الفصل الرابع والتسعون: إهانة آسِرها.
القصر الكريستالي.
السماء.
~~~
فتحت ناريكا أجفانها لتستقبلها جدران بيضاء غريبة ، وكان آخر ما عهدته هو الجدران الرمادية لذلك الفندق الذي أنزلها فيه "أدريك ".
لكنها هنا ، تحدق في بياض ناصع ، تحتها سرير وثير لدرجة لا تُصدق ، فلم تملك إلا أن تطلق أنّة خافتة ؛ فلقد كانت هذه المرة الأولى التي تنعم فيها بنوم هادئ منذ أمد بعيد. لعل الأمر يعود إلى أن عذاب "أدريك " لحياتها قد ولى ، نعم ، لقد غدا ذلك الطيف يعاملها بلطف فاق كل توقعاتها.
وحين أفاقت ناريكا من أفكارها وحاولت النهوض من الفراش ، جذبت يدها اليمنى قيداً كبلها ، فانتفضت جالسة لتجد نفسها مقيدة إلى السرير كبهيمة نكراء.
"لا.. لا ، لا يمكن أن يحدث هذا. هو لن يفعل هذا بي " همست لنفسها محاولة إقناع عقلها المشتت -الذي اختار الصفح عن أدريك والمضي قدماً- بأن الموقف ليس بالخطورة التي يبدو عليها. و لكن حين حاولت تخليص يدها من الأصفاد الفضية التي بدت رائعة الصنع وباهظة الثمن ، أُجبرت على التصديق بأنها وقعت ضحية للخداع مرة أخرى ، ولكن هذه المرة من قِبل "أدريك ".
يا لسذاجتها حين ظنت أنهما صديقان ، لتستيقظ وهي مقيدة إلى سريره! حيث كان يجدر بها أن تدرك أنه سيقتادها إلى عالمه بمجرد نومها ، لكن "أدريك " الأمس لم تكن لديه تلك النوايا ، بل كان يحاول اكتشاف أي كائن هو ذلك الذي وسمها بعلامته ، ولم يفتح حتى باب النقاش حول قبول عرض زواجه ، فما بال كل هذا الآن ؟
"هل يعني هذا أنني في عالم الأشباح ؟ " سألت نفسها وهي تجول ببصرها في الغرفة بحثاً عن شيء ذي قيمة قد تستخدمه لفك قيدها. "هل سأقابل المزيد من الوحوش أمثاله ؟ ".
امتقع لون وجهها تماماً حين أدركت أن هذا الاحتمال وارد ؛ فمجاراة "أدريك " وحده كانت شبه مستحيلة ، وآخر ما تحتاجه هو جيش من الأشباح المختلين المعتوهين مثله.
صرخت ناريكا وهي جالسة على السرير وتضم ساقيها إلى صدرها ، بينما تجذب السلسلة بقوة "أدريك! أخرجني من هنا حالاً! ". كان لصوت قعقعة السلاسل صدىً كفيل بتنبيه أي شخص في الخارج بأنها قد استيقظت.
لم يجبها أحد حتى رأت ظلين خلف الباب ، ثم تذكرت ذلك الصوت الغريب الذي جعلها تعيد التفكير في فرضية وجودها هنا بسببه. أجرت مسحاً ثانياً للغرفة ؛ كان المكان خيالياً لدرجة لا تسمح بتسميته "عالم أدريك ". كل شيء بدا فاتناً ، بدءاً من الثريا وصولاً إلى الزخارف الأخرى التي ازدانت بها تلك الغرفة المهيبة.
قطع حبل أفكارها ضوء ساطع تسلل إلى الغرفة لحظة فُتح الباب ، وحجب جسدان طويلان سيل النور البعث ، مما اضطرها لمد عنقها قليلاً لرؤيتهما لضخامتهما وطولهما الفارع. انقشع كل شيء حين خطا أحدهما مبتعداً عن الضوء ، فشهقت ناريكا لجمال ذلك النموذج الذكري الماثل أمامها.
ذلك الرجل.. لا ، بل ذانك الرجلان أمامها لم يكونا شبحين بالتأكيد ، فقد فاقا "أدريك " وسامة بمراحل ، مما جعلها تتساءل في دهشة: كيف لبشر أن يكون بهذا الجمال!
وبالرغم من وقاحتها في التحديق وتفحص كائنات لا تدري ما شأنها معها ، قُطع تأملها بصوت آخر دخل الغرفة ، مما جعل الآخرين يجثوان احتراماً له.
قال "ميخائيل " وهو يخطو داخل الغرفة ويداه خلف ظهره ، متطلعاً إلى تلك (الآدمية/ الساحرة) التي لا تملك أدنى فكرة عما تكون "أرى أن ضيفتنا قد استيقظت ".
لاحظ الطريقة التي ارتجفت بها خوفاً حين التقت عيناها بعينيه الزرقاوين ؛ فقد اعتاد على رهبة الناس عند رؤيته للمرة الأولى. و لكن هذا هو الوقار الذي يجب أن يكون ، فهو ليس ودوداً كالبشر ، وهو ليس بشراً أصلاً.
أدركت ناريكا أن إظهار خوفها أمام هذا الكائن الوسيم والمخيف في آن واحد لن يكون تذكرة خروجها من هنا. "هنا ؟ " إنها لا تعرف حتى أين هي "هنا " ومن ظاهر الأمر "أدريك " ليس موجوداً. لذا فتحت فمها وكان أول ما سألت عنه "أين هو ؟ ماذا فعلتم به ؟ ".
طالبت بجواب ، فقد اعتقدت أن هذا قد يكون الرجل الذي زارها في الحلم ، لكنها سرعان ما شكت في ذلك فهو لا يشبه ذلك الشيطان في شيء. راقبت كيف ارتسم العبوس على وجه الغريب ، وكأن سؤالها لم يكن منطقياً. وبناءً على المعطيات ، لا بد أنه آذاه واختطفها منه ؛ فمن المستحيل أن يسلمها "أدريك " لهم ، أليس كذلك ؟
قال "ميخائيل " وهو يتقدم ليمسك بيدها الحرة ، مما أجبرها على الجثو على ركبتيها فوق السرير لتواجه وجهه الغاضب "صدقيني أيتها الساحرة ، آخر ما تودين القلق بشأنه هو ذلك الشيطان ".
سألت ناريكا بنبرة تعكس شعوراً بالإهانة "ماذا نعتني للتو ؟ ". ثم استطردت قائلة بلسان لا يعرف الكبح ، لتنهال باللعنات على "ميخائيل " دون أن تتوقف لتعرف سبب تسميته لها بالساحرة ولأدريك بالشيطان "حسناً ، اسمع يا هذا ، لمجرد أنك تظن نفسك بارع الجمال وتمتلك تضخماً في الغرور ، فهذا لا يعطيك الحق في نعتي بالساحرة.. ".
نادى "كاميل " أحد الرجلين في الغرفة ، شقيقه محاولاً السيطرة على الموقف وتلقين ناريكا درساً في معرفة قدرها ، لكن "ميخائيل " رفع يده مانعاً إياه من فعل أي شيء.
فتابعت ناريكا "حسناً ، فليكن ميخائيل ، حقاً ليس عليك أن تكون فظاً مع الغرباء ، فهذا لا يجعلك تبدو جذاباً على الإطلاق. ورغم وسامتك ، فمن المؤسف أنك لست سوى نذل يستمتع باستعراض قوته على النساء ، وهذا ما لن أتهاون معه.. هل تسمعني ؟ ".
بصقت كلماتِها وصدرها يعلو ويهبط وهي تحاول التقاط أنفاسها. لم تكن تدري أكان ذلك محض غباء منها ، أم أن الأقدار تآمرت لتخطط لمصرعها حين نعتت الغريب بالنذل ، لأنها عندما نظرت في عينيه الزرقاوين بلون المحيط مرة أخرى ، تيقنت أن هذه هي نهايتها.
سيقتلها ، وستتحول إلى شبح تماماً مثل "أدريك ".
أوه! ناريكا ، ماذا فعلتِ بنفسك ؟