بعد انتهاء اختبارات نهاية العام ، عادت طائفة «الخلود الأبدي» إلى سابق عهدها من الاستقرار.
في أواخر ديسمبر ، ومع اقتراب العام من نهايته ، اكتست الجبال بالثلوج المتراكمة ، متحولة إلى لوحةٍ بيضاء فضية. جعل ضباب الثلوج المتلاطم قمم «الخلود الأثنتي عشرة» لطائفة «الخلود الأبدي» وسلسلة جبال «زي لان» الشاهقة التي تقع خلفها تبدو أكثر شفافيةً وغموضاً. وتكثف الهواء البارد بفتور ليتحول إلى بلورات جليدية طويلة ودقيقة ، تشابكت مع هبات رياح الجبل لتنسج مشهداً موحشاً.
بعد أن أنهى «فان ووبينغ» تمارين التنفس الصباحية ، غادر غرفته.
هبت الرياح الباردة ، وعلى الرغم من أن طاقته الحيوية كانت في أوجها إلا أنه قلّص عنقه غريزياً ، وشدّ ملابسه حوله ، ثم التفت برأسه ليرمق غرفة «لو تشنج ياو».
كان الباب ما زال مغلقاً بإحكام ، تتسرب من تحته هالة غامضة ومبهمة.
منذ اختبارات نهاية العام لم تكن «تشنج ياو» تزعج «فان ووبينغ» بطلب اللعب كما اعتادت ، بل على العكس ؛ اختارت بعد يومٍ من التأمل أن تدخل في خلوة.
كان «فان ووبينغ» أكثر من يفهم دواخلها.
لابد أنها كانت تفكر في كيف أن أخاها الأكبر الذي احتاجت إلى «حمايته» قبل تسعة أشهر ، قد مضى تدريجياً في طريقٍ واسعٍ وثابت. و لقد كانت تمتلك دائماً دافعاً داخلياً ، ورغبةً ملحة في أن تثبت أنها كانت أهلاً للكلمات التي تفوهت بها حين اعترفت لمشاعرها تجاه أخيها الأكبر آنذاك.
علاوة على ذلك فإن أختها «لو لينغ الخالدة» ستزور طائفة «الخلود الأبدي» مجدداً في نهاية العام.
لذا كان هناك شيءٌ يطاردها دائماً ؛ لم تكن ترغب في التوقف ، وشعرت أنها بحاجة لدفع نفسها بقوة أكبر.
بصدق ، وبدون حيوية «لو تشنج ياو» ، أصبحت «قمة التنوير» أكثر هدوءاً فجأة. فالناشئة العشرة في الدورة الحالية ، كمعظم المزارعين ، جعلوا مسارات «الزراعة» (التسامي الروحي) أولويتهم القصوى ، يضاف إلى ذلك توجيهات «تشانغ جينغ وي» والأداء الملهم لـ «فان ووبينغ» في اختبارات نهاية العام ، مما جعلهم أكثر اجتهاداً بشكل لافت.
لقد تحفز كل من «آي يينيان» و«جيانغ ماوديان» أيضاً بسبب «فان ووبينغ». فبالنسبة لهما ، في «نبع زهر الخوخ» كان «فان ووبينغ» ما زال رفيقاً يقاتل بجانبهما ، لكنه فجأة حلق في السماء.
لكن عند التفكير بعمق لم يكن الأمر «مفاجئاً» ؛ فمنذ اللحظة التي برز فيها «فان ووبينغ» لأول مرة كان هناك زخم لا يمكن إيقافه يحيط به.
كان «وي تشانغ كونغ» مشغولاً بجني المال لسداد القرض من «بنك السماء والأرض». وكان يفكر في الاعتراف لعائلته بأنه مدين بالمال في الخارج وطلب مساعدتهم في السداد إن ساءت الأمور حقاً.
أما الزملاء الذين تربطهم علاقة طيبة بـ «فان ووبينغ» ، فكانوا مشغولين بمساراتهم الخاصة نحو الخلود بسبب شؤون شتى.
وحدها «غو لان» ظلت كما هي ؛ فمثل «الأوركيد» في اسمها ، وبعد مطرٍ جديد على الجبال الخالية كانت هي وحدها من يفوح بعطرٍ خفي. حيث كانت لا تزال تحب زيارة «قمة التنوير».
مع قدوم الشتاء ، ورغم ارتدائها ملابس أكثر دفئاً أخفت قوامها اللافت ، أتاح ذلك لـ «فان ووبينغ» أن ينظر إلى وجهها بنظرةٍ أكثر صدقاً. بدت هذه الأخت الكبرى ذات البشرة القمحية أكثر جمالاً ، وغالباً ما كان وجهها يكسوه الحياء مؤخراً ، وعيناها الصافيتان اللتان لا تشوبهما شائبة تنظران دائماً إلى الأفق ؛ وكأنها تتأمل مسارها الخاص نحو الخلود.
«أخي الأصغر ووبينغ ، هل فكرت فيما ستفعله بعد التخرج ؟» جلست «غو لان» حول الموقد مع «فان ووبينغ» ، وهما يعدان الشاي ، بجانبهما بعض المعجنات والبرتقال. حيث كان لون شعرها قد تغير قليلاً ، من الذهبي إلى البلاتيني.
توقف «فان ووبينغ» للحظة ، ثم ابتسم وقال: «ألا ينبغي أن أطرح عليك هذا السؤال ؟ أنتِ من توشك على التخرج ، أما أنا فما زال أمامي طريق طويل».
أمالت «غو لان» رأسها ، وارتفعت حاجباها الدقيقان قليلاً ، وقالت: «لدي شعور بأنك ستضطر للرحيل قبل أن تتخرج».
«لماذا ؟» تتفاجأ «فان ووبينغ».
«هل يمكن لطائفة الخلود الأبدي أن تحتفظ بك حقاً ؟»
«ما دامت قمة التنوير قائمة ، سأظل دائماً تلميذاً في طائفة الخلود الأبدي».
تلك التي كانت تتسم بالأناقة ، باتت الآن تحمل شعوراً أكثر تعقيداً - يصعب وصفه بالغموض أو المرارة. وعلى أية حال كانت غير طبيعية في حديثها: «أنت ستسعى خلف الداو (الحقيقة الكونية) ، أليس كذلك ؟»
«نعم».
«لكن طائفة الخلود الأبدي لا تملك الداو».
«أختي الكبرى ، ماذا عنكِ ؟ ألا ترغبين في السعي خلف الداو ؟»
«أنا... لا أعلم. الأمر أشبه بأنني لو غادرت طائفة الخلود الأبدي ، فلن يتبقى لي شيء». ارتسمت حيرة في عيني «غو لان»: «ربما سأحاول أيضاً استكشاف عالمٍ أوسع ، وأشهد المعجزات التي تركها للعالم الخالد العظيم (فينغ) لتلك العائلات الريفية».
«أليس هذا جيداً ؟»
«أتساءل أيضاً ، إذا رحلت ، هل ستكون لدي فرصة لرؤية الجميع مجدداً ؟»
«أختي الكبرى ، طريق الخلود طويل. لماذا التشبث بالأمور والأشخاص التافهين ؟»
«ألن تفكر بي... ألن تفكر بنا جميعاً بعد الآن ؟» تقطع صوت «غو لان» قليلاً ، وهو يضج بعدم الثقة ، وعجزت عن إخفاء ذلك فبدا كل شيء واضحاً في عينيها.
«بالطبع ، سأفعل». وفي عيني «فان ووبينغ» ظهرت مشاعر لا تليق عادةً بمن هم في مثل سنه: «سأجلس من جناحٍ تحت ضوء القمر ذات ليلة ، وأسكب كأساً من الخمر... وأسترجع ذكريات هذه الأيام في طائفة الخلود الأبدي».
ضحكت «غو لان».
لم يتبق الكثير من الجمر ، لذا أزاح «فان ووبينغ» إبريق الشاي جانباً قليلاً ليضيف جمراً جديداً.
قالت «غو لان»: «تذكرت فجأة أغنية من طفولتي في مسقط رأسي».
وبدلاً من أن يتذكرها هو فجأة ، تعجب «فان ووبينغ» لما أثارت هذا الأمر ، رمش بعينيه وسأل: «هل يمكنك غناؤها لي ؟»
«بالتأكيد ، بالتأكيد!» بدت «غو لان» وكأنها صغرت لسنوات ، حيث ظهرت لمحة من براءة الطفولة بين حاجبيها.
وغنت:
«هلال القمر في السماء قد اختفى ، أبحث وأبحث ؛
والنجوم في السماء قد اختفت ، أبحث وأبحث ؛
غيوم الجبل الملتهبة قد اختفت ، أبحث وأبحث ؛
والسمكة الصغيرة في الماء قد اختفت ، أبحث وأبحث ؛
تأتي الفتاة المجاورة تطلبني عما أبحث عنه ؛
أبتسم وأقول: لقد وجدته»....
لقد حلّت نهاية العام.
كانت مدينة «ويري» التي تقع أسفل الجبل تفيض بأجواء احتفالية قوية ، تزينها الزخارف الحمراء واللافتات الملونة في كل مكان. و في بعض الأحيان ، يستمتع «المزارعون» أيضاً بالاختلاط بالبشر العاديين ، وقد انتهز الكثيرون منهم ، ممن أمضوا العام في عزلة الزراعة ، هذه الفرصة للخروج واستنشاق الهواء ، ليمنحوا أنفسهم استراحة بعد عامٍ من الزراعة الشاقة.