«لذيذٌ! أريدُ وعاءً آخر! وعاءً آخر!»
كان لوفي يجرعُ الأوعية واحداً تلو الآخر ، وكلُّ وعاءٍ منها يختلفُ في مظهره عن سابقه ، لكنها كانت جميعاً دون استثناءٍ مروعةً إلى أبعد حد. و في تلك اللحظة قد سمع صوت آيس وهو يتحدث ، فنظر إليه متهللاً بارتباك:
«آيس ، ألا تودُّ التجربة ؟ إنه لذيذٌ حقاً!»
حدق آيس في الوعاء الذي بين يدي لوفي ، والذي كان ما زال يصدر فقاعاتٍ مشؤومة ، بينما كان عقله يكافحُ لاستيعاب ما تراه عيناه. بل إنه مد يده ليلمس جبين لوفي ، متفحصاً إن كان يعاني من حُمى أو ما شابه.
«هيا يا آيس ، ألا تزال لا تصدقني ؟ أنا لستُ مريضاً! إنه لذيذٌ حقاً ، أقسمُ لك! قد يبدو خليط "فير " مخيفاً ، لكن مذاقه رائعٌ في الواقع!»
نحّى لوفي يد آيس جانباً وتحدث بنبرة واثقة لا تقبل الشك ، ثم تجرع الوعاء كاملاً دون تردد. وما إن فرغ منه حتى لعق شفتيه وقال:
«آه! منعشٌ حقاً! مزيجٌ من الحلاوة والحموضة ، هذا أفضلُ ما تذوقته! هاهاها!»
لكن تعبيرات وجه آيس في تلك اللحظة كانت تعجزُ عن وصفها الكلمات ، ومع ذلك كان يسهلُ قراءتها: «أيها الخائن الصغير! أتحاول تسميم أخيك الأكبر ؟!»
وبما أن آيس نظر إليه بنظراتٍ تملؤها الريبة ، استشاط لوفي غضباً ؛ أيعقلُ أن يشك به شقيقه ؟
«أنا جاد! لِمَ لا تصدقني ؟ انظر!»
سحب لوفي ذبابةً كانت عالقةً في الوعاء ، وألقى بها في فمه دون أن يظهر أدنى علامةٍ على القرف ، مكتفياً بقطب وجهه من شدة الحموضة: «تشه ، إنه حامضٌ جداً.»
تزايد ارتباك آيس ؛ ما الخطب ؟ ولِمَ صار حامضاً الآن ؟ هل يُعقلُ أن هذا الشيء صالحٌ للأكل حقاً ؟ بدأت الشكوك تتسربُ إلى عقله ، بينما كان "فير " يعرض عليه المزيد بسخاء ، ويعيدُ ملء وعاء لوفي باستمرار. و بدأ هذا الأمر يزعزعُ ثقة آيس ؛ فهل يُعقلُ أن مظهره مرعبٌ فقط… لكنه في الجوهر طيب المذاق ؟
بينما كان يراقب لوفي وهو يلتهمه كالمجنون ، تردد آيس. دفعُ العطشِ المتسربِ في جسده حثّه على تذوق رشفةٍ واحدة. لاحظ "فير " تذبذبَ عزيمته ، فابتسم في قرارة نفسه ؛ لقد وقع الفريسةُ في الفخ! ما هي إلا دفعةٌ أخيرة وسينجحُ الأمر!
بهذه الفكرة ، رفع "فير " وعاءً ، وقربه من شفتيه ، وتجرعه دفعةً واحدة. و في لمح البصر ، تلاشى السائل البارد ، فأطلق "فير " تنهيدة ارتياح ، ثم التفت إلى آيس وابتسم بودٍ وسأل:
«أترغبُ بوعاء ؟»
كان وجهه يحملُ براءةً لا تُثيرُ الريبة ، كبائعٍ محتالٍ يحاول استدراج الصغار إلى فخٍ محكم. وفي الوقت نفسه ، مدَّ وعاءً يبدو مقززاً نحو آيس. و في تلك اللحظة ، ارتعش تشوبر الذي كان يراقب المشهد ، بشدة ، وملأت الرعبُ عينيه.
هذا! هذا هو…! إنه العقارُ الذي ساعد في صنعه مع "فير "! ولا داعي لشرح مدى "قوته "! ما الذي يحاول "فير " فعله ؟! هل يخطط لقتل آيس ؟! إنه شقيق لوفي!
حاول تشوبر غريزياً منعه ، لكنه فجأة شعر بهالةٍ باردةٍ تحيط به. رفع رأسه ليلتقي بعيني "فير " المبتسمتين: «من الأفضل لك أن تصمت.»
كانت تلك النظرة يكفى ، فابتلع تشوبر كلماته. وبعد أن وزن المخاطر ، خفض رأسه مستسلماً ؛ لا بأس ، فليكن هو بدلاً مني. "فير " على الأرجح لا يريد قتله ، ففي أسوأ الأحوال سيعاني قليلاً. نعم ، فليكن هو بدلاً مني.
على الجانب الآخر ، حين رأى آيس "فير " يشرب العقار بنفسه ، استسلم أخيراً: «لقد شرب لوفي الكثير وهو بخير تماماً. و أنا أقوى منه بكثير ، فلا يمكن لهذا الشيء أن يؤثر فيّ. ثم إن "فير " شربه أيضاً ، فلا بد أنه آمن.»
بهذه القناعة ، أخذ آيس الوعاء من يدي "فير ". ظل وجه "فير " على حاله ، لكنه كان يحتفل في أعماقه ؛ حان وقت الجلوس والاستمتاع بالعرض! وكما كان متوقعاً لم يخيب آيس ظنه. ثم أخذ رشفة صغيرة ، فانزلقت قطرات السائل البارد في حلقه حاملةً رائحة زهرية خفيفة ، فأشرقت عينا آيس ؛ إذاً لم يكونوا يكذبون! حقاً ، مظهره مخيف لكن مذاقه جيدٌ في الواقع.
رفع الوعاء ، وتوقف عن التردد ، وجرعه دفعةً واحدة. وبعد سلسلة من حركات البلع ، اختفى محتوى الوعاء بالكامل. لم يظهر على "فير " أي رد فعل ، بل استمر في ارتشاف مائه بهدوء. و في الظاهر لم يكن هناك شيءٌ غير معتاد ، لكنه كان يضحكُ بملء شدقيه في داخله ؛ أرأيت ؟ الأمر سهل ، فعائلة "مونكي " ساذجةٌ للغاية!
ومع ذلك لم يشعر آيس بأي سوء ، بل على العكس ، شعر بطاقةٍ تدبُّ في أوصاله ، وكأن ذهنه صار أكثر صفاءً ، وتملكتْ جسده موجةٌ من الحماس. وفي هذه الأثناء كان لوفي قد استعاد نشاطه وبدأ يقفزُ بحماس ، وأتبعه الطاقم في رحلتهم ، بينما سار آيس معهم.
عندما رأى "فير " وتشوبر أن آيس بخيرٍ تماماً ، أُسقط في أيديهما ، وتبادلا نظرات الذهول ؛ ما الخطب ؟ لِمَ هو بخير ؟ هل العقار ليس قوياً كفاية ؟ هل أخطأنا في خلط المكونات ؟ راجع "فير " الأمر وتأكد تماماً أنه أعطى آيس الوعاء الصحيح ، فهو العقار القوي الذي صنعه تشوبر مع إضافة معززاتٍ للتحمل!
إذاً ما الذي يحدث ؟ هل جسده صلبٌ إلى هذه الدرجة المثيرة للسخرية ؟ لا بأس ، فحتى لو كان صلباً ، فهذا لن يؤدي إلا لتأخير الحتمي! فالفصل لم ينتهِ بعد! انتظر فقط ، سيشعرُ بالنتيجة قريباً!
ومع ذلك… مرت ثلاثون دقيقة ، وآيس ما زال بخير. و بدأ "فير " يشك في نفسه ؛ هل يُعقلُ ألا يكون له أي تأثير ؟ حسناً ، فات الأوان للتراجع لم يكن أمامهم سوى المراقبة. مرت نصف ساعة أخرى ، ووصلت المجموعة إلى أرضٍ صخرية كانت منطقة الظل الواسعة مثاليةً للراحة ، فقرر الجميع التوقف. حيث كانوا يمشون منذ ساعة ، وكان الإرهاق قد نال منهم.
جلس آيس ولوفي معاً يتبادلان الحديث ببهجة دون أي علاماتٍ غير طبيعية ، بينما جلس "فير " وتشوبر مقابلين لهما ، يحدقان في آيس دون أن يرمشا. و لقد مرت ساعة! ما الذي يحدث بحق الجحيم ؟ هل مبالغة في تقدير معزز التحمل ؟ مستحيل ، لقد اختبره تشوبر شخصياً وكان فعالاً بنسبة 100%.
وبينما كان "فير " في حيرة من أمره ، انطلقت زمجرةٌ عالية من أحشاء آيس: «قرررررررر!»
كان الصوت عالياً لدرجة أن الجميع التفتوا نحو المصدر. حين رأى آيس الأنظار متجهةً إليه ، احمر وجهه خجلاً ، فقد كان الموقف محرجاً. تباً للمعدة ، لِمَ يجب أن تزمجر بهذا العلو ؟
«آيس ، هل أنت جائع ؟ لقد ظهر صوت معدتك كالانفجار ، لقد أخفتني!» ضحك لوفي وهو يمازحه.
حك آيس رأسه بإحراج ، وبينما كان على وشك التحدث—تغيرت ملامح وجهه فجأة! التوى تعبيره بالألم ، وتحول وجهه الأسمر إلى الأحمر القاني من شدة الضغط ، وانحنى جسده وهو يمسك معدته بكلتا يديه. لم يمر وقت طويل حتى صار آيس يئن من شدة الألم.
أفزع هذا المشهد لوفي ، فقد كان هناك شيءٌ خاطئٌ تماماً!
«آيس! آيس ، ما بك ؟!»
«أيها الطبيب! لا ، انتظر! "فير "! "فير "! آيس مريض! ساعده!»
أدرك لوفي أخيراً ماذا يجري ، وصرخ باتجاه "فير ". حين رأى "فير " هذا المشهد ، غمرته الفرحة ، وبالكاد استطاع كبح ابتسامته.
حاول لوفي الإمساك بـ "فير " لكنه أخطأه ، وقبل أن يدرك ما حدث ، شعر وكأنه اصطدم بشاحنة فطار في الهواء. وفي هذه الأثناء ، جثا "فير " بجانب آيس وهو يفرك يديه ، فلم يعد يطيق الانتظار حتى يجعل آيس محصناً ضد جميع السموم! و لم يكن لديه أي نوايا أخرى على الإطلاق… حقاً!