اعتلّ تشانغ زيمو بأسقامٍ شتّى حالت دون فراره. حاول تحريك جسده، بيد أنه لم يطاوعه. وفي واقع الأمر، يعاني زعيمهم من عللٍ جمّة تعيق حركته.
لم يكن هذا ليحدث في المعتاد، غير أن أثر سمّ الآلهة كان بالغ الفعالية ضد الكائنات الحية. توالى اللصوص سقوطًا، يتهاوون الواحد تلو الآخر وهم يحاولون إنقاذ قائدهم، إذ أيقنوا أن خلاصه هو طريقهم الأوحد إلى النجاة.
لم يكن في وُسعهم الفرار، إذ كانوا يُجرّون إلى غمار المعركة كلما همّوا بالمغادرة. وشعروا كأنهم دُمىً تحركها أيادٍ خفية، عاجزين عن مبارحة موضعهم الذي يتواجدون فيه.
تملّك قطّاع الطرق شعورٌ بأنهم قد أساءوا إلى كائنٍ خالد، إذ رأوا مخلوقًا مهيبًا كالتنين في خدمة أسيادهم. تُعدّ هذه الكائنات، التي يُطلق عليها اسم الخالدين، من أشدّ المخلوقات غموضًا، ويمكن القول إنها تُضاهي الوحوش المقدسة في منزلتها وقدرها.
إنهم مخلوقاتٌ يمكن وصفهم بأنهم "من تجاوزوا حَدَّ الفناء". حتى أدريان لم يجهل أمرهم، فالمنطقة التي يقصدها يديرها أحد الخالدين. بيد أنه لم يعلم عددهم الفعلي، إذ قلّما يتجلى ظهورهم، ويُشاع أنهم يندمجون حتى في مجتمعات بني البشر.
ولعلّ أحد الأسباب التي قادت قطّاع الطرق إلى هذا الاستنتاج هو ذاك الرمح الطائر الذي لا ينفكّ يحصد أرواح رفاقهم. لم يُكلّف المتحكم بالرمح نفسه عناء التجلي للعيان، في إشارةٍ إلى عظيم اعتزازه بنفسه، تماشيًا مع ما تُشير إليه الشائعات المتداولة عن الخالدين.
يتضاءل عدد قطّاع الطرق على وجه السرعة، بعد أن استراح الحراس الذين يتولّون حماية العربة لبرهة، وشرعوا بالهجوم. ما زالت الفتاة من عشيرة 'هيهودي' ترابط عند العربة، لكن الإرهاق بائنٌ على محيّاها وهي جاثيةٌ على ركبةٍ واحدة.
حتى حراس العربة كانوا يلهثون وعرقهم يتصبّب بغزارة. وفجأة، صدحت نغمةٌ سماويةٌ في آذان كل من في المكان. وبنقرةٍ واحدةٍ على آلةٍ وتريةٍ مخصوصة، تبدّد كلّ ما اعتراهم من إرهاق، هم والفتاة من عشيرة 'هايدودي'.
شعر أدريان، الذي استمع إلى الصوت، بشيءٍ مختلفٍ عمّا ينبعث من تلك النوتة من طاقة. وأحسّ بتدفقٍ إلهيٍّ ينبثق من داخل العربة. وأدرك بوضوح أن سيلًا من الطاقة الإلهية قد انبعث من العربة ليبارك كل من يُقدم المساعدة لمن فيها.
حتى أدريان لم يكن على علمٍ بمهاراتٍ تُعيد صحة الحلفاء وقدرتهم على التحمّل بشكلٍ كلّي. تستطيع 'سينا' فعل ذلك، غير أنها ستلقى حتفها نتيجةً للعيوب الجسيمة المترتبة على منح طاقة الحياة لحلفائها. أما المهارة التي استُعملت للتوّ، فلم يكن لها أيّ عيوبٍ تُذكر، بل زادت من بأس حلفاء صاحب العربة.
====
لم يصدّق تشانغ زيمو عينيّه حين رأى خصومهم قد عادوا فجأةً وبكامل قواهم. فقد كان على ثقةٍ بقدرتهم على إزهاق روح هدفهم على الأقل، وإن كلّفهم ذلك التضحية ببعض رجاله، لكن الحال الآن قد تبدّل.
"يتعيّن عليّ الفرار، فقد أهدرتُ عمري سُدىً في هذه المنطقة الحمقاء! سأردّ المال، فلطالما تردّدت في قبوله ابتداءً. كان ينبغي عليّ ألا أقبل هذه المهمة المريبة، فما من أحدٍ يستعدّ لدفع بلّورةٍ نجميةٍ لقتل فتاةٍ واحدةٍ فحسب." تمتم تشانغ زيمو في نفسه وهو يتلفت بحثًا عن مخرج.
حاول تشانغ زيمو الفرار، غير أن أدريان تنبّه لذلك، فاستخدم على الفور أسلوبًا عنيفًا لردّه. إذ لجأ أدريان إلى تقنية 'التشتيت الكمّي'، فانفجر الفضاء أمام تشانغ زيمو. تطاير الزعيم بعيدًا، إذ لم يتوقّع هجومًا مباغتًا كهذا، خاصةً بعد أن ظنّ أنه قد تخلّص من الوحوش الثلاثة التي كانت تحاصره.
فجأةً، انقضّ رمحٌ على ظهره وشقّه بعنفٍ. ثمّ وجّه الرمح أربع ضرباتٍ أخرى متتالية، فتركت أثر علامةٍ واضحةٍ على جسده. انفجرت العلامة فجأةً، مسببةً له ضررًا لم يكن ليتوقّعه. وشعر وكأنّ جسده قد تمزّق بفعل التعويذة، وتناثر دمه في كلّ مكان.
«اقضوا عليه!» أمر أدريان أتباعه الثلاثة.
لم يعصِ الثلاثة المرتبطون بأرواحهم أمر سيدهم، بل استعدّوا لهجماتهم بكلّ بأسٍ وقوّة. تلقى تشانغ زيمو ضربةً تلو الأخرى، ولم يطل به الأمر حتى انهالت عليه سلسلةٌ من الهجمات المتتالية، إذ كانت آخرها ضربة رمحٍ قطعت عنقه وهو لا يزال محلقًا في الهواء.
لم يستطع حتى أن ينبس بكلمةٍ يلعن بها المتآمرين على قتله. وفي آخر أنفاسه، ظنّ الزعيم أنه وقع ضحية مؤامرةٍ دُبّرت له من قبل من دفعوا له المال. فلم يكن ليعلم أن بعض الأمور كانت مقدّرةً ومكتوبة، فلو تأخّر أدريان لما وصل إلى المكان قطّ.
لو اختار أدريان زيارة الطائر القرمزيّ في ذلك الحين، لَكان مشهدٌ مغايرٌ تمامًا قد استقبله في دربه. لَكانت العربة قد بدت محطّمةً بالكامل، وجثث جميع من كانوا يحرسونها أو بداخلها ملقاةً على الأرض دون حراك.
تُدبّر الأقدار أحيانًا أمورًا تجعل الخير حليفًا لمن لا يقترفون الشر. قد يباغت ذلك المرء على حين غرّة، أو قد لا يأتي مطلقًا، فالقدر قاسٍ لا يرحم. بعد مقتل زعيمهم، حاول اللصوص الباقون الفرار، غير أن أدريان أرسل أتباعه الثلاثة للقضاء عليهم قضاءً تامًا.
أنجز 'سيريوس' و'كيمات' ذلك بيُسرٍ بفضل سرعتهما الفائقة وقدرتهما على تتبّع رائحة فريستهما. استغلّ 'كانلاون' الهواء لصالحه، فأباد قطّاع الطرق الذين كانوا جاثمين على الأرض. لم يقف أدريان مكتوف الأيدي، بل أمر الرمح أيضًا بالقضاء على ما تبقّى من قطّاع الطرق.
تملّك حراس العربة شعورٌ مفاجئٌ بأنهم قد يكونون الهدف التالي، وهم يحرسون عربتهم المدمّرة، تتبدّى في عيونهم نظراتُ من استعدّوا للتضحية بأرواحهم.