أودّ مقابلة صديقك فارس التنين. إنه لأمرٌ عظيم أن تتمكن من امتطاء تنين لا يُذكر إلا في الأساطير. قهقهت العجوز ليلى، ثم أردفت: يا للعجب! كيف لهذِه العظام الواهِنة أن تسمع مثل هذه القصص؟ وقالت ذلك وهي تنقر على طائرها الرخ ليهبط أخيراً.
المنطقة التي يهبطون إليها هي أكثر المناطق قحطاً في القارة الغربية، وهي كذلك المنطقة المحظورة، وتُعرف باسم صحراء السراب. لتمكنت المجموعة من الوصول إلى هذا الجزء من الصحراء، لكنهم كانوا سيضحّون ببعض أفرادهم في الطريق، إذ تبدأ قوة الوحوش في هذه المناطق من الدرجة 280.
اجتازت كريبيسو عن غير قصد اختباراً سرياً أجرته العجوز ليلى، بل وكسبت ودّ القبيلة، ولذلك رافقتهم شخصياً إلى الموقع. لو لم تكن كريبيسو بريئةً وثرثارةً بلا رادع، لكانوا قد أُخبروا بأجزاءٍ فقط من القصة، ثم أُرسلوا إلى صحراء السراب لمعرفة الباقي.
"طائركِ الرخّ استثنائيٌّ حقاً يا جدتي ليلى. تخيَّلي أنه استطاع أن يحملنا إلى هنا، بل ويُخيف الوحوش الطائرة الأخرى التي تُحاول مهاجمتنا." أثنى كريبيسو ثناءً صادقاً.
𝒍.
نظرت ليلى العجوز إلى طائرها الرخّ بعيونٍ حنونة، فقد رعته منذ فقسه. فلم يكن حينها طائراً من فصيلة الرخّ، بل كان مجرد نسرٍ صحراويٍّ صغيرٍ هجرته أمّه. لا يربي النسر الصحراوي سوى واحدٍ من صغاره، وغالباً ما يُزَجُّ الفرخان في معركةٍ عند بلوغهما عاماً واحداً لتحديد من سينال حق البقاء.
من يخسر المعركة قد يلقى حتفه أو يستسلم، ولكن من يستسلم، فإنه يُجبر على الدفاع عن نفسه وحيداً في وجه مصيره. ولقد كان فرخ النسر الصحراوي الصغير الذي رعته ليلى الشابة آنذاك أضعف إخوته، لكنه تطور ليصبح طائراً رخاً بفضلها. وبالنسبة لطائر الرخّ، ليلى ليست مجرد معلمة، بل هي منقذته الأعظم.
"هل تبدو هذه كأطلالٍ؟ لكن لماذا هذه المنطقة الوحيدة التي بقيت على حالها لم تمسها يد إنسان؟ حتى جدران المدخل تبدو وكأنها لم تتأثر بمرور الزمن." هذا ما صرَّح به سولستيس.
"هذه الآثار مسحورة. قد تضلّون الطريق إن لم أكن بصحبتكم هنا، فهذه الآثار تتفاعل مع طاقة قبيلتنا. قبيلة ماعت مباركة من الإلهة ماعت نفسها، إذ يجري دمها في عروقنا. ويمكنكم القول إن قبيلتنا من نسل الإلهة، لكننا نُعرف الآن بقبيلة بدوية بلا اسم بسبب أحداث الماضي." هذا ما قالته العجوز ليلى.
ثم دعتهم الشيخة ليلى للدخول إلى الأطلال، لكن كان عليهم أن يمسكوا بأيدي بعضهم. وبينما كانوا يعبرون بوابة الأطلال، شعروا وكأنهم يمرون عبر غشاءٍ رقيق. فلم يكن هذا الغشاء سوى الحاجز الذي أُقيم في الأطلال لتمييز الصديق من العدو.
بوجود ليلى العجوز، لم تُفعّل آليات الدفاع في الأطلال، ولذلك وصلوا إلى مركزها بيسر. وفي وسط الأطلال، يوجد تمثالٌ مهيبٌ لامرأةٍ بديعة الجمال تحمل الميزان. إنها ليست سوى الإلهة ماعت، إلهة الحق والعدل. وهذا أيضاً هو السبب في قدرة أبناء قبيلة ماعت، الذين وُلدوا ببصيرةٍ خاصة، على تمييز الحقيقة.
"لقد حظينا دائماً بالقدرة على تحريف حقيقة العالم، ولكنها قدرةٌ مؤقتةٌ فحسب." صرَّحت الشيخة ليلى.
"هل تقصدين أنكِ لا تستطيعين التحكم في الجاذبية حقاً، ولكنكِ تعكسين حقيقةً مفادها أن الجاذبية ضعيفة؟" سأل فايو، وقد أدرك على الفور ما تعنيه بقلب حقيقة العالم.
"أنتَ محقٌ، فنحن لا نمتلك القدرات الحقيقية على ثني الزمان والمكان مثل الدايموس. نحن ببساطة نستعير قوة الإلهة ماعت باستخدام المانا للتأثير مؤقتاً على الأشخاص أو الأشياء أو المناطق. وهذه القدرة تُرهق مستخدمها وتستهلك كمية كبيرة من المانا، لكنها كانت سلاحنا الأقوى." هذا ما قالته العجوز ليلى.
"أن تقولي إننا نمثل أعظم قوة في قبيلتكِ! هذا يعني أنكِ تثقين بنا ثقةً كاملة. لن نخون ثقتكِ يا جدتي ليلى." قال كريبيسو وهو ينحني بخضوع، بينما انحنى الآخرون مثله.
"هل نبدأ بالقصة إذن؟ سأكمل الحديث عن كيف أصبح أعظم فارس في قبيلتنا." صرَّحت ليلى العجوز.
بسبب طول القصة، طوى النسيان الاسم الحقيقي لفارسة ماعت. وُلدت فارسة ماعت فتاةً ضعيفة، لكنها كانت تتمتع بموهبةٍ خاصة، وهي أن دم الإلهة ماعت يجري في عروقها. لم يتوقع أحدٌ أن تعيش أكثر من عشر سنوات، لكنها تغلبت على كل الصعاب بتحملها آلام وهنها.
لم تحصل على دابة فور بلوغها الخامسة من عمرها كبقية الأطفال، إذ كانت بحاجة إلى تثبيت جسدها. ولكنها حصلت على أفضل دابة ممكنة في القارة الغربية بأكملها، وهي التولبار. ويمكن القول إنها خاضت لقاءً مصيرياً مع أنثى تولبار بالغة جريحة وصغيرها.
شعرت الأم التولبار بصدق ونقاء فارسة ماعت، فأودعت صغارها لديها. وكان وحش الصحراء الأسطوري، الذي لا يتخذ سوى شكل الرمال، يتعقب التولبار آنذاك كغذاءٍ ليكتسب مزيداً من القوة.
لما رأت الأم التولبار عجزها عن مواجهة طاعون الصحراء بقوتها وحدها، فعّلت فارسة ماعت قدرتها الوراثية وقلبت حقيقة العالم رأساً على عقب. وهمست للعالم بأن طاعون الصحراء ليس إلا عاصفةً صحراويةً ضعيفةً.