طرقٌ.. طرقٌ..
تردد صدى خطواتِ أقدامٍ على الطريق المرصوف بالحجارة الصلبة. حيث كانت المنازل على جانبي الطريق موصدة بإحكام ، لا ضوء ينبعث منها ولا صوت لأحد ، والكل غارقٌ في صمتٍ مريبٍ يشبه الموت ، كأننا في وادٍ جبليٍّ معزولٍ ومنقطعٍ عن العالم.
كان الطابق الثالث عشر يجسد هذا المشهد تماماً.
وقف «فان ووبينغ» عند أحد طرفي الطريق ، يواجه الطريق الفسيح والمستقيم. ومن دون أن يحيد بنظره ، رمق ببعيد بوابة المدينة الرمادية الباهتة عند الطرف الآخر. وتحت ضوء القمر كانت البوابة تفيض برهبة الوحشة والقفار.
بدا الأمر وكأن أحداً لم يطأ هذا المكان منذ زمن بعيد.
وفي الأجواء كان ثمة عبقٌ عالق ، يشبه رائحة أشعة الشمس الحارقة وهي تحيل الأرض إلى رماد.
فجأةً ، انبعث صوتٌ حادٌ من زاوية أخرى في الطريق ، كما لو أن شيئاً صلباً قد تشقق وتصدع. وتوالت هذه الأصوات وأصبحت أكثر ضجيجاً ، يرافقها دويُّ ارتطام شيءٍ ثقيلٍ بالأرض.
حتى حانت لحظةٌ خمدت فيها كل الأصوات ، وساد الهدوء من جديد.
وبالنظر مجدداً نحو بوابة المدينة كان هناك كائنٌ يشبه الطائر يقف فوق سور المدينة. حيث كان يولي ظهره لضوء القمر ، مما حجب وجهه ، لكن ريش أجنحته الممتلئة كان يتلألأ ببريقٍ ناعم.
كان مظهراً..
مقدساً وفائضاً بجوهرٍ غامض.
ساور «فان ووبينغ» شعورٌ بأن هذا ليس وحشاً شيطانياً يحرس هذا المستوى من البرج ، بل هو «روحٌ بهيمية خالدة» من سجلات الزمن السحيق.
فجأةً ، بسط الوحش أجنحته وحلق عالياً في سماء الليل. حيث كانت ريشات ذيله الطويلة والناعمة والمتألقة ، وريشه الفريد ، علاماتٍ تكشف هويته كوحش شيطاني ،
إنه «عصفور شوان السماوي المتألق».
المشهور بوقاره الرشيق وسرعته المذهلة.
نظر «فان ووبينغ» نحو سماء الليل ، مراقباً «عصفور شوان» وهو يتمايل تحت ضوء القمر ، حيث كانت ألوانه الزاهية تلقي ببريقٍ أخاذ. وكان ذلك هو السبب المباشر لتسميته.
بعد أن رسم قوساً طويلاً من الهالة الشيطانية في سماء الليل ، انقضّ للأسفل وحطَّ على سطح أحد المنازل ، رامياً «فان ووبينغ» بنظراتٍ فاتنة.
عندها فقط ، استبين «فان ووبينغ» هيئته الحقيقية.
جمالٌ أخّاذ ، ريشه مُهذّب ومُنسّق بدقة و كل ريشة في موضعها المثالي ، مما يُظهر تناغماً وجمالاً لا يضاهى.
فجأةً ، نطق «عصفور شوان السماوي المتألق» بلغة البشر:
"لا أستطيع تخيل كيف تجرأتَ على تحدي سلطتي. "
كان قادراً على الكلام.
لم يُتفاجأ «فان ووبينغ» بذلك ؛ فالوحوش الشيطانية في مستوى «الروح الوليدة» تمتلك ذكاءً يضاهي ذكاء البشر. وبجانب أشكالها الوحشية التي لم تتغير ، فهي لا تختلف عن البشر في شيء ، وتكثيف الكلام البشري عبر الطاقة الشيطانية أمرٌ ليس بالشائع فحسب ، بل هو متوقع.
في الظروف العادية ، ربما كان «فان ووبينغ» سيبدي اهتماماً بفتح حوار ، راغباً في الاستفسار عما إذا كان الوحش يعلم أنه مجرد تجسيد للطاقة داخل «برج تنقية الشياطين».
لكن الآن لم يعد هناك متسعٌ من الوقت.
"لم يأتِ بي إلى هنا التهور ، بل العزيمة. "
"العزيمة ؟ يا له من هراء! " اتسعت عينا «عصفور شوان» الفاتنتان ، وانطلق وميضٌ أبيض من زاوية عينيه ، ليلتفَّ للخلف. ثم بسط أجنحته وفي لمح البصر اختفى في الليل.
هل رحل ؟
بينما كان «فان ووبينغ» غارقاً في هذا التفكير ، انبثقت فجأةً قوةٌ ساحقة من ورائه ، تدفقٌ للطاقة كالرعد وهو يرتطم به.
تفجرت قشعريرةٌ في ظهره!
لم يرحل ، بل كان سريعاً لدرجة أن خياله لم يُرصَد!
لولا استمرار «فان ووبينغ» في استخدام «مهارة خلق التشي غير المبرر» ، لما شعر بهالة الهجوم الوشيك ، ولقضى نحبه غارقاً في بركةٍ من دمائه.
تحرك بسرعة ، متخذاً وضعيةً انسيابية كفتح الباب ، ثبّت قدمه اليسرى على الأرض ، وأرجح جسده الأيمن ، ثم دار عكس اتجاه عقارب الساعة ليتفادى الضربة الشيطانية لـ«عصفور شوان» في لحظة ، مع ثني ساقه اليسرى قليلاً للقفز بعيداً.
وما إن تفادى الهجوم حتى انفجر المكان الذي كان يشغله سلفاً سحابةٌ من الغبار ؛ إذ تحطمت ألواح الحجر في الطريق وتفتتت إلى غبار.
لم يمنح «عصفور شوان» «فان ووبينغ» أي فرصة لالتقاط أنفاسه. حيث اخترقت الموجة الثانية من الهجوم الشيطاني الغبار وانطلقت نحوه.
عندها فقط ، تبين «فان ووبينغ» ماهية ذلك الهجوم الشيطاني المتجسد.
إنه الرعد!
من خلال الغبار ، نظر إلى «عصفور شوان». كانت أجنحته ممتدة على الجانبين ، وكل ريشةٍ فيها مستعدة لإطلاق موجةٍ من الطاقة الشيطانية المشبعة بالرعد.
سرعةٌ فائقة ، مقترنةٌ بـ«تقنيات الرعد الشيطانية» الشرسة!
عمل عقل «فان ووبينغ» بسرعة خاطفة.
أخبرته غرائزه القتالية الحادة أن سرعته الحالية ، ما لم يكدس «قلب النار» إلى مئتي طبقة ، لن تمكنه من مجاراة «عصفور شوان» بالركض فحسب.
إن الافتقار إلى مهارة مباشرة في «السرعة والرشاقة» ضمن نظامه القتالي أصبح أمراً جلياً ومؤرقاً!
في الظروف الطبيعية كان بإمكانه الاعتماد على تركيبة «مهارة التحكم بمطر الأجرام السبعة» و«مهارة خلق التشي غير المبرر» ؛ الأولى لخلق بيئة ملائمة ، والثانية لدمجه تماماً في تلك البيئة ، مما يحقق تأثيراً مراوغاً لا يمكن التنبؤ به ، ويجعل من الصعب على الخصوم استهدافه بدقة.
لكن في الظروف الحالية ، حيث لا يمكن لـ«مهارة التحكم بمطر الأجرام السبعة» أن تؤتي ثمارها ، وفي مواجهة السرعة المطلقة ، أصبحت مزاياه القتالية المعتادة على المحك!
هل سيمنحني الوقت لتكديس طبقات «قلب النار» الكامنة ؟
بوضوح ، لا!
في مواجهة ضربة رعدية تلو الأخرى لم يجد «فان ووبينغ» فرصة للاقتراب من «عصفور شوان». علاوة على ذلك ومع سرعته الحالية لم يكن بإمكانه الاقتراب منه أصلاً. والإقدام على ذلك بالقوة يعني تلقي عدة ضربات رعدية.
أيمكن لجسد في «الطبقة التاسعة من الجوهر الذهبيي» أن يصمد أمام تقنية رعد شيطانية من «مملكة الروح الوليدة» ؟
كلا ، قطعاً لا!
حتى لو تضاعف تأثير الشفاء لـ«مهارة خلق التشي غير المبرر» خمس مرات ، فلن يكون ذلك كافياً.
فمستويات القوة لا مجال للمقارنة بينها!
والأدهى من ذلك أنه حتى لو حالفه الحظ وتفادى الهجمات الرعدية واندفع نحو «عصفور شوان» ، فما الذي سيحدث حينها ؟ يمكن للوحش ببساطة أن يوسع الفجوة بينهما بخفقة جناح واحدة.