استحضر «تاكوما» في ذاكرته أيام صباه ؛ إذ كان في ليلةٍ من الليالي يشعر بالظمأ ، فدبَّ إلى المطبخ في غسق الليل طلباً للماء. سار من غرفته إلى المطبخ دون أن يضيء أيَّ مصباح في طريقه ، رغم أن ظلام البيت كان دامساً كظلمة القبر. وفي ذلك اليوم كان ذلك الصغير المغرور بنفسه يزهو لقدرته على العودة إلى غرفته دون أن يصطدم بشيء ، فقد كان يظن بيته بقعةً يحفظ مسالكها ويجوبها حتى لو سُدَّت في وجهه السبل.
«كان ذاك الصبي أحمقَ لا يفقه شيئاً» ، هكذا حدث «تاكوما» الحاضر نفسَه وهو يضع عصابةً على عينيه. تسارع نبض قلبه حتى بدا كقرع الطبول في أذنيه ، بينما كان يحاول جاهداً أن يرهف حواسه لتتجاوز حدودها الطبيعية.
*فوييييب!*
سمع «تاكوما» صوتاً من جهته اليمنى ، وحاول أن يراوغ بجسده ، لكنَّ طلقةً مطاطيةً صغيرةً أصابته في أعلى ظهره. حيث أطلق «تاكوما» شتيمةً مدويةً من ألم الضربة التي تلقاها.
*فوييييب!*
صمت «تاكوما» فور سماعه لصوتٍ آخر ، لكنَّ جسده تجمّد حين عجز عن تحديد مصدره ، فكان جزاؤه طلقةً مطاطيةً أخرى استقرت في صدره ، مسببةً له نوبةً جديدةً من الألم المزعج.
«تباً! لِمَ تؤلم هذه الطلقات المطاطية إلى هذا الحد ؟!»
*فوييييب!* «آه!»
*فوييييب!* «تباً!»
*فوييييب!* «اللعنة!»
ظلَّ «تاكوما» يتلقى نيران الطلقات المطاطية حتى دوّى إنذارٌ صاخبٌ في أرجاء الغرفة ، معلناً نهاية وقت التدريب. نزع العصابة عن عينيه ونظر إلى جسده الذي غطته نقاطٌ حمراءُ جراء تلك الإصابات. و لقد فشل مرةً أخرى في مراوغة ما لا يقل عن تسعين بالمئة من الطلقات التي أُطلقت نحوه.
ألقى نظرةً على الغرفة ؛ مئات الثقوب تنتشر في الجدران الإسمنتية ، تبرز من بينها فوهاتُ إطلاقٍ صغيرةٌ تكاد لا تُرى.
قال «تاكوما» بصوتٍ عالٍ: «شكراً لكم! أراكم لاحقاً».
جاء الرد من خلف الجدران: «بالتأكيد يا بني ، سنطلق عليك مجدداً في وقتٍ آخر». لم يكن الأمر يعتمد على كاشف الحركة ، بل كان هناك شخصٌ يوجه تلك الطلقات نحوه.
ارتدى «تاكوما» قميصه ، وبدّل سرواله القصير بآخر طويل في غرفة تغيير الملابس ، ثم خرج إلى مكتب الاستقبال. حيث كانت هناك امرأةٌ في منتصف العمر تجلس خلف المكتب ، ممسكةً بصحيفة ، رفعت بصرها نحو «تاكوما» حين سلّمها قسيمة الحجز مع ما يستحقه استخدام المرفق من «ريو». كانت هناك مرافق كثيرة كهذه في «المجمع» يستخدمها الـ«شينوبي» للتدريب ، وغرفة الطلقات المطاطية لم تكن سوى واحدةٍ منها.
تنهد «تاكوما» ؛ فلكي يحوّل «سويتون: الضباب نو جوتسو» إلى مهارةٍ يمكن استخدامها دون شروطٍ مقيدة كان عليه أن يكتسب القدرة على العمل في ظروف انعدام الرؤية. وبعد بحثٍ طويل -أغلبه مستقىً من لفافة التقنية ذاتها- تبيّن أن بإمكان الـ«شينوبي» تحويل مزيجٍ من حواس السمع واللمس والشم -المعززة بالـ«تشاكرا»- إلى أداةٍ فاعلةٍ في خضم القتال.
كان «زابوزا» مثالاً حياً يقتدي به «تاكوما» ؛ فهو أستاذٌ في تقنية «الضباب» ، وقد طوّعها لتكون أداةً للاغتيالات الفائقة. فلم يكن يعلم إن كان سيصل إلى براعته يوماً ، لكنه أراد على الأقل أن يرتقي بنفسه إلى مستوىً عمليٍ محترف.
بكلماتٍ أخرى كان عليه أن يصبح نسخةً مصغرةً من «ديرديفيل» ، أو ربما «ديرديفيل» مكتملاً إن كان ذلك ممكناً.
***
سحب «تاكوما» الـ«كوناي» من جسد خصمه وهو يئنّ ، ثم دفعها بعيداً. و سقطت المرأة على الأرض وقد أصيبت بطعنتين -في الكتف والأحشاء- مع كدمةٍ كبيرةٍ قبيحةٍ على جانبها الأيمن ، وجروحٍ متفرقةٍ في جسدها ، ومعصمٍ متورمٍ بشدة. امتزج عرقها بدمائها في مشهدٍ يبعث على الشفقة.
لكنه لم يملك من الطاقة ما يكفي ليشعر بالندم ؛ فقد غُرزت في جسده خمس إبر «سينبون» في ذراعه وكتفه وصدره ومعدته ، وثلاثة جروحٍ غائرةٍ في جنبه وذراعه وساقه غطت جسده بالدماء. حيث كان قناعه ملتصقاً بجلده من فرط العرق ، وحين حاول سحبه ، وقع بصره على الـ«كوناي» وهي تقطر دماً.
أراد التخلص منها لكنه لم يستطع ؛ فهي تكلف مالاً ، فمسح الدم عنها في سرواله.
نقل الطاقم الطبي «تاكوما» وتلك المرأة إلى الغرفة الطبية ، حيث تولت «سانجو» معالجته خلف ستارةٍ حجبته عن الأعين. أغمض عينيه وترك الـ«إيريو-نين» تعمل في صمت ؛ فقد اعتادا على هذا الوضع ، وكانا يعلمان أن «تاكوما» لا يميل للحديث (أو فعل أي شيء) بعد القتال.
سألته: «اليوم أم غداً ؟»
فتح «تاكوما» إحدى عينيه قليلاً ليرى وجهها ؛ كانت تعني ما إذا كان يحتاج إلى جلسةٍ خاصةٍ لإصلاح الأضرار بالكامل. و بالطبع كان يدرك ذلك منذ انتهاء النزال ، فقد نال منه القتال أكثر من اللازم.
أجابها: «... اليوم». فغداً عليه حضور اجتماعٍ للمهمة التالية التي سيقوم بها «فريق إيروكا» ؛ وهي مهمة تعقب زوجٍ ليتأكدوا إن كان يخون زوجته. حيث كانت الزوجة مدنيةً ذات نفوذٍ ومالٍ يكفي لتحويل مهمة تعقبٍ بسيطةٍ إلى مهمةٍ من التصنيف «سي».
في وقتٍ لاحقٍ من ذلك اليوم ، التقى «تاكوما» بـ«سانجو» بعد العشاء عند جذع الشجرة حيث اعتادا اللقاء ، وتابعا جلسة العلاج.
قالت «سانجو» وهي تربط الضمادة الأخيرة: «حسناً ، انتهيت».
نهض «تاكوما» من مكانه ، ووقف على قدميه ، ومدد جسده ليتفقد حالته. قد تكون «سانجو» مجرد «غينين» ، لكنها في نظر «تاكوما» بارعةٌ للغاية ، إذ كان يشعر دوماً بالتحسن فور انتهائها من عملها.
قالت «سانجو»: «اذهب للمنزل واسترح اليوم ، لا تدريب في الصباح».
أجابها: «مفهوم». لم يعد يشعر بالخمول الذي أعقب القتال ؛ كان يشعر بالتعب والوهن ، لكنه علم أن ليلةً من النوم ستعيد إليه عافيته ، وكان عازماً على التدريب غداً.
سألته «سانجو» وهي تنظر إليه بنظرةٍ فاحصةٍ كما لو كانت تخشى أمراً يخفيه: «أهناك أي شيءٍ آخر تود مني فحصه ، أو شيءٍ يزعجك ؟»
أجاب «تاكوما» وهو يخرج مشبكاً نقدياً ويسلمه لـ«سانجو» التي قبلت المبلغ المتفق عليه بشيءٍ من الريبة: «لا أظن ذلك».
سقط وجه «تاكوما» حين افترقا ، واعتلت محياه نظرةٌ جادة. و لقد كانت «سانجو» بارعة ، لكن جلساتها باهظة الثمن. فخلال الشهرين الماضيين كان يستعين بخدماتها مرتين أسبوعياً ، وتراكمت عليه ديونٌ طائلة ، مما أثقل كاهله بمصاريف إضافية.
وفي المقابل ، قلَّ عدد مهامه ؛ فلم يعد يقبل مهام التصنيف «دي» كثيراً في الآونة الأخيرة ، ومهام التصنيف «سي» مع «إيروكا» لا تدرُّ دخلاً أفضل ، نظراً لأن الأجر يُقسّم على أفراد الفريق ، وما يتقاضاه كـ«غينين» من الفئة «غن-1» -رغم أنه فوق المتوسط- لم يعد كافياً لتغطية نفقاته. لم تكن «ريو» التي جناها من «الحلبة» سوى مسكنٍ مؤقتٍ لاستنزاف مدخراته ، ولن تدوم طويلاً.
كان عليه إيجاد سبيلٍ آخر للمال.
ولسوء الحظ كان يعرف أين يجده...
***
قفز «تاكوما» من سطحٍ لآخر وهو يعبر القرية ؛ فكأي مدينةٍ كبرى كانت لقرية الورق حياةٌ ليليةٌ نابضة. و لكن وجهته كانت بعيدةً عن تلك الأجزاء الصاخبة ، حيث يسود سكون الليل. حيث كان يرتدي السواد متوارياً في الظلال ، ويغطي وجهه بقناعٍ أبكم.
استحضر العنوان في ذهنه ووقف أمام ما بدا كمتجرٍ للبقالة. راقب المكان من السطح المقابل قبل أن يتسلل إلى الخلف.
وكما أُمر ، طرق الباب الخلفي. سمع صوت سحب سيفٍ من غمده ، فتراجع للخلف ممسكاً بالـ«كوناي» استعداداً للنزال. انفتحت فتحة الرؤية في الباب ، وظهرت عينان عقدتا الحاجبين بضيقٍ فور رؤية «تاكوما».
قال «تاكوما» بصوتٍ محوّرٍ بالـ«تشاكرا»: «سينجو هاشيراما كان الهوكاجي الأول».
لم يتبدد العبوس عن وجه الرجل ، وتبادلا النظرات لثوانٍ قبل أن تُغلق الفتحة ويُفتح الباب. حيث كان الرجل «شينوبي» ، وأدرك «تاكوما» ذلك من لغة جسده.
قال الرجل: «ادخل».
تبع «تاكوما» الرجل إلى الداخل ، وهبطا إلى طابق القبو. وفي الطريق ، التقيا بأربعة رجالٍ آخرين بدت عليهم ملامح الـ«شينوبي» ، رمقوا «تاكوما» بنظرات حذرةٍ وتهديديةٍ رغم عدم اتخاذهم أيَّ إجراءٍ ضده.
سارا عبر مساحةٍ مفتوحةٍ تستخدم للتخزين ، تعجُّ بالرفوف وصناديق السلع التجارية. وفي نهاية القبو كان هناك مكتبٌ صغيرٌ نافذته مغطاةٌ بستائر من الداخل. طرق الرجل باب المكتب ونظر للداخل قليلاً ، وسمع «تاكوما» محادثةً مقتضبةً تشير إليه بـ«الصبي».
كرر الرجل وهو يفتح الباب: «ادخل».
دخل «تاكوما» لينضم إلى رجلين داخل المكتب ؛ أحدهما كان يعرفه ، والآخر لم يره من قبل.
قال الـ«إيريو-نين» المألوف ، ذو النظارات السوداء الصغيرة والعصابة على رأسه -الذي بدا مريباً كما في يوم لقائهما الأول-: «وصلت في الوقت المحدد ، أرى ذلك». ثم ابتسم وقال: «اجلس يا بني».
قال الرجل الآخر بلكنةٍ ثقيلةٍ ليست من أهل القرية: «إذاً ، هذا هو الصبي ، هه ؟». كان رجلاً في منتصف العمر ، ببشرةٍ شاحبةٍ طبيعية ، يلفُّ رأسه بوشاحٍ فوق شعرٍ رماديٍ طويل. و لكن عينيه العنبريتين اللتين اتسمتا بعمقٍ غريب هما اللتان جذبتا تركيز «تاكوما».
جلس «تاكوما» بصمتٍ أمامهما.
قال الرجل: «ألا تظهر وجهك أمر ، لكن ألا تعرّف بنفسك ، فهذا قلة أدب».
ألقى «تاكوما» نظرةً خاطفةً على «إينوموتو» قبل أن يعيد بصره للرجل العجوز.
قال «تاكوما»: «توبي» ، مستخدماً اسماً مستعاراً في هذا العالم.
قهقه العجوز: «سأكون أحمق إن صدقت أن هذا اسمك الحقيقي يا فتى. ولكن بما أن إينوموتو قد زكّاك ، فسأخاطبك بـ«توبي»... ويمكنك مناداتي باسمي الحقيقي ، ريو».
قال «إينوموتو» وهو يصفق بيديه: «عظيم ، الآن وقد تعارف الجميع ، لنتحدث في العمل. «توبي» هنا يحتاج وسيلةً لكسب بعض المال الإضافي ، والسيد «ريو» يمكنه توفير فرصةٍ لذلك. السؤال هو ، هل تريد انتهاز هذه الفرصة ؟».
سأل «تاكوما»: «ما هو العمل ؟». إن كان الأمر يتعلق بخدعة تسويقيةٍ هرميةٍ سخيفة ، فسيخرج من الباب قبل أن ينهيا كلامهما.
ألقى «إينوموتو» نظرةً على «ريو» الذي دفع كرسي مكتبه للخلف ووصل بيده لأسفل الطاولة حيث لا يمكن لـ«تاكوما» الرؤية. و لكنه سمع صوت نقرات ؛ فتيقن فوراً أن «ريو» يفتح خزنةً حديدية. تصاعد فضوله وعقله يتسابق ليخمن نوع الخزنة وطرازها ، وهل هي مما يستطيع فتحه ؟
أقفال المتاجر سهلة الاختراق ، لكن الخزائن ليست شيئاً يمتلكه العامة. ولولا «ماروبوشي» الذي عرّفه على «سيد» الأقفال الذي يملك وصولاً لخزائن التخزين ، لما استطاع «تاكوما» التدرب على فتح الخزائن. وحتى الآن كان «تاكوما» يزور ذلك السيد كلما سنحت له الفرصة للتدرب.
أخرج «ريو» كيساً بلاستيكياً كبيراً شفافاً وألقاه على الطاولة.
قال: «هذه هي الفرصة ، يا توبي».
تبددت كل أفكار «تاكوما» حول الخزائن والأقفال دون أثر ، وهو يحدق في العشب الأخضر المجفف الذي لاح له من خلف البلاستيك الشفاف.