الفصل 398: أسطورة جياّدا
مضت خمسة أيام.
الخط الكبير ، العالم الجديد ، بلاد وانو ، أونيغاشيما.
زئيرٌ هائلٌ دوى في أرجاء السماء ، واهتزت جزيرة أونيغاشيما بأكملها تحت وطأة موجة صادمة عاتية ، كما لو أنها ضُربت بجسدٍ عملاق. اضطربت الأرض ، وتمايلت الغابات بعنف ، وتصدعت التضاريس الصخرية حتى خُيّل للناظر أن الجزيرة على وشك التفتت. و انطلقت الموجة الصادمة إلى الخارج ، فاستحالت مياه البحر المحيطة بالجزيرة إلى أمواجٍ شاهقة ، وهدر المحيط بغضبٍ عارم. حيث تمايلت المباني على الجزيرة واهتزت بعنفٍ نذيرٍ بالخطر.
على مقربة من تلك المباني ، وقف أفراد قراصنة الوحوش وبعض الزوار يراقبون المشهد ، وقد ارتسم الرعب على وجوههم وهم يحدقون في الكارثة التي تتكشف أمام أعينهم. حيث كان قائدهم ، حاكم قراصنة الوحوش "كايدو " ملقىً في قاع هوةٍ سحيقة ومسننة حُفرت في الأرض ، ذلك الشق المرعب كان نتيجة ارتطام كايدو بالأرض بقوة.
أما المسؤولة عن هذا الدمار ، فكانت فتاةً شابةً جميلة ، ذات مظهرٍ أنيق وشعرٍ أخضر فاتح يتلألأ كالجواهر المصقولة. و هذه الفتاة التي تبدو رقيقة ، سحقت حاكمهم الجبار وكأنه مجرد دمية. أمرٌ مرعب! مرعبٌ بأجل! لقد كانت بلا شك أسطورةً جديدة تُكتب فصولها في تلك اللحظة.
لم يسعَ العديد من قراصنة الوحوش إلا أن يستحضروا سمعتها ؛ "الملكة القرمزية " جياّدا كوكولكان ، تلك الشخصية المخيفة التي برزت على الساحة وكأنها ظهرت من العدم. و بدأت شهرتها مع حكايات ركوبها لتنين أبيض ضخم. حينها ، تجرأ بعض القراصنة الطامعين على مهاجمتها فور رؤيتهم للتنين ، فكانت العاقبة دماراً شاملاً ، فقد كانت قوة التنين طاغية ، وصارت الفتاة تُعرف بمن تروض التنين.
لاحقاً ، أبحرت عبر البحار إلى مملكة "كورتي " الأسطورية ، أرض المعجزات ، حيث اشتبكت مع ملك المعجزات "أرتوريا ". كانت معركتهما ضارية لدرجة أنها محت جزيرةً بأكملها. لم يندهش الناس من قوة الفتاة راكبة التنين فحسب ، بل ذُهلوا أيضاً من القوة الهائلة لأرتوريا ، ملك المعجزات. و في ذلك الوقت ، نال أرتوريا لقب "ملك الضوء " بينما سُميت الفتاة بـ "الملكة القرمزية ".
لكن أسطورتها لم تنتهِ عند هذا الحد ؛ فقد مضت الملكة القرمزية لتهاجم "جزيرة الموت " معقل أسطول الشر المتطرف. هزمت الجنرالات الأشداء "كروكودايل " ملك الصحراء ، و "بوليت " وريث الشيطان ، ونجت من براثن الملك الشرير "هيسوكا " دون أن يمسها سوء. أصيب العالم بالذهول ، وبدا إنجازها اللاحق بهزيمة قراصنة "البيغ مام " أمراً ضئيلاً مقارنةً بهذه المآثر التي هزت أركان العالم.
والآن ، وصلت هذه الشخصية الأسطورية إلى أونيغاشيما ، فاستبد الذعر بقراصنة الوحوش ؛ فكما خافوا كان حاكمهم يُهزم شر هزيمة ، ولم يكن نداً لها على الإطلاق.
تمتم أحدهم بصوتٍ مرتجف "كايدو-ساما… ".
بين صفوف قراصنة الوحوش ، حدق "كينغ " في الهوة السحيقة والقلق يرتسم على وجهه ؛ فقد عاد للتو ليشهد هزيمة كايدو. حيث كانت قوة هذه المرأة الغامضة استثنائية حتى إن قوة "اللحية البيضاء " تبدو باهتةً بالمقارنة بها. لو كان بوسعه ، لهبَّ كينغ لنجدة كايدو ، لكن الفجوة في القوة كانت شاسعة ، والانضمام للقتال لن يؤدي إلا لهزيمة أخرى ، وكان عليه الحفاظ على قوته. حيث كان قراصنة الوحوش يعجُّون بالمتآمرين ، ولم يكن بوسعه تحمل إصابةٍ بليغة بجانب كايدو.
انتقل بصره لفترة وجيزة إلى "أندريه " و "هيغوما ". قبل أيامٍ فقط ، اشتبك مع قراصنة "الشعر الأحمر " وواجه "إيوري ياغامي " الغامض. وكما كان متوقعاً ، هاجم ذلك الرجل ، وما تلا ذلك كان أمراً غريب الأطوار ؛ حيث قامت قوة غريبة بشل حركة كينغ ، مما جعل جسده متصلباً ، وقبل أن يتمكن من رد الفعل ، ضُرب وأُرسل ساقطاً في البحر. وبسبب قدرة فاكهة الشيطان الخاصة به ، غرق وهُزم بسرعة. ووفقاً لمن شهدوا الواقعة ، غادر الرجل فور هجومه ، وبدا أن كينغ كان مستهدفاً بسبب نيرانه. يا لها من كارثة!
هز كينغ رأسه طارداً تلك الذكرى ، ولم يكن أمامه سوى الأمل في أن ينجو كايدو من هذا. وبينما كان يحدق في ذلك الظل في الهوة ، صلى كينغ في صمت.
على مسافة غير بعيدة من قراصنة الوحوش كانت مجموعة من الغرباء تراقب الدمار بمزيجٍ من الرهبة والخوف. وبالنظر إلى مظهرهم ، فقد كانوا من قراصنة "البيغ مام " "شارلوت كاستارد " و "شارلوت سموزي " و "شارلوت ميليس " الأخوات الثلاث. فكنَّ يتشبثن ببعضهن ضد الهزات الناجمة عن المعركة ، وأعينهن مثبتة على كايدو الذي سقط في الشق الشبيه بالهاوية ، وقد بات مصيره مجهولاً.
كان كايدو ، أحد الأباطرة الأربعة ، بنفس شهرة والدتهن "البيغ مام " ومع ذلك فإن رؤيته يُقذف كدميةٍ قماشية ذكرتهن بالوقت الذي قاتلت فيه هذه الفتاة الشابة والدتهن. و في ذلك الوقت لم تقاتل بشكلٍ مباشر حتى ، بل اكتفت بقيادة تنينها الأبيض لهزيمة "البيغ مام ". والآن ، برؤيتها تقاتل بشخصها لأول مرة ، صُعقت الأخوات بضراوتها.
عنفٌ مرعب! حيث كان هذا انطباعهن الأول. و إذا وُجهت تلك القوة نحوهن ، هل سيمحين من الوجود ؟ كم سيكون ذلك مروعاً! تبادلت الأخوات نظرات الرعب. وحتى "سموزي " الأكثر رباطة جأش بينهن ، شعرت بقشعريرة الخوف. ولكن تصغر "كاستارد " بعشر سنوات إلا أن سموزي كانت نابغة عائلة "شارلوت " ومزاجها أكثر ثباتاً من أختها الكبرى. سارعت بطمأنة أخواتها ، لتهدئة أعصابهن المنهارة. وبمجرد استقرار مشاعرهن ، أعادت سموزي نظرها إلى الشخصية التي تحلق في السماء ، وقد غطى القلق تعبيرات وجهها ؛ فهذه المرأة قوية جداً ، فهل سيتمكنَّ يوماً من العودة إلى عائلتهن ؟ لم تملك إلا أن تأمل ألا يفعل شقيقها "كاتاكوري " أي شيءٍ متهور.
كان سبب وجود الأخوات الثلاث في أراضي قراصنة الوحوش بسيطاً ، فقد جئن مع جياّدا. و بعد أن هزمت جياّدا قراصنة البيغ مام ، بما في ذلك "البيغ مام " نفسها ، اختارت خادمتين من صفوفهم وحارساً واحداً. ورغم أن جياّدا لديها خدم من الظلال إلا أنهم آليون ويفتقرون للمسة الإنسانية الشخصية. أما بالنسبة للحارس ، فكان الأمر يتعلق بالتعامل مع التهديدات البسيطة ؛ إذ وجدت جياّدا متعة في مراقبة سموزي وهي تعاني في القتال.
لم يكن لقراصنة البيغ مام رأيٌ في هذه المسأله ، وحتى لو اعترضوا ، فلم يكن بوسعهم سوى كتمان شكاواهم. و بالنسبة لأعضاء قراصنة البيغ مام كان تحدي الملكة القرمزية أمراً لا يمكن تصوره ؛ فهي التي نجت من "هيسوكا " سيئ السمعة دون أذى. وباستثناء "كاتاكوري " الذي ما زال يأمل في إنقاذ سموزي والآخرين ، ظل بقية قراصنة البيغ مام ، بما فيهم والدتهن النارية ، صامتين حيال الأمر. فبالنسبة للبيغ مام ، بناتها مهمات ومستغنى عنهن في آنٍ واحد ، وأولئك اللواتي أخذتهن جياّدا الوحشية لم يعد لهن قيمة لديها ، ولم تكن لديها أي نية لاستعادتهن.
بعيداً عن البيغ مام وكاتاكوري كان بقية أفراد عائلة "شارلوت " غير مبالين إلى حدٍ كبير. و هذا الضعف دفع العديد من الأعضاء للتدريب بجدية أكبر. ومع ذلك لم ينظر الجميع في عائلة شارلوت إلى الوضع بيأس ، إذ اعتقد البعض أن خدمة الملكة القرمزية ليست قدراً سيئاً تماماً. حيث كانت هذه أموراً تخص المستقبل. وفي داخل عائلة شارلوت ، أصبحت الملكة القرمزية موضوعاً محرماً ؛ فبعيداً عن عائلة شارلوت ، ندر أن تجرأ الغرباء على الحديث عنها ، خوفاً من إثارة غضبها.