمرج بالجيش، وما إن ينهزم الجند حتى تصاب خيول الحرب بالذعر، فتخرج عن طورها تماماً، وتدوس الحوافر كل ما يعترض طريقها بلا رحمة، حتى أن الدروع المتينة كانت تُسحق لتصير صفائح مهشمة، فما بالك بالأجساد المتساقطة؟
حتى "البوذا الحي" ذو المكانة الرفيعة في المناطق الغربية آنذاك، دُهِسَ ومُزق إرباً تحت سنابك خيل فرسان "تويوهون" المجانين، أليس كذلك؟
لقد كانت براعة "جيانغ شوانتاو" القتالية وبنيته الجسدية دون مستوى ذلك "البوذا الحي" في تلك السنين، وكان الجيش المتلاحم في ساحة المعركة حينذاك أشدّ بأساً وأوفر عدداً من جيش "تويوهون" قبل ثلاثمائة عام.
فهل كان هذا الفتى يفعل ذلك عن عمد؟
لا جرم أنه كان متعمداً، أليس كذلك؟
لقد ترعرع على يد تلك الفتاة من عائلة "مورونغ"، وحقاً إنه لأمرٌ يثير الريبة إن ظن أحدٌ أنه نقيّ السريرة تماماً.
أجال "صائد الحيتان" فكره في "مورونغ تشيوشوي"، مدركاً أن الشاب "لي غواني" لا يمكن أن يكون ساذجاً بالفطرة، بل لا بد أن تنطوي جوانحه على دهاءٍ ومكرٍ عظيمين، ومع ذلك كان فعله هذا جلياً لكل ذي عينين، يحمل في طياته معنى "الجزاء من جنس العمل".
أنت تقطع رأس ملك الذئاب وترسله، وأنا أرد لك رأس الوريث الوحيد لسلالتك.
ثمة صراحةٌ مفرطة تميز عنفوان الشباب.
وروحٌ بطولية لا تسعها الكلمات.
تنهد "صائد الحيتان"، واستشعر رضا متزايداً تجاه هذا الرجل، وقال دون وعي منه:
"لو أنك بلغت مرتبة السماوات التسع الآن".
"لكان الخطب أهون بكثير".
"وحتى في مواجهة جيانغ سو، فإن بلوغك تلك المرتبة كان سيجنبنا إراقة ماء الوجه".
حتى في هذه اللحظة، كان تقييم أسطورة الفنون القتالية لـ "لي غواني" -على الرغم من بأسِهِ الشديد وتشكيله العسكري المبارك- أنه بوصوله لمرتبة "السماوات التسع" لن يتعدى كونه محاولاً للحفاظ على كرامته أمام "جيانغ سو". تمتم "لي غواني" في نفسه: "السماوات التسع...".
إن الأمر يتطلب إرساء دعائم الملك وتثبيت أركانه، وإلا...
لالتهمت تقلبات الدهر الكبرى كل شيء.
ما لم يحدث تغييرٌ جذري داخل جيش التحالف الجنوبي الغربي، وما لم يتمكن السيد "بو جون" ورفاقه من الاستيلاء على عدة حواضر دفعة واحدة، وإخضاع مدن مقاطعة "تشين" القابعة على طول هذا المسار المائي، وبلوغ "جيانغنان" بهذا النصر المؤزر لقلب الموازين.
إن هذا العالم يشبه رقعة الشطرنج، فلا يكفي بروز جانبٍ واحد لتحقيق الظفر العظيم.
إن أركان المقاطعات التسع ترتجف في هذه البرهة.
رفع "لي غواني" ناظريه ليتفرس في الأفق البعيد نحو الجنوب الغربي.
وقد اعتراه الذهول.
"هذا هو...؟!".
وعلى ذكر "لي غواني" بعد رحيله، كان أمير الجنوب الغربي "دوان تشنغ يو" -الذي نادراً ما كان يرتدي درعه الخاص- يداعب درعه ويتنهد فخراً وهو يقول: "في ذلك الزمان، كنت أخوض الغمار بهذا الدرع دون أن أعرف قدر لي وانلي أو تشين فوبي".
ثم أردف بنبرةٍ ملؤها البطولة: "عشر هزائم، عشر معارك!".
"إن المثابرة هي جوهر روح البطل".
فقاطعه "تاي بويونغ" الواقف قربه متهكماً: "ألم تكن عشر معارك، وعشر هزائم؟".
وهكذا انطفأت جذوة الروح البطولية لدى "دوان تشنغ يو" فجأة وبشكلٍ بائس، وأجبر نفسه على القول مُدافعاً: "ماذا؟ وما شأن العشر معارك والعشر هزائم؟ حين نتحدث عن شؤون الرجال، لا نلتفت لعدد الهزائم، بل قل فحسب هل خضت القتال أم لا".
تعالت جلبة الحشد، فقد أتم جيش الجنوب الغربي الطائر أهبته، كما أحصى "وين هي" أمراء المدن في القواعد الخلفية بالجنوب الغربي. وكان السيد "وين هي" نفسه يقوم بمهمة المستشار المرافق للجيش، فضم يديه بوقارٍ مبتسماً وقال: "تحية طيبة للجميع، أنا يان داي تشنغ من الجنوب الغربي".
"لقد سُعدت بلقائكم جميعاً".
"دوان تشنغ يو": "...".
"تاي بويونغ": "...".
استنشق البطلان الجنوبيان، اللذان خبرا أهوال ثلاثين عاماً من الحروب الطاحنة، نفساً عميقاً في آنٍ واحد، ثم تراجعا القهقرى بتناسقٍ عجيب.
توتر الجو هنيهة.
ثم استفتح "دوان تشنغ يو" حديثه قائلاً: "آه، هاها، حقاً، إنه لمن دواعي سرورنا انضمام السيد يان داي تشنغ إلينا؛ فبوجوده من الجنوب الغربي، سيكون النصر حليفنا في المعارك، والصمود ديدننا في الحصارات!".
"آه، هاها...".
لم يزد "وين تشنغ يو" على ذلك، بل انبرى يشرح الاستراتيجية هذه المرة، وهي اقتفاء أثر الرافد نحو المنبع واستغلال ذلك للاستيلاء على عدة مدن، وقال خاتماً: "إن السيد يهرع في هذه اللحظة إلى ساحة معركة جيانغنان، ويتحتم علينا اغتنام هذه السانحة للاستحواذ سريعاً على مدائن مملكة تشين".
"أحكموا قبضتكم على مسار الماء!".
أومأ "دوان تشنغ يو" برأسه موافقاً، ثم تساءل بغتة: "ولكن، ألن يرافقنا وين ميان؟".
أجاب "وين تشنغ يو": "الجنرال تشين...".
فليس غير "تشين وين ميان" قادراً على قيادة "حرس الذئب الرمادي"، وحتى "شياو ووليانغ" في هذه اللحظة لا يسعه التعاون بشكلٍ كامل معهم، ومع ذلك فإن "وين تشنغ يو" يدرك تماماً أن "شياو ووليانغ" غير مهيأ لخوض الغمار الآن.
قال "وين تشنغ يو": "لنستعد أولاً، فإن لم يواِنا الجنرال تشين وين ميان بحلول موعد المسير، فلندعه يخلد إلى الراحة هنا لفترة أطول".
في غابة الخيزران بالجنوب الغربي.
احتضن "تشين وين ميان" تلك الحزمة بين ذراعيه، واقِفاً أمام الغابة والباب موصد، فاستل المفتاح ليفك القيد والسلسلة، ودفع باب الخيزران، بينما كانت الرياح تنساب عبر الأغصان وتداعب الأوراق.
بدا أن هواء الجبل النقي قد غسل كل آثار الدماء التي كانت تلاحقه.
جلس بسكينة في ذلك الفناء، يستدفئ بجانب الموقد، وجسده ينعم بالدفء، لكنه مع ذلك يستشعر وحدة كئيبة تنهش صدره. كان يرمق فناء غابة الخيزران، مستغرقاً في التفكير فيما تركه له "ملك الذئاب" في أنفاسه الأخيرة.
كانت بين يديه "عقدة الألف خيط" التي لم يستطع فك طلاسمها حتى اللحظة.
كان صدى صوت والده يتردد في أعماق أذنيه؛ تلك النبرات الجادة، الهادئة، البطولية، والمهيبة. لقد مرت أكثر من ثلاث سنوات دون أن يشعر، وخلال تلك السنين كان "ملك الذئاب" "تشين فوبي" حاضراً بجانبه دوماً بظله وسيرته.
"يا أبتِ...".
أطرق "تشين وين ميان" ببصره، وكأنه يسمع والده يحدثه عن طموح الرجال، وعن معاني البطولة، وعن كيف يمكن للمرء أن يستسلم للإحباط بهذا الشكل؟ يذكره بتعاليمه في قيادة الجند، ومسامراته معه. كان نسيم أوراق الخيزران يحمل شجناً غائراً.
ابتسم "تشين وين ميان"، وقد غشاه هدوءٌ عجيب.
أغمض عينيه، فكأنما "تشين فوبي" ما زال رابضاً بجانبه، وأوراق الخيزران تتمايل في رقصةٍ جنائزية، فدخل في حالةٍ من الذهول وكأنه يرى شريط حياته يمر أمامه؛ منذ نعومة أظفاره وحتى اشتد عوده بجوار والده، وكيف كان "ملك الذئاب" البطل يحمله على منكبيه، ويأخذه ليمتشق السيف ويتمرس على فنون القتال.