تَجَلَّى أَحَدُ أَطْيَافِ الإِلَهِ الشَّيْطَانِيِّ فِيبَارَ فِي الْعَالَمِ.
لَنْ يَسْتَقِرَّ عُنْصُرُ الْمَاءِ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ، لِأَنَّهُ سَيَخْضَعُ لِسُلْطَةِ الْإِلَهِ الشَّيْطَانِيِّ فِيبَارَ.
سَتَتَضَاعَفُ قُوَّةُ جَمِيعِ اللَّعَنَاتِ وَالتَّعَاوِيذِ الَّتِي يُلْقِيهَا الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى فِيبَارَ.
استَدْعَتْ سِيرْسِي فِيبَارَ، الَّذِي تَجَلَّى بِهَيْئَةِ فَتًى يَاْفِعٍ ذِي شَعْرٍ أَرْزَقَ مَائِلٍ إِلَى الْخُضْرَةِ، وَمَلَامِحَ شَيْطَانِيَّةٍ بَادِيَةٍ عَلَيْهِ. الْفَارِقُ الْوَحِيدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْكُتُبِ، كَانَ مَظْهَرَهُ الْبَشَرِيَّ هَذَا. فَلَطَالَمَا صُوِّرَ فِيبَارُ فِي الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُ حُورِيَّةُ بَحْرٍ شَيْطَانِيَّةٌ؛ لِعِظَمِ سُلْطَتِهِ عَلَى الْمَاءِ.
يُعَدُّ فِيبَارُ أَيْضًا مِنْ دُوقِيَّاتِ الْجَحِيمِ الْعُظْمَى، حَيْثُ تُقِيمُ آلِهَةُ الشَّيَاطِينِ. وَتَخْتَلِفُ آلِهَةُ الشَّيَاطِينِ عَنِ الْآلِهَةِ الْعَادِيَّةِ؛ إِذْ تَأْبَى الْحَدِيثَ مَعَ بَعْضِهَا بَعْضًا؛ لِكَرَاهِيَتِهَا لِإِلَاهَةِ نُورٍ مُعَيَّنَةٍ.
لَا يُعْرَفُ الْكَثِيرُ عَنْ آلِهَةِ الشَّيَاطِينِ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا تُبْرِمُ الْعُقُودَ مَعَ الْأَشْرَارِ، فَهَذَا لَيْسَ صَحِيحًا دَائِمًا. بَلْ إِنَّ آلِهَةَ الشَّيَاطِينِ تُعْقَدُ الْعُهُودَ مَعَ مَنْ تَجِدُهُمْ مُثِيرِينَ لِلِاهْتِمَامِ، وَيَتَوَافَقُونَ مَعَ شَخْصِيَّاتِهَا. وَهِيَ كَذَلِكَ لَا تَحْجُرُ عَلَى مُتَعَاقِدِيهَا مُزَاوَلَةَ أَيِّ أَنْشِطَةٍ بَعَيْنِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُحْظَرُ عَلَيْهِمْ عِبَادَةُ إِلَاهَةِ النُّورِ أَوْ مَنْ يَتَّصِلُونَ بِهَا.
رَمَقَتْ فَرَاي هَيْئَةَ الْإِلَهِ الشَّيْطَانِيِّ، وَعَقَدَتْ حَاجِبَيْهَا؛ إِذْ لَمْ يَحْكُمْ سِلَاحُهَا عَلَى هَذَا التَّجَسُّدِ بِأَنَّهُ شِرِّيرٌ. بَيْنَمَا حَكَمَ رُمْحُهَا عَلَى "الشيخيتش" بِشَرٍّ، وَلِهَذَا تَيَقَّنَتْ أَنَّ الْمَهَارَةَ الْكَامِنَةَ تَعْمَلُ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ.
«لَا يَجْدُرُ بِكِ أَنْ تُدْهَشِي لِكَوْنِ سِلَاحِكِ الثَّمِينِ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيَّ بِالْشَّرِّ. فَآلِهَةُ الشَّيَاطِينِ لَيْسَتْ شِرِّيرَةً بِطَبْعِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَكْثَرَ مَكْرًا وَلُؤْمًا مِنْ غَيْرِهَا. لَقَدْ تَلَقَّى الْمُجْتَمَعُ الْبَشَرِيُّ الْأَكَاذِيبَ، وَهَذَا لَمْ يُغَيِّرْ نَظْرَتَهُمْ إِلَيْنَا.» قَالَ فِيبَارُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ يَقْرَأُ أَفْكَارَ فَرَاي.
«هَذَا لَا يُغَيِّرُ شَيْئًا مَهْمَا يَكُنِ الْأَمْرُ.» صَرَّحَتْ فَرَاي، وَهِيَ تَنْدَفِعُ نَحْوَ سِيرْسِي، مُتَجَاهِلَةً التَّجَلِّيَ الْمُسْتَدْعَى مِنَ الْإِلَهِ الشَّيْطَانِيِّ.
لَمْ تَسْتَطِعْ سِيرْسِي الْحَرَاكَ بِسُهُولَةٍ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تَزَالُ تَتَعَافَى مِنْ فَقْدِهَا الْمُفَاجِئِ لِطَاقَتِهَا وَعَافِيَتِهَا. حِينَئِذٍ، قَامَ الْمُقَاتِلُ الْمُحَارِبُ فِي الْفَرِيقِ الْأَوْكْرَانِيِّ بِحِمَايَةِ سِيرْسِي مِنْ فَرَاي، إِذْ صَدَّ هُجُومَهَا فَجْأَةً مُتَّخِذًا جَسَدَهُ دِرْعًا.
لَوَتْ فَرَاي جَسَدَهَا فِي الْهَوَاءِ، وَهَوَتْ بِرُمْحِهَا بِقُوَّةٍ عَلَى جَنْبِ بَطْنِ الْمُحَارِبِ. فَتَلَقَّى الْمُحَارِبُ ضَرْبَةً قَاسِيَةً أَلْقَتْ بِهِ بَعِيدًا، فَغَابَ عَنِ الْأَنْظَارِ. لَمْ يَتَوَقَّفْ هُجُومُ فَرَاي، بَلِ اتَّجَهَتْ نَحْوَ سِيرْسِي بَعْدَ أَنْ عَدَّلَتْ وَضْعِيَّةَ طَيَرَانِهَا قَلِيلًا.
«لَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ تَجَاهُلِي.» قَالَ فِيبَارُ، وَهُوَ يَظْهَرُ فَجْأَةً أَمَامَ فَرَاي.
أَظْهَرَ فِيبَارُ شَيْئًا مِنْ الْعَدَمِ، وَصَدَّ رُمْحَ فَرَاي عَنْ وَجْهِ سِيرْسِي، إِذْ كَانَ نَصْلُ رُمْحِ فَرَاي عَلَى وَشْكِ مُلَامَسَةِ وَجْهِهَا، بِفَارِقِ بُوصَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ عَنْ خَرْقِ جُمْجُمَتِهَا. وَلَمْ يَكُنِ السِّلاحُ الَّذِي أَوْقَفَ هَجَمَاتِ فَرَاي سِوَى رُمْحٍ مُثَلَّثِ الشُّعَبِ أَحْمَرَ اللَّوْنِ، ذِي حَرَاشِفَ صُنِعَتْ مِنْ مَادَّةٍ شَدِيدَةِ الصَّلَابَةِ.
أَطَاحَ فِيبَارُ بِفَرَاي إِلَى الْخَلْفِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِحَاجَةٍ لِدَفْعِهَا بَعِيدًا. لَاحَظَ فِيبَارُ تَجَلِّيَ رُمْحِهَا الشَّيْطَانِيَّ الرَّئِيسِيَّ، أَيْ نَصْلَهُ الَّذِي كَانَ عَلَى وَشْكِ الِانْطِلَاقِ، وَلِذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ مَسَارِ الْهَجْمَةِ لِحِمَايَةِ سِيرْسِي.
سِيرْسِي هِيَ وَسِيطَةُ فِيبَارَ فِي هَذَا الْعَالَمِ، وَسَيَتَلَاشَى وُجُودُهُ إِنْ هَلَكَتْ. أَرَادَ فِيبَارُ خَوْضَ تَجْرِبَةِ الْعَالَمِ الْفَانِيِّ لِلْمُتْعَةِ، لَكِنَّ مُسَاعِدَتَهُ الْمُتَعَاقَدَ مَعَهَا تَخُوضُ حَالِيًّا مَعْرَكَةً ضِدَّ الْمُحَارِبَةِ الْأَمَازُونِيَّةِ. وَحَتَّى إِلَهُ الشَّيَاطِينِ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمَازُونِيَّةَ خَصْمٌ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ، رَغْمَ أَنَّ الَّتِي أَمَامَهُ مُبْتَدِئَةٌ.
«يَبْدُو أَنَّ هَذِهِ الْبُقْعَةَ لَيْسَتْ فِي صَالِحِنَا، يَا سِيرْسِي الْحَبِيبَةَ. فَقَدْ كَانَ عَلَيْكِ اسْتِدْعَائِي إِلَى مَكَانٍ وَافِرِ الْمَاءِ لِأَتَمَكَّنَ مِنْ إِتْمَامِ هَذِهِ الْمُهِمَّةِ بِيُسْرٍ، ثُمَّ أَسْتَغِلَّ وَقْتِي الْمُتَبَقِّيَ فِي اسْتِكْشَافِ هَذَا الْمَكَانِ.» قَالَ فِيبَارُ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَبْتَعِدُ عَنْ سِيرْسِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَقْدَامٍ.
لَمْ تَسْتَطِعْ فَرَاي سِوَى أَنْ تَعْقِدَ حَاجِبَيْهَا؛ لِأَنَّ التَّجَلِّيَ الْمُسْتَدْعَى مِنَ الْإِلَهِ الشَّيْطَانِيِّ لَمْ يَتْبَعْهَا عِنْدَمَا تَرَاجَعَتْ عِشْرِينَ مِتْرًا. ظَنَّتْ أَنَّهَا تَسْتَطِيعُ التَّفَوُّقَ عَلَى ذَكَاءِ الْكَيَانِ الْمُسْتَدْعَى الِاصْطِنَاعِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَدَا حَرِيصًا عَلَى حِمَايَةِ مَنِ اسْتَدْعَاهُ.
«هَلْ أَتَرَاجَعُ أَمْ أَبْقَى وَأَخُوضُ نِزَالًا لَا أَدْرِي كَيْفَ أُحْرِزُ فِيهِ الْفَوْزَ؟» تَفَكَّرَتْ فَرَاي، وَهِيَ تُوَازِنُ بَيْنَ خِيَارَاتِهَا. فَقَدْ كَانَتْ بِحَاجَةٍ إِلَى الْمَزِيدِ مِنَ الْأَعْلَامِ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْوَقْتِ. فَرِيقُهَا كَانَ يُبْلِي حَسَنًا؛ إِذْ تَمَكَّنُوا مِنْ سَرِقَةِ عَلَمٍ وَاحِدٍ مِنْ عَلَمَيْنِ يَمْتَلِكُهُمَا فَرِيقٌ آخَرُ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَكْفِي لِإِحْرَازِ الْفَوْزِ فِي الْمُسَابَقَةِ.
عَزَمَتْ فَرَاي عَلَى الْمُضِيِّ قُدُمًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَتَقَهْقَرُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْمُسْتَحِيلِ. لَوْ كَانَتْ مُتَشَائِمَةً حَقًّا، لَمَا تَابَعَتِ "الشيخيتش" إِلَى أَقَاصِي الْأَرْضِ. فَسَوَاءٌ أَكَانَ إِلَهًا مُظْلِمًا أَمْ إِلَهًا شَيْطَانِيًّا، فَهِيَ لَا تَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تَسْعَى دَائِمًا إِلَى تَطْوِيرِ ذَاتِهَا. وَلَا يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَنْمُوَ إِلَّا بِالْمُضِيِّ قُدُمًا بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي نَفْسِهِ.
قَبَضَتْ فَرَاي عَلَى رُمْحِهَا بِإِحْكَامٍ، وَاتَّخَذَتْ وَضْعِيَّةً هُجُومِيَّةً. ثُمَّ أَضَاءَ الرُّمْحُ بِأَلْوَانٍ زَاهِيَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَبَدَتْ فَرَاي فَجْأَةً وَكَأَنَّ لَهَا أَجْنِحَةً مَنْسُوجَةً مِنْ تِلْكَ الْأَلْوَانِ. وَجَهَّزَ فِيبَارُ هُجُومَهُ أَيْضًا، فَاسْتَدْعَى كُلَّ مَصْدَرِ مِيَاهٍ اسْتَطَاعَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّحْرَاءِ.
«جُونْغْنِيرُ!» صَرَخَتْ فَرَاي.
«سَيْلُ الشَّيْطَانِ!» قَالَ فِيبَارُ.
دَفَعَتْ فَرَاي رُمْحَهَا إِلَى الْأَمَامِ، فَتَحَوَّلَ الضَّوْءُ مُتَعَدِّدُ الْأَلْوَانِ الَّذِي حَشَدَتْهُ إِلَى هَجْمَةٍ مَدَّتْ مِنْ مَدَى رُمْحِهَا. أَمَّا فِيبَارُ، فَقَدِ اسْتَخْدَمَ كُلَّ الْمَاءِ الَّذِي اسْتَطَاعَ جَمْعَهُ لِيُصَنِّعَ رِمَاحًا مَائِيَّةً مُثَلَّثَةَ الشُّعَبِ انْطَلَقَتْ نَحْوَ فَرَاي.
اصْطَدَمَ هُجُومُ الْاثْنَيْنِ بِبَعْضِهِمَا الْبَعْضَ، وَنَتَجَ عَنْ ذَلِكَ وَمِيضٌ سَاطِعٌ حَجَبَ الرُّؤْيَةَ عَنِ الْجَمِيعِ، بِمَا فِيهِمُ الْجُمْهُورُ. وَسَادَ الصَّمْتُ أَرْجَاءَ الْمَلْعَبِ، بَيْنَمَا كَانُوا يَتَرَقَّبُونَ نَتِيجَةَ مَنِ انْتَصَرَ بِالْفِعْلِ.