الفصل التسعون: المراسم.
العالم السفلي.
قصر لوسيفر ، الجحيم.
~~~
كانت ليلةً صاخبةً حقاً في أرجاء الجحيم ، فالمراسم المقامة اليوم لم تكن إلا احتفاءً بإعادة ولادة "الطفل ". اعتلى لوسيفر عرشه ، وعن يمينه وقف "أبادون " بينما ظلّ المقعد المجاور له شاغراً ؛ مقعدٌ يعرف الجميع لصالح من حُجز ، إنه للمختار "أدريك ".
ولكن ، بما أن "أدريك " لم يكن له أثرٌ في الأفق ، ولوسيفر لم يبدُ عليه أي اكتراثٍ بغيابه ، فقد انطلقت ألسنة الشياطين بالهمس والوشاية. أما هؤلاء الذين ناصبوا لوسيفر العداء ، فقد فسروا صمته بأنه محاولة يائسة لحفظ ماء وجهه ، خاصةً والحروب تدق طبولها وهو لا يملك سلاحاً يشهره في وجه السماوات.
لم يغب عن بصيرة لوسيفر شيء ، فقد رصد النظرات الساخرة والهمهمات المنبعثة من الكائنات التي دُعيت الليلة تشريفاً للمراسم. ومع ذلك آثر الجمود ، فلم يحرك ساكناً ، بل صبّ جلّ اهتمامه على رقصة "الألسكوبي " التي كانت تُؤدّى أمام الحشود.
ترك هذا الهدوء الجميع في حيرة ، ظانين أن في جعبته ما لا يُفصح عنه ، لا سيما "التحالف الأكبر " الذي تآمر خلف ظهره لتحذير ابنه "أدريك " من الاقتراب من "ناريكا ".
كان يعلم كل شيء ؛ فجاسوسه الذي يعمل داخل التحالف كان يؤدي مهمته على أكمل وجه ، ولم يكن لوسيفر يطيق صبراً حتى تبدأ المراسم أخيراً لينزل عقابه بأولئك الذين استغفلوه واتخذوه هزواً.
وعلى يساره ، جلس أبناؤه الآخرون وابنته "الفجر " أميرة الجحيم الوحيدة التي كانت تتألق بجمالٍ يسلب الألباب ، فلم يستطع "أبادون " أن يمنع نفسه من استراق النظر إليها بين الفينة والأخرى.
كان "عزازيل " مرهف الحس ، يترقب انقضاء الليلة ليواجه شقيقه "أبادون " في حديثٍ من القلب إلى القلب. ورغم أن توأمه "رامييل " قد نصحه بالابتعاد عن مواجهة "أبادون " بشأن "الفجر " إلا أنه لم يطق صبراً وهو يراه يحاول انتزاع "الفجر " منه.
ابتسم لوسيفر حين استشعر حدة التوتر بين ابنيه ؛ فقد أعاد له ذلك ذكرياتٍ من غابر الأزمان. لم تكن هناك سوى "مارايلين " – بعد "ليليث " والدة "أبادون " – من تجعله يفكر في إزهاق روح أي شخص يجرؤ على لمس ما يخصه.
ولكن ، وبغض النظر عن مشاعرهما ، فقد أدرك ابناه أن "الفجر " ستغادر القصر حتماً بمجرد زواجها. لذا فإن آخر ما كان يتمناه لوسيفر الآن هو أن يلاحظ الحشد أن ابنيه يتصارعان على مفاتن شقيقتهما.
والأمر المثير للسخرية أن "الفجر " لم تكن تدرك ما يدور فى الجوار ، وكذلك "داغان " الذي بدت على وجهه ملامح الضجر ؛ فلم يكن مهتماً بما يحدث اليوم ، وتفهم لوسيفر ذلك فـ "داغان " من النوع الأناني الذي يفضل أن تسلط عليه الأضواء دوماً ، فهو في النهاية أمير الحسد.
لكن لوسيفر كان لديه ما هو أهم بكثير من الانشغال بأبنائه الآخرين الذين يتصرفون برعونة ، بل كان جلّ اهتمامه منصباً على الابن الأهم الذي لم يكن حاضراً في تلك اللحظة.
لا يمكن لأحد أن يتخيل أن لوسيفر ، ملك الجحيم ، يجد صعوبة في التعامل مع ابنه. و لكن الأمر يتعلق أيضاً بانتظاره لـ "أدريك " كي يستسلم أخيراً ويضاجع "ناريكا ". فهو على يقين أنه بمجرد أن يكتشف "أدريك " هويتها وما تمثله بالنسبة له ، فقد يفضل خسارة هذه الحرب القادمة كنوع من الانتقام لأجل والده الذي عامله كغريب لسنوات.
لكن ذلك اللعين لن يصدق أنه تركه ليبقى مع والدته "مارايلين " التي لم تكتفِ به قط وتطالب برؤيته دوماً ، وهذا سبب آخر لعدم أخذه إلى العالم السفلي لحظة ولادته. أما السبب الآخر فهو "ناريكا " ؛ فقد تمنى لوسيفر أن يلتقيا دون أن يكون لديهما أدنى فكرة عن النبوءة ، ليوفر على نفسه العناء الذي قد ينجم لاحقاً إذا ما قرر "أدريك " التخلي عن مسؤولياته.
ومع قول ذلك أعلن الناسخ أن الوقت قد حان للدخول في الأمر الأكثر أهمية في هذه الليلة.
أشار لوسيفر بيده لحراسه ، فدُفعت عشر عذراوات عاريات وسط الجمع ليجثون في الدائرة حيث وقف ساحرٌ يستعد للتضحية الدموية التي ستنتهي بتفعيل قوى "ناريكا " بالكامل بعد هذا الطقس.
ملأت صرخات الفتيات العاريات القاعة ، وساد الصمت أرجاء المكان. حيث كان الجميع يراقب ، وارتسمت ملامح الرعب على وجوه البعض ، بينما وقف الآخرون – الذين اعتادوا على مثل هذه المشاهد – صامتين ، بل راحوا ينشدون الترانيم تمجيداً للوسيفر ، لأنه وجد مخلصهم ، طفل الساحرة الأولى.
"بوجود لوسيفر بصفته السيد الأعلى للجحيم ، وبالاتحاد مع ابن الأمير الملعون ، نضحي بتواضع بعشر عذراوات لاستقبال طفلة الساحرة ، بارام " قال الساحر ذلك وهو يمسك خنجراً أثرياً ويطوف حول الشكل الخماسي الذي أحاطت به العذراوات العشر.
وبجانب كل واحدة منهن ، وقف سحرة آخرون يرتدون عباءات سوداء ويمسكون بالخناجر ذاتها ، ينتظرون أمر زعيمهم الذي توقف عن السير ليستقر في مركز الدائرة حيث جثت فتاة أمامه.
"بهذه التضحية ، نستدعي أرواح حراس الأرواح الأربعة ، والقادة ، وبارام ، الساحرة الأولى ، ليعينونا على الترحيب بابنتها في الجحيم ".
استمرت التراتيل ، لكن "أوريجون " الذي كان جالساً في منتصف التحالف لم يكن في حالته الطبيعية ؛ فلم يكن يركز فيما يحدث ، بل كان قلقاً بشأن "ساكورا ".
فهي لن تغفر له أبداً بمجرد أن تستيقظ وتكتشف أنه قتل طفلها ، ولكن هذا كان أهون من أن يقتلهما لوسيفر معاً ، فهو لا يمكنه تحمل ذلك.
التقت عيناه بعيني لوسيفر الذي ابتسم له بسخرية قبل أن يخطو داخل الشكل الخماسي. سلمه الساحر الخنجر الأثري ، فانتزع لوسيفر الفتاة المسكينة من حلقها.
"ألا يمكنه إنهاء الأمر ؟ لقد سئمت من هذا بالفعل " قال "رامييل " وهو ينظر إلى توأمه "عزازيل " الذي كان على وجهه ابتسامة عريضة. هل نسي أن يذكر أنه كان يستمتع بهذا ؟ إن منظر العذراوات العاريات المستعدات لسفك دمائهن قد أثار حماسته ، فهو أمير الشهوة ، فكيف لا يعشق هذا المشهد ؟
بينما كان "أبادون " يرتدي ملامح الفخر وهو يراقب والده وهو يقوم بالخطوة الأولى بغرس الخنجر في صدر الفتاة ، وحذا حذوه بقية السحرة.
تعالت الهتافات له ، وانهمرت التصفيقات والصرخات في كل مكان وهم يشاهدون لوسيفر يشرب دم الفتاة التي بين ذراعيه حتى لفت انفجار مفاجئ عند الباب انتباه الجميع.
"ما هذا ؟ " تساءل أحدهم ، بينما لم يسمح الضباب الكثيف عند الباب برؤية الدخيل ، ولكن أياً كان ، فمن المؤكد أنه يملك رغبة في الموت لمقاطعته مراسم لوسيفر.
"من تظنه يكون ؟ " سأل "رامييل " أمير الكبرياء "أبادون " الذي كان ملامحه تنضح بغريزة القتل ، مستعداً لتمزيق ذلك اللعين إلى أشلاء حتى تقدم "أدريك " إلى الأمام.
حُبست الأنفاس حين رأوا الأمير المختار يقف أمامهم لأول مرة.
"إنها ليست إشاعة ، لقد جاء لينقذنا جميعاً ، فليحيا أمير الجحيم المختار! " صرخ أحدهم من بين الحشود ، وأمام أعين الجميع ، راحوا يمجدون "أدريك " وكأنه الملك الحق.
وقف لوسيفر ساكناً ، وعلى وجهه ابتسامة فخر ، بينما صُدم "أبادون " واعتصرت يداه غضباً وهو يراقب الشخص الوحيد الذي تمنى قتله.
وحين لاحظ "عزازيل " و "رامييل " الطريقة التي كانت تحدق بها في "أدريك " وقفا إلى جانبه ، يهتفان باسم "أدريك " لمجرد إثارة غضبه.
لم يحددوا موقفهم من "أدريك " بعد ، ولكن من ظاهر الأمور ومن الطريقة التي كان الناس يتغنون بها باسمه كان من الجليّ أن هذه هي نهاية حكم "أبادون " وأنه في طريقه إلى الهاوية.