الفصل الثالث والستون: الفصل الثاني والستون: استعراض مهارة
أخذت السماء تعتم تدريجياً ، وهبَّت رياح الليل. حيث كانت مدينة «نانلاي» مجرد بلدة صغيرة ، وما إن أرخى الليل سدوله حتى أخذ المارة في الطرقات يتناقصون شيئاً فشيئاً.
في ذلك الوقت كان ذلك الموعد الأمثل لثلة من الغرباء الباحثين عن الحظ ليتحركوا ؛ ففي النهار يزدحم المكان بالناس ، مما يصعِّب عليهم الحركة بحرية ، ولم يكن بوسعهم التصرف دون قيود إلا في جنح الليل. ومع ذلك قد يبدو عددهم خمسين غريباً رقماً كبيراً ، لكن عند تفرقهم في أرجاء المدينة لم يكن ذلك بالعدد الجلل.
سارت «لو تشنج ياو» وحيدة في أحد الشوارع. حيث كانت مختلفة تماماً عن مظهرها المعتاد الذي تتسم فيه بالطاعة والبراءة حين تكون بجانب «فان ووبينغ». فثمة حدةٌ ارتسمت على وجهها ذي الأعوام الأربعة عشر ، تجعل المرء يشعر بأنه في حاجة إلى توخي أقصى درجات الحذر لمجرد أن يتفوه بكلمة أمامها.
اعتادت ارتداء ملابس خضراء داكنة ، بدت تحت ضوء الليل الخافت وكأنها تكتسي ببريقٍ صقيعي. و في نهاية الشارع توقفت وأخذت تحدق في زاوية جدار فناء أحد القصور. وبعد برهة ، قطبت حاجبيها وهي تفكر: «أليست هنا ؟ هل يُعقل أن أحدهم قد اختطف ذلك الشيء بالفعل ؟».
ثم ضيقت عينيها قليلاً ، وبدأت ببث طاقتها الروحية ببطء لتتحسس «التشي» في المحيط ، محاولةً اقتفاء أثر الشيء.
«من هنا!»
تابعت الأثر إلى الأمام. وبعد أن تجولت عبر الأزقة والشوارع لبعض الوقت توقفت تحت شجرة دلب. وقفت ساكنة ، ناظرةً إلى الشجرة الوارفة بقطوبٍ شديد:
«ينتهي الأثر هنا. أهذه الشجرة هي التي أخذت ذلك الشيء ؟».
وما إن راودها هذا الخاطر حتى اومأت نافيهً:
«لا بد من وجود خطأ ما. تبدو هذه الشجرة كشجرة دلب عادية... لنواصل البحث»....
كان شاب يرتدي ثياباً بيضاء يقتفي أثر الطفلة الصغيرة التي تحمل سمكة كراس غارب طوال الطريق ، بينما كان «فان ووبينغ» و«فو مانمان» يتبعان ذلك الشاب.
اجتازوا الشوارع والأزقة حتى يصلوا في نهاية المطاف إلى مشارف الجزء الغربي من المدينة. حيث كانت الأبنية هناك أكثر انخفاضاً وتواضعاً ، والطرقات كانت متسخة وفوضوية إلى حد كبير ؛ فكان جلياً أن هذا هو المكان الذي يقطنه الفقراء والمعدمون. وبخلاف ضوء الشموع ومصابيح الزيت المتوهجة في الداخل لم يكن هناك أي ضوء آخر في الشارع.
اشتدت الرياح ، واحتجبت أهلة الليل خلف الغيوم المظلمة.
كانت الطفلة ، حاملةً سمكتها ، تعدو طوال الطريق. انحرفت داخل زقاق ضيق ، تتلوى وتنعطف حتى وصلت في النهاية إلى تجمع لأكواخ خشبية متهالكة. حيث كان المكان مزدحماً للغاية ، والطرقات مرصوفة بأحجار مكسرة ، وبعض المواضع لم تكن سوى طرق ترابية. حيث كان الجو مشبعاً برائحة «البؤس» الفريدة ، مزيج من مياه الصرف ، والطعام ، والفضلات.
تتلوى الطرقات هنا وهناك ، وفي بعض المواضع لا يسعها إلا مرور طفل صغير.
حتى ذلك الشاب ذو الثياب البيضاء ، بكونه ممارساً لفنون الروح ، كاد يفقد أثرها.
وصل أخيراً إلى منزل الطفلة. حيث كان شديد البؤس والبدائية ، لا يكاد يعدو كونه بضع قطع من الخشب ، مضافاً إليها بعض القش الجاف ، والحجارة المكسرة ، والطين الأصفر ، مما يبعث في النفس القلق عما إذا كان سيصمد أمام ليلة ممطرة.
في الداخل كان هناك مصباح زيت خافت مضاء ، وصوت الطفلة يتردد من خلف الجدار:
«أمي ، ها هي سمكة اليوم و كليها أنتِ. أما أنا ؟ لست بحاجة إليها ، فقد أكلت خلال النهار. حقاً ، أنا لا أكذب عليكِ يا أمي... انظري إلى بطني ، إنها ممتلئة تماماً».
كان الشاب ذو الثياب البيضاء واقفاً في الخارج قد سمع هذا الحوار فتردد قليلاً. حيث فكر قائلاً: «أهل هم بهذا القدر من الفقر حقاً ؟».
لكنه سرعان ما وطَّد عزيمته ، مفكراً: «سمكة واحدة لن تغير حياة هذه العائلة ، لكن إن اشتريتها بسعر غالٍ ، سأظفر بالحظ ، وقد تنجو هذه العائلة من براثن الفقر. و بالنسبة لي ، السمكة هي الحظ ، وبالنسبة لهذه الأم وابنتها ، المال هو الحظ. صفقة رابحة للطرفين!».
بعد أن أقنع نفسه ، ابتسم ، ثم دفع الباب قائلاً:
«عذراً على الاقتحام».
في اللحظة التي دفع فيها الباب ورأى ما بداخل الغرفة ، أصيب بالذهول. فلم يكن المنزل مسكناً لأسرة فقيرة على الإطلاق ، بل كان... معبداً ، يضم تمثالاً لإله قد تكسر لدرجة استحال معها التعرف على هيئته الحقيقية ، تغطي خيوط العنكبوت مائدة القرابين ، مما يشير إلى أنه لم يزره أحد منذ زمن بعيد.
لم تكن هناك طفلة ولا أم.
تحت قاعدة تمثال الإله كان هناك عش صغير مصنوع من قطع القماش الممزقة ، وأوراق الشجر ، والقش الجاف.
وفي داخل العش كانت قطة عجوز ، يكسوها بقع من فرو مفقود وتتنفس بصعوبة ، تقضم سمكة الكراس غارب بنهم بأضراسها المكسورة. وجلس بجانبها هر صغير ملون يراقب المشهد ، واضعاً قوائمه الأربع بتناسق تام.
صُعق الشاب ذو الثياب البيضاء تماماً ، وعجز عن استيعاب ما حدث للتو.
التفتت القطة العجوز فجأة لتنظر إليه ، وشعرت بشعرها القليل يقف انتصاباً ، وأطلقت فحيحاً تهديدياً.
أما الهر الصغير ، فكان مختلفاً تماماً ؛ إذ كان فراءه يتلألأ بضوء خافت ، وبدت حدقتا عينيه المشقوقة وكأنها تضطرمان بنار الروح ، ببرود شديد. ثم أخذت هالته تتصاعد بثبات ، وجسده في ازدياد:
«لقد كشفتَ أمري. لماذا أنتم البشر مولعون دائماً بمعرفة هذه الأمور ؟».
هالة شيطانية!
أدرك الشاب ذو الثياب البيضاء الموقف فجأة وتراجع مذعوراً. وفي لحظة تراجعه ، أدرك أنه ليس في أي منطقة أكواخ متهالكة وفقيرة ، بل في مقبرة. حيث كان المعبد في الحقيقة ضريحاً لحارس المقابر!
لا عجب ، لا عجب أن الطريق كان ملتوًى واستغرق وقتاً طويلاً للوصول. تبين أن هذا المكان لم يكن حتى داخل مدينة «نانلاي»!
بشعوره بالهالة الشيطانية المتصاعدة للهر ، فقد الشاب أي رغبة في القتال.
هذا النوع من الهالة يشير إلى وحش شيطاني من المرحلة الرابعة على الأقل ، أو ربما شيطان عظيم من المرحلة الخامسة! إنه بالتأكيد ليس خصماً يمكنه مواجهته!
يا له من حظ عاثر ، أهذا مكان محظوظ حقاً ليحتوي على مثل هذا الشيطان العظيم ؟
هرب الشاب ذو الثياب البيضاء دون تفكير ، متجاهلاً أي بحث عن ثروة ، وتركيزه منصب فقط على النجاة بحياته.
وفي هروبه المحموم ، تعثر بشيء وسقط أرضاً بقوة. وعندما نظر خلفه ، اكتشف أن ما أوقعه كان يداً عظمية تمتد من تل قبر قريب.
«آه!»
مهما حاول جاهداً لم يستطع التحرر ، وأخذ يصرخ في رعب.
ومع رؤية شيطان القطة يقترب ، امتلأ قلبه بالخوف وازداد توتراً. وكلما زاد خوفه وتوتره ، عجز أكثر عن التحرر من قبضة الهيكل العظمي.
«لا ، أرجوك! شهقة ، شهقة—» لم يحتمل الضغط ، وانفجر باكياً.
وقف شيطان القطة الذي بدا الآن كنمِر ضخم ، أمام الشاب ، زائراً:
«أيها الجبان! سأعفو عن حياتك هذه المرة. وإن تجرأت على العودة وإزعاجي ثانية ، فسألتهمك بالكامل!».
عندها ، أطلق الهيكل العظمي سراح الشاب.
وبينما تسيل دموعه ومخاطه ، انحنى الشاب مكرراً الاعتذار ثم فرَّ كالمجنون.
راقب شيطان القطة الشاب وهو يختفي تدريجياً عن الأنظار ، وأطلق زفرة طويلة ، وبينما كان يهم بالاستدارة للعودة ، وجد فجأة أن قوائمه ، لا بل جسده بالكامل ، عاجز عن استجماع أي قوة ، فقد كان هناك شيء يقبض بإحكام على قفا عنقه!
قرص «فان ووبينغ» قفا عنق الهر الصغير وهو يقهقه:
«أيتها المخلوقة الصغيرة ، أتتقنين حقاً أساليب الخداع والاستعراض ، أليس كذلك ؟».
استجمع الهر الصغير كل قوته ، وأطلق «مواءً» واهناً.
في لحظة ، تحول المحيط مرة أخرى.
لم تكن هناك مقبرة ولا معبد متهالك ، بل مجرد منطقة أكواخ فقيرة وفوضوية عادية.
اتكأ «فان ووبينغ» على جدار ، وأدار رأسه لينظر إلى بركة مياه صغيرة قريبة لا تصل حتى إلى مستوى ركبتيه... ففي ذلك المكان تحديداً كان الشاب ذو الثياب البيضاء يتخبط ويتوسل ، مغطياً نفسه بالطين ، وكاد يغرق فيه.
خلفه ، خرجت «فو مانمان» وسألته بفضول:
«كيف اكتشفتَ هذا الوهم ؟».
لقد انطلت عليها الحيلة تماماً قبل قليل ، وظنت أنها دخلت مقبرة. بل إنها اعتقدت أن ذلك الهر الصغير شيطان عظيم قوي حقاً ، وشعرت بتوتر شديد لبعض الوقت. ولم تدرك أنه كان مجرد خدعة إلا حين رأت «فان ووبينغ» يمسك الهر من قفاه ويرفعه.
«عليكِ فقط أن تبقي عينيكِ مفتوحتين وأذنيكِ يقظتين. انتبهي للتغيرات الطفيفة في البيئة المحيطة».
في الحقيقة ، إن امتصاص طاقة الإمبراطور والارتقاء بها جعل مهارة «خلق التشي غير المبرر» لديه حساسة للغاية ، خاصة في «موقع خيالي» كهذا. ولو كان الأمر قبل هذا الارتقاء ، لربما استغرق الأمر منه وقتاً أطول لكشفه.
«فهمت».
راقبت «فو مانمان» ظهر «فان ووبينغ» ، متأملةً أنه ما زال يحتفظ بذلك الغموض المعهود كما هو دائماً.