تنهّدَ الرجلُ بأسىً وقال "يا سليل الخلود ، لأكون صادقاً معك ، حفيدتي هذه لم تكن من صلبي ، بل وجدتها محض صدفة ".
"وجدتها ؟ "
"حسناً... ليس تماماً ، بل أؤتمنتُ عليها منذ نحو ثلاث سنوات. فكنتُ أبحثُ عن القوت في غابةٍ خارج البوابة الشرقية لمدينة 'وانغبي ' ، حين عثرتُ عليها ومعها امرأة أخرى. و في ذلك الحين... " ارتجفت كتفا الرجل العجوز وهو يتحدث.
"ما الذي حدث حينها ؟ "
"كان مظهرها يبعث على الرعب ؛ فكأنما اقتُلع وجهها من جذوره... وكانت تلك الشابة تمسك بيدها ".
"شابة ؟ هل ذكرت اسمها ؟ وكيف كان مظهرها ؟ "
هز العجوز رأسه وقال "لم تذكر اسمها. و لكنني ما زلتُ أذكر ملامحها كانت فائقة الجمال وترتدي ثياباً سوداء ".
"هل قالت لك شيئاً ؟ "
"أخبرتني أنها لا تستطيع اصطحاب الطفلة معها ، ورجتني أن أرعاها لبعض الوقت. بدت وكأنها على عجلة من أمرها لإنجاز خطبٍ ما ، فأعطتني بعض المال ووعدتني بأن تعود لأجلها لاحقاً ، ثم انصرفت مسرعة ".
كان وجه 'فان ووبينغ ' غارقاً في ظلال العتمة ، حاولت 'فو مانمان ' النظر إليه لكنها لم تستطع تبيّن أي تعبير على وجهه.
مضيا في طريقهما حتى بلغا بيت العجوز. حيث كان البؤسُ يكسو المكان ؛ بيتٌ قفرٌ ، سقفٌ يقطرُ ماءً ، وأرضٌ متصدعة.
بمجرد دخولهما ، نادى العجوز "بنيتي ، بنيتي.. افتحي الباب ، هذا جدكِ قد عاد ".
لم يأتِ رد.
تغيرت ملامح الرجل وصرخ "يا للهول ، لا بد أنها تعاني من نوبةٍ أخرى! بنيتي ، بنيتي! "
هرع إلى الغرفة الداخلية ، وأتبعه 'فان ووبينغ ' ورفاقه عن كثب.
بمجرد دخولهم ، رأوا فتاةً في العاشرة من عمرها ، منكمشةً على الأرض الباردة وهي تتشنج. حيث كانت واهنةً ومظهرها مفزعاً ؛ إذ بدا وجهها وكأنه مُزّق بالكامل ، ملامحُ مشوهة وندوبٌ متصلةٌ كأنها شِعابٌ مرجانية.
أسرع العجوز ورفعها ليضعها على الفراش ، وهو يناديها بأسىً.
اقترب 'فان ووبينغ ' وسأل "ما بها ؟ "
"لا أعلم! لا تنطق بكلمة ولا أجدُ لها جواباً. كل ما أعرفه أنها تُصاب بهذه التعويذات كل بضعة أيام ، وتتلوى من ألمٍ لا أدري مصدره ". كان العجوز في حالٍ يرثى لها ، يضربُ كفيه ببعضهما من الحزن.
"أيها العجوز ، دعني أفحصها ".
"يا سليل الخلود ، أرجوك تفضل! "
اقترب 'فان ووبينغ ' من حافة الفراش ، واستخدم 'مهارة خلق الكي ' ليستشعر حالتها.. عندها هبط قلبُه في صدره ، وحدث نفسه: 'حقاً ، إن هذا الـ 'كي ' المنبعث منها.. هو ذاته ، خبيثٌ وشرس ، بل و.. يحملُ عبق 'كي ' أختي الكبرى '.
شعر بنوعٍ من الحنين.
حنينٌ.. إلى الدماء.
مثلما كان هو ذات يوم يتوقُ للدم.
بعد لحظات من التأمل ، وخز إصبعه ببطء ومدّ يده نحوها.
تسربت رائحة دمه الزكية إلى أنف الفتاة ، فتوقفت عن التشنج فجأة ، وارتجف جسدها ، ثم انتصبت جالسةً بسرعةٍ خاطفة لتلتقط إصبعه وتمتص الدماء بنهمٍ شديد.
ذُهلت 'فو مانمان ' وقالت "أخي! "
ابتسم 'فان ووبينغ ' وهو ينظر إليها "لا تقلقي ، هي بخير. و مجرد قطرات من دمٍ لا تضر ".
هدأت الفتاة تدريجياً ، وبدأ لون الحياة يعود إلى وجهها المنهك. ثم حدث مشهدٌ عجيب ؛ إذ بدأت نقوشٌ قانية الحمرة تظهر على وجهها ، نقوشٌ غامضةٌ وغير مألوفة ، تختلف عن أي نصوصٍ في 'طريق التمائم '.
تلوت تلك النقوش وتداخلت ، وهي تشد ملامح وجهها معها.
وبتدريج..
أخذ الوجهُ المشوه هيئةً واضحة ، وظلت الملامح تتشكل وتتغير حتى استقرت على حالٍ سوية تماماً.
أفلتت الفتاة إصبع 'فان ووبينغ '. كان الامتصاص الطويل قد سلخ جلده ، لكنه التأم في لمح البصر. جلست على السرير ، ورفعت بصرها نحو 'فان ووبينغ ' ؛ نظرةٌ بدت وكأنها تعرف.. معرفةً قديمة.
سأل 'فان ووبينغ ' "هل.. تعرفينني ؟ "
هزت الفتاة رأسها نفياً.
فكر 'فان ووبينغ ' للحظة ، وأخرج لوحةً مرسومة "إذاً ، هل تعرفين المرأة في هذه الصورة ؟ "
كانت اللوحة للأخت الكبرى 'فو مينغ '.
أومأت الفتاة برأسها سريعاً.
تنهد 'فان ووبينغ ' وتمتم "إنها هي حقاً ".
قفزت الفتاة عن السرير وعانقت العجوز ، ثم راحت تنظر بفضول إلى 'فو مانمان ' و 'فان ووبينغ '.
أما العجوز ، فقد صُعق حين رأى وجهها قد استعاد صورته البريئة ، وصرخ "يا سليل الخلود.. هذا.. "
عقد 'فان ووبينغ ' حاجبيه وتنهد "أيها العجوز ، أخشى أنها لن تستطيع البقاء معك بعد الآن ".
كان العجوز يتوقع هذا ، فقال بمرارة "وكيف لي ، وأنا قاب قوسين أو أدنى من القبر ، أن أوفّر لها حياةً كريمة ؟ قد لا أكون ذا بصيرةٍ واسعة ، لكنني أعلم أنها ليست طفلةً عادية. و إذا كنتَ على معرفةٍ بتلك المرأة التي ائتمنتني عليها ، فخذها معك. وإن لم تكن كذلك.. ؟ "
إن لم يكن كذلك.. فما عساه أن يفعل ؟
ابتسم 'فان ووبينغ ' "هناك طائفةٌ في الجنوب تُدعى 'طائفة الخلود الأبدي ' ، لا أدري إن كنت سمعت بها ".
"أجل قد سمعتُ بها ، فهي كبرى الطوائف في القارة الجنوبية ".
"أنا تلميذٌ في تلك الطائفة ". قدّم 'فان ووبينغ ' رمزه الخاص للعجوز.
في الضوء الخافت ، لمس العجوز الرمز وكأنه يلمسُ طوق نجاة. لم يفهم الكثير ، لكنه قرر أن يضع ثقته في هذا الشخص.
"يا.. يا سليل الخلود ، الآن يمكنني أن أطمئن ".
لم تكن الفتاة ذكيةً ، بل كانت غافلة ، لكنها أدركت أنها ستغادر بيتها الصغير ، فعانقت العجوز بقوة.
قال لها العجوز "يا بنيتي ، اذهبي مع هذا السيد ، شاهدي العالم و كلي ما طاب والبسي ما حسُن ، وعيشي حياتكِ بعيداً عن شقاءِ جدكِ ".
زدادت الفتاة في عناقها له.
مسح العجوز دموعه بمرارة "ألا تودين رؤية تلك الأخت ؟ "
توهج الأمل في عينيها ، ونظرت إلى اللوحة في يد 'فان ووبينغ '.
"اذهبي مع هذا السيد ".
ابتسم 'فان ووبينغ ' "يا صغيرة ، اتبعي خطاي ، وسأصحبكِ لتجدي صاحبة اللوحة ".
نظرت إليه الفتاة ، كأنها تختبر صدق قوله.
تنهد 'فان ووبينغ ' "هذه اللوحة.. أهديها إليكِ ".
أخذتها الفتاة ، وانبثق الإشراق على وجهها فوراً. ولعلها كانت تعاني من مظهرٍ مشوهٍ سابقاً ، لذا بدت ابتسامتها هذه بريئةً إلى حد لا يصدق....
حانت ساعة الرحيل.
ترك 'فان ووبينغ ' للعجوز بعض الوسائل الدفاعية ليستخدمها وقت الحاجة ، قائلاً "أختي الكبرى ليست كعامة الناس ، ربما لم تفكر في ترك وسائل حمايةٍ لك ، فأعتذر نيابةً عنها ".
"لا بأس ، لا بأس ، فقد تركت لي الكثير من المال ".
حدث 'فان ووبينغ ' نفسه: 'هي تجيد إسناد المهام للغير مقابل المال ، لكنها تفتقر للكياسة التي تتمتع بها 'فو مانمان ' في التعامل مع شؤون الدنيا ؛ إذ تتصرف وفق أهوائها حتى نالت لقب 'مفتعلة المشاكل ' في الطائفة '.
كما رتب لها تشكيلاً للـ 'كي ' لتقوية جسد العجوز ، وترك له بعض 'فطائر الخلود '.
بعد أن ضمن للعجوز حياةً هانئةً لا ينقصها شيء ، انطلق 'فان ووبينغ ' مصطحباً الفتاة.
كانت الفتاة بسيطة العقل ، لا تكاد تفقه شيئاً ، وبمجرد أن ابتعدت عن العجوز ، بدت وكأنها نسيت أمره.
لو نظرت إليها ، لشككت في قدرتها على إيجاد طريق العودة لمنزلها لو هطل المطر!
عند عودتهم للنزل ، غطت في نوم عميق.
حينها سألت 'فو مانمان ' "لماذا أخذتها معك ؟ "
أجاب 'فان ووبينغ ' "إنها.. مُزارِعة شيطانية ".
"مُزارِعة شيطانية ؟ " وسعت 'فو مانمان ' عينيها بدهشة "إن كانت كذلك فهذا يعني أنه لا ينبغي لك اصطحابها! "
"لأكون دقيقاً ، هي.. شيطانٌ غير بشري ".
"شيطان ؟ "
"يصعب عليّ شرح الأمر ، لكن هذا هو الإحساس الذي تتركه في نفسي ". تنهد 'فان ووبينغ ' وأكمل "لا أعلم كيف التقت بها أختي الكبرى ، أو لماذا ائتمنتها على رعايتها. و لكنني أشعر.. بأنني لا أستطيع تركها هنا. ولعل بقاءها بجانبي هو الخيار الأمثل ".
"لكن ، لماذا ؟ "
"قبل رحيلها ، لا بد أن أختي الكبرى استخدمت نوعاً من الأختام لكبح 'الكي الشيطاني ' بداخلها ، لكن يبدو أن الختم بدأ يتراخى وبدأ 'الكي ' يتسرب. لذا حين خدعني أولئك القوم ، انتهزت الفرصة لأتحقق من الأمر. ويبدو أن دمي قادرٌ على قمع هذا 'الكي ' لديها ".
قالت 'فو مانمان ' بصوتٍ خافت "يا أخي ، المزارعون الشياطين لا يجدون مكاناً بينهم ، فكيف بـ 'شيطان ' غير بشري ؟ إن كائناً كهذا ليس إلا خرافةً مرعبة ".
"لا تدعيني أخي.. " نظر 'فان ووبينغ ' إلى الفتاة وهي نائمة بسلام "أريدها أن ترافقني ".
في قرارة نفسه كان هناك سببٌ آخر لم يبح به.
حين ظهرت النقوش الحمراء على وجهها ، استشعر حضور 'ينغ هو '.
ربما كانت لهذه الصغيرة صلةٌ بـ 'ينغ هو ' الذي يظهر مرةً كل خمس سنوات في 'وليمة ينغ هو '.
كان هذا السبب وحده كافياً لـ 'فان ووبينغ ' ليصطحبها معه.