«ونحن أيضاً نمتلك واحدة!» كانت هوية «المسافر المقدس» ذات دلالة بالغة ، إذ سحب فوراً نصلاً خشبياً أسود تماماً ، كأنما أصابته صاعقة خالدة ، يكسوه التصدع ، وموشك على التفتت في أي لحظة.
«باي مينغ ، تراجع للخلف ، خُذ باي شویان وارحل أولاً!» هكذا أرسل تشين مينغ صوته عبر التخاطر ؛ فقد خاض اليوم معركة لا تنتهي مع الطرف الآخر. استبد به الغضب ؛ فقد تعرضوا لكمين في طريق العودة ، ومات من يعرفهم ميتة مأساوية ، واضطر لاستخدام «كنزه المعجزة» الذي يدخر لحالات الطوارئ ، مما كبده خسائر فادحة. حيث كان تشين مينغ يعلم أن المروحة المهترئة ستتحطم بالكامل على الأرجح اليوم ، فأخرج مظلة الحرير الذهبي ليحمي نفسه وتانغ يوشانغ ، مستعداً لمعاونة السيد العظيم «يو غن شينغ» في أي لحظة.
«حسناً!» التقط باي مينغ «باي شویان» واستدار هارباً.
«ثُب!» وبعد أن قطعوا بضعة أميال ، سقطت ساق العجوز «باي». التقطها باي مينغ بيأس ، ولفَّ «باي شویان» الذي كان يوشك على التفكك مجدداً ، بـ«حجاب الضوء الواقي». لم يعد يملك رفاهية فقدان جزء آخر ؛ وإلا فإن العجوز «باي» قد يصاب بانهيار مضاعف.
وفي ساحة المعركة كانت رياح السماء تزأر ، وظلام الليل يتبدد ، والمروحة المهترئة في يد السيد العظيم تطلق قوة أكثر ترويعاً. وفي المقابل كان ذلك الشفرة الخشبي الأسود يتوهج ، تتداخل فيه «نقوش التاو» المرهبة التي تمتد نحو الخارج ؛ فرغم أن الشفرة كان يتساقط كرماد أسود وموشك على الانكسار إلا أن وميض القتل المنبعث منه كان ما زال يبعث على الرهبة. شق ضوء الشفرة السماء الملبدة بالغيوم ، في مشهد مرعب ، حيث انهمر «تشي الشفرة» كأنه مجرة ، فأنار السماوات والأرض. وبطنين معدني ، اخترق ضوء الشفرة كل شيء.
بوم! تصاعدت رياح السماء السوداء كأنها «كارثة رياح» مدمرة ، تشبه المحن التي كانت يواجهها «المزارعون» القدامى ، بما فيها اجتياز محنة الرياح. وللحظة ، بدت المنطقة بأسرها كبحر لجي من ضوء الشفرة ، مصحوباً بكارثة رياح شاملة لا مهرب منها.
ابتعد تشين مينغ وتانغ يوشانغ ، ولحقا بـ«باي مينغ» ، حاملين إياه إلى «نطاق أرضي» أكثر بعداً. وفي اللحظة الأخيرة ، ناول تشين مينغ «باي مينغ» «تميمة انتقال آني» ليهرب إذا ما حدث أي مكروه. وفي قلب المعركة كان السيدان العظيمان يستخدمان كنوزهما المعجزة ، ويبذلان قصارى جهدهما وهما يندفعان نحو بعضهما. غرق المكان في ضوء الشفرة و«تشي الكارثة» ، وانهارت التلال المجاورة ، وتحولت الغابات والنباتات المترامية إلى رماد. وانشقت الأرض وتفجرت ، متكونةً منها فوهات سحيقة كأنها الهاوية.
هنا ، تلاقت سيول ضوء الشفرة مع عاصفة كارثة الرياح التي شقت السماء. فلم يكن هذا النزال ليحتمل طويلاً ؛ ففي هذا العصر ، لا يستطيع الأسياد القتال لفترة طويلة ، وأسلحتهم كانت كنوزاً بالية على وشك الفناء. وفي الاضطرابات اللاحقة ، بدا أن هذه المصفوفه من «النطاق الأرضي» قد تهشمت.
أمسك تشين مينغ بمظلة الحرير الذهبي ، واندفع نحو مركز المعركة عبر بقايا ضوء الشفرة ورياح الكارثة ، وقلبه يملؤه القلق على السيد العظيم «يو غن شينغ» ، بينما تبعته تانغ يوشانغ عن كثب وهي تشق طريقها.
من الجهة الأخرى كان «المسافر المقدس» يبدو متجهم الوجه ، وبعد تقييمه للموقف ، زفر بعمق وخطا نحو ساحة المعركة أيضاً. حيث كانت الشفرة الخشبي في يد السيد ذي الشعر الأبيض قد تحطم ، ولم يتبق منه سوى المقبض ، بينما كان هو نفسه مغطى بالدماء ، وقد نالت منه كارثة الرياح ، فبدا ممزق الثياب. ورغم حماية ضوء الشفرة الفائقة لم تستطع حمايته بالكامل ، فأصيب بجروح بليغة ، ونزفت الدماء من عينيه وأذنيه وأنفه وفمه.
وعلى الجانب المقابل كان «يو غن شينغ» ما زال واقفاً رغم تلاشي مروحتة المهترئة ، وقد انتثر ضوء الشفرة على كتفه ، وفُقدت إحدى ذراعيه وسط بركة من الدماء حتى إن عظمة كتفه تهشمت. حيث كان حال السيد العظيم «يو غن شينغ» يثير الشفقة ، فاقداً لذراعه ، ومغطى بالدماء ، يجز على أسنانه وهو يصد خصمه.
«أيها السيد!» صرخ تشين مينغ بقلق وهو يصل إلى جانبه في لمح البصر.
أجاب «يو غن شينغ»: «لا عليك ، هو الآخر يعاني ، وحتى لو متُّ ، فسأجره معي إلى الهاوية».
في الظروف العادية ، وبعد القتال الدامي في «الهوة السماوية» لم يكن «يو غن شينغ» في وضع يسمح له بمواصلة القتال. والآن كان حاله متردياً لدرجة مخيفة ، غير قادر على وقف خصمه. ومع ذلك كان العجوز «يو» قد عقد العزم على أن يأخذ عدوه معه. ففي نظره ، أن يصل إلى هذا المستوى من العمر والحكمة ، فإن الموت في هذا السبيل هو غاية المراد ؛ ولن يسمح أبداً لـ«تشين مينغ» الواعد الذي يعتز به أن يموت أمامه.
لم يستطع تشين مينغ الوقوف مكتوف الأيدي وهو يراه يذهب إلى حتفه ، فأشار لـ«تانغ يوشانغ» بالاقتراب ، ثم فعل «تميمة الانتقال الآني»! ومع ذلك بينما كان الثلاثة يعبرون سماء الليل بسرعة ، قام السيد ذو الشعر الأبيض وذاك «المسافر المقدس» بتعقبهم ، وارتحلا معهم.
«تقنية تشابك القدر!» استخدم السيد ذو الشعر الأبيض تقنية سرية ليقتفي أثرهم ، ورافقهم الزائران الغامضان وهما يعبران. وأخيراً ، ظهروا في منطقة جبلية. وفي هذه اللحظة لم يعد لدى أي من الطرفين نية للهروب ، بل استعدوا للقتال حتى الموت.
في صمت ، بسط «يو غن شينغ» «المجال المغناطيسي السماوي» من حوله ، فبدا كأن ثقباً أسود قد انبثق ، وتجسدت تموجات مغناطيسية كثيفة ملموسة.
«اقتلوا!» اندفع «يو غن شينغ» مهاجماً السيد ذا الشعر الأبيض. وبدوي عالٍ ، تقاتل الاثنان بشراسة مميتة ، ثم تراجعا فوراً. حيث كان جسد السيد ذي الشعر الأبيض محطماً ، يسعل دماً لا يتوقف. و كما انفجرت ذراع «يو غن شينغ» الأخرى ، وبات كتفاه عاريين ، والدماء تقطر بلا انقطاع ، مما حول الأرض إلى طين.
«أيها السيد!» اندفع تشين مينغ نحوه.
قال «يو غن شينغ»: «احتفظ بقوتك ، وحارب ذلك المسافر المقدس ، لا تقلق ، سأتكفل بأخذ ذي الشعر الأبيض معي بالتأكيد!». تحرك إلى الأمام وهو يترنح ، يلمع من ساقيه وجذعه رغم افتقاره للذراعين.
لم يتراجع تشين مينغ ، بل تشابكت خيوط ذهبية في جسده بأكمله ، منسوجة بكثافة ، لا تتحرك على جسده فحسب ، بل بدأت تلتئم مع جسد «يو غن شينغ» ، كأنها إبر ذهبية لا حصر لها تنبثق بينهما. أرسل صوته عبر التخاطر: «أيها السيد ، ابعث بـ(نورك السماوي) إليّ ، ودعني أحاول القتال».
رفض «يو غن شينغ»: «لا ، جسدك لن يتحمل وقع الضربة».
لكنه أُصيب بالذهول بعد قليل ، حين استشعر الخيط الذهبي الغامض ، وقال: «مهارتك المطلقة... يمكن تفريغها من خلال جسدي!». في هذه اللحظة ، بدا وكأنهما قد تلاحما ، والنور السماوي يتحرك ويمتزج ، وكأنهما كيان واحد.
اقتربت «تانغ يوشانغ» أيضاً ، وضخت جوهرها الإلهيّ في جسد تشين مينغ. حيث كانت تعلم بالفعل أن مسارات «الزراعة» لدى تشين مينغ قادرة تماماً على استقبال قوتها وتحويلها.
وفي مواجهتهم ، سخر السيد ذو الشعر الأبيض مراراً ، وخطا للأمام ، وهاجم في لمح البصر ، غير راغب في منحهم أي فرصة ؛ فبعد هبوطه على التضاريس الجبلية كان قد استجمع مهارته ، وأطلق الآن «تقنية محرمة».
تحطم! بدا العالم وكأنه قد تفكك ؛ فانفجرت الجبال الصخرية والغابات البدائية المجاورة تحت قوة غير مرئية ، ثم انفجرت بالكامل. ومركزاً على السيد ذي الشعر الأبيض ، انطلق ضوء قبضته المخترق ، وبرزت أنماط «نصل السماء» الحادة ، حيث تناغم الشفرة مع القبضة ، ونسجا طريقاً نحو الأمام ، ليغمر الخصم.
من الخلف ، سخر «المسافر المقدس»: «كل شيء تلاشى ، والسهم قد أُطلق ونفد ، ومع ذلك تجرؤون على تحدي سيد في حالة أفضل ؟». وفي المكان الذي وقف فيه «يو غن شينغ» و«تشين مينغ» و«تانغ يوشانغ» ، انطلقت خيوط ذهبية لا حصر لها ، مكتظة ومتلاحقة ، تشبه مطراً من نور «الخالد السماوي» ، ورُسمت كخطوط حريرية تفيض عبر السماوات والأرض.