الفصل 523: الفصل 222: أيُّ نهجٍ يذودُ عنه أتباعُ "الداو " ؟
كانت قمة النهر الذهبي ، الواقعة في الجنوب الغربي من قارة "تايبينغ " تعجُّ بالحياة في هذه اللحظات. تجمّع هنا حشدٌ غفير ، تراوح عدده بين ثلاثمئة وأربعمئة شخص. ولو كان هؤلاء من عامة الناس أو المزارعين العاديين ، لما اعتُبر هذا الجمع "حيوياً " ؛ ولكن نظرةً فاحصةً تكشف أن أقلَّهم شأناً كان في المرحلة المبكرة من "الاندماج " ومعظمهم في المرحلة المتأخرة منه ، بينما كان بينهم مَن بلغ مرتبة "الماهيانا " الصغرى ، بل وعددٌ لا بأس به من مزارعي "الماهيانا " الكبار.
هؤلاء العظماء الذين غالباً ما يؤثرون العزلة ويتحاشون الأضواء ، اجتمعوا الآن فوق قمة النهر الذهبي ، مما أضفى على المكان صخباً استثنائياً. فشتان بين اجتماع الباعة في السوق وبين حشدٍ يضمُّ نخبة الأبطال.
كان الناس يقفون في مجموعاتٍ صغيرة ، يتبادلون أطراف الحديث بحميمية مع أصدقاءٍ قدامى ، أو يتعارفون على وجوهٍ جديدة. وللوهلة الأولى ، قد يخالُ المرءُ أنه أمام قمةٍ لقادةٍ كبار يتدارسون "الداو " لكنهم في حقيقة الأمر لم يجتمعوا إلا لمراقبة أحد المزارعين الأقوياء وهو يواجه "محنة السماء ".
إن هؤلاء المزارعين الذين يستمدون قوتهم من السماء والأرض ، يحدوهم جميعاً الأمل في بلوغ يومٍ يواجهون فيه محنة السماء ؛ لذا فإن مراقبة هذه المحن مسبقاً لاستخلاص العبر واكتساب الخبرة يُعدُّ أمراً ضرورياً.
في هذه الأثناء لم يكن بعيداً في الأفق ، سوى غيوم المحنة وهي تتلبد. وأسفلها ، جلس عجوزٌ ذو شعرٍ طويل وهيئةٍ أثيرية متربعاً في الهواء ، مغمض العينين ، ينتظر في سكونٍ قدوم محنة السماء.
وعلى حافة منحدرٍ في قمة النهر الذهبي ، رمق "العالم ينغتشيو " غيوم المحنة في الأفق ، ثم التفت ليسأل صديقته "المبجلة مينكسيو ":
- "مينكسيو ، ما رأيكِ في فرص 'الجد وينلون ' ؟ "
فكرت "المبجلة مينكسيو " -وهي مزارعةٌ ذات شعرٍ أبيض تضفي عليه ملامحها الشابة سحراً خاصاً ، وتتميز بشفاهٍ بلون أزرق جليدي- قليلاً ثم قالت:
- "أذكر أن نهج 'الجد وينلون ' هو نهج 'السحاب ' ، أليس كذلك ؟ "
مسح "العالم ينغتشيو " شعره عن كتفه وأجاب "أجل ، نهج السحاب ، دون 'داويٍّ نهائيٍّ ' يتبعه. "
قالت "المبجلة مينكسيو " بحيرة "إذن فالأمر لا يبدو مبشراً. لِمَ يختار 'الجد وينلون ' نهجاً يفتقر إلى 'داويٍّ نهائيٍّ ' ؟ ألا يعلم أن النهج الذي يتبعه 'داويٌّ نهائيٌّ ' يواجه محنة سماءٍ أضعف ؟ "
أجابها "العالم ينغتشيو " ونظراته ثاقبة "أنتِ لم تخالطي 'الجد وينلون ' كثيراً ، لذا قد لا تفهمين منطقه. و قبل نحو مئتي عام ، وأثناء خلوته ، تدارستُ معه 'الداو ' لسبعة أيام ، ولا تزال كلماته عالقةً في ذهني. "
قالت بفضول "أوه ؟ " وهي التي تعرف صديقها القديم جيداً ؛ فهو سليل خلفية عريقة ، ومساره في الزراعة يسير بسلاسةٍ منقطعة النظير ، وقلةٌ في قارة "تايبينغ " يضاهونه في مستواه.
تابع "العالم ينغتشيو " "قال لي 'الجد وينلون ' يوماً: 'في زماننا هذا ، صار الجميع يهرعون خلف الطرق المختصرة ، ويزرعون بدافع الربح الصرف ، يطرقون كل الأبواب ، ويستغلون كل الفرص ، فقط من أجل نيل شهرةٍ لا تأتي إلا مرة في القرن أو الألفية. إن الغالبية العظمى يتشبثون بالمسارات التي لها 'داويٌّ نهائيٌّ ' لأنها تتيح لهم فهماً أسرع وتقدماً أيسر حتى لو لم يكن المسار مناسباً لطبيعتهم. و لكن في العالم ثلاثة آلاف داوٍ فطري ، وتسعمئة وسبعة وتسعون 'داويّاً نهائياً ' يستأثرون بمعظم الحظ والبركات. والآخرون يظنون أنهم يلوذون بالظل ، متبعين ارادة السماء ، ولكن ألم تكن بداية نهج الزراعة في الأساس تحدياً لارادة السماء ؟ ' "
دهشت "المبجلة مينكسيو " وقالت "هل قال ذلك حقاً ؟ "
ضحك "العالم ينغتشيو " "هل يعقل أن أكذب عليكِ ؟ كان بإمكان 'الجد وينلون ' اختيار مسارٍ له 'داويٌّ نهائيٌّ ' ، لكنه آثر التخلي عنه ، مختاراً نهج السحاب الذي لم يطأه أحد. حيث كان يقول إن هذا العالم يفتقر إلى الحيوية ، وأكثر أهله غارقون في حب الشهرة ، والقوة ، والثراء ، ونسوا أن السبب الأصلي لظهور 'الزراعة ' كان تحدي الطبيعة ، لجعل العالم مكاناً أفضل. "
لم تستوعب "المبجلة مينكسيو " قوله تماماً وتساءلت "ولِمَ المخاطرة بكل شيء ؟ "
أغمض "العالم ينغتشيو " عينيه قليلاً وقال "كل شيء ؟ مينكسيو ، ما الذي تعتبرينه أنتِ 'كل شيء ' الخاص بكِ ؟ "
أجابت "بالطبع ، الزراعة والمهارات الإلهية التي اكتسبتها عبر ثلاثة آلاف عام. "
قال "العالم ينغتشيو " "هنا يكمن الجوهر ، فالناس لا يطيقون الجديد ، ولا يحتملون ما يتجاوز فهمهم. حيث تماماً كـ 'محنة قتل السماء ' التي أثارت ضجةً في قارة 'لونغ لاستينغ ' قبل عشرين عاماً. هل تذكرين موقف عالم الزراعة حين ظهرت تلك المحنة لأول مرة ؟ "
أومأت "المبجلة مينكسيو " برأسها "بالطبع أذكر. اعتقد الجميع أن من استدعى 'محنة قتل السماء ' سيهلك حتماً على يد الداو السماوي. "
- "ولكن حين عرف الجميع القصة كاملة ، تنفسوا الصعداء لموته ، أليس كذلك ؟ "
- "هذا طبيعي. "
- "لكن هل فكرتِ ماذا سيحدث لو أن ذلك المزارع المسمى 'فان ووبينغ ' نجا ؟ "
صمتت "المبجلة مينكسيو " فقد كانت هذه الاحتمالية خارج حساباتها ، وبدأت تفكر في الأمر بعمق "ربما كان العالم بأسره سيجنُّ سعياً لكشف كل أسراره. "
أجابها "العالم ينغتشيو " "بالضبط ، هذا العالم لا يتقبل مثل هذه الأمور. و إذا أرادت السماء قتلك ، فكيف لا تموت ؟ " ثم سرح ببصره بعيداً وأضاف "لكن... لِمَ يجب عليَّ أن أموت إذا أرادت السماء قتلي ؟ ومنذ متى أصبح مبدأ 'إذا قتلت السماء ، فالموت محتوم ' راسخاً في العقول ؟ لماذا لا تُبتلى 'الشياطين الحقيقية ' التي تؤذي العالم بـ 'محنة قتل السماء ' ، بينما يُبتلى بها رجلٌ يكاد يكون فاعل خيرٍ مثل 'فان ووبينغ ' ؟ "
شعرت "المبجلة مينكسيو " بأن صديقها القديم صار غريباً بعض الشيء "ما الذي تحاول قوله حقاً ؟ "
ضحك "العالم ينغتشيو " "أود فقط القول إن علينا أحياناً كسر القوالب الفكرية المعتادة ، ومحاولة رؤية الأمور الجديدة وقبولها. "
وفجأة ، دوّى صوتُ رعدٍ قويٍّ من غيوم المحنة في السماء ، قاطعاً حبل أفكارهم. التفت الجميع نحو "الجد وينلون ". كان الجد الذي ما زال متربعاً في الهواء ، قد فتح عينيه ببطء ، بنظرةٍ هادئةٍ مطمئنة ، أشبه ببركةٍ باردةٍ في وادٍ سحيق ، وكأن عيوناً داخل غيوم المحنة كانت تفحصه ، أو كأن إرادةً ما كانت تستجوبه ، تسأله عن سبب اختياره لمثل هذا النهج.