الفصل السابع والسبعون: مجابهة الأب لأجل إنقاذها.
مدينة الشمس ، البر الرئيسي.
منزل عائلة "سينغ ".
~~~
سئمت "كاميل " الاستماع إلى "أدريان ".. لا ، بل إلى وعيد "كيلا " الأجوف بقتلها إن هي تجرأت على عصيان أوامره وأوامر والده بالفرار من هذا المكان. وإن كان ثمّة أمر يجهله كلاهما ، فهو أنها ليست من ذلك الطراز من الفتيات اللواتي يتقوقعن على أنفسهن خوفاً ويستسلمن لمجرد تهديد يمس حياتهن.
لقد اكتشف "كيلا " أنها كانت تخبئ هاتفها المحمول ، بعد أن أرسلت رسالة نصية إلى والديها تخبرهما فيها أنها خارج المدينة. فما كان منه إلا أن صادر هاتفها ، فارضاً عليها عزلة تامة عن العالم الخارجي ، في محاولة منه لجعلها مرتهنة له تمام الارتهان. يا له من وحش كاسر! إنه كائن مسخ لا يمت للواقع بصلة.
كانت تبتهل في كل ليلة قبل خلودها للنوم ، وتتضرع إلى الخالق في سماواته أن يعيد "أدريان " إلى جسده ، فقد بلغت القلوب الحناجر ولم تعد تقوى على الاحتمال أكثر. لم تعد تطيق التظاهر بأن كل شيء على ما يرام بينما الحقيقة نقيض ذلك تماماً ؛ إذ كيف لها أن تستكين ووالده يضمر لها السوء ويرغب في الاعتداء عليها ؟ وفوق هذا وذاك ، يوجد ذلك المختل الذي يجوب الأرجاء بجسد مستعار ، ويتصرف وكأن أفعال والده الشنيعة أمر طبيعي لا غبار عليه.
إن هذا الوغد يستحق أن يلقى خلف غياهب السبان ، فهو ليس سوى حيوان في هيئة بشر. بيد أن الآية قد انعكست ؛ فهي السجينة في هذا المنزل ، لا تملك من أمرها شيئاً سوى المكوث في غرفة "أدريان " كأنها زوجة مطيعة تنتظر عودة زوجها العزيز "كيلا " من أي مكان كان فيه.
ربما تجد له عذراً وحيداً في أنه لم يقترف فعلاً جنونياً بحقها كما توجست ، فلم يمد يده عليها بالضرب ولم يمسسها رغماً عنها ؛ إذ لم يتجاوز تلك الخطوط الحمراء بعد ، ولكن إلى متى سيظل محتفظاً بوشاح اللطف هذا ؟ وإلى متى سيدوم هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة ؟
كان جلياً من سياق الأحداث أن "أليكس " هو العلة وراء وجود "كيلا ". ولا شك أن الطبيبة "جين " ستغتبط كثيراً حين تسمع تفسيرها لكل ما جرى ، هذا إن كُتبت لها النجاة وخرجت من هنا.
إن ذلك الرجل مجرد من الإنسانية ، فهو التجسيد الحي لمختل مارق ، وما "كيلا " إلا شبل من ذاك الأسد. فهو لم يبلغ الشرطة عما فعله والده بها ، بل على النقيض ، حذرها وأمرها بأن تلتزم أقصى درجات الأدب والطاعة معه.
لكن هيهات أن يحدث ذلك أبداً.
إن آخر ما قد تفكر في فعله هو الإقدام على أي أمر يضطرها للتواجد في غرفة واحدة مع "أليكس سينغ ". بل إنها مستعدة لقتله لو كان ذلك آخر عمل تقوم به في حياتها ، فقط لكي يتحرر "أدريان " من هذه الحياة القاسية التي وجد نفسه مقيداً بها.
وهكذا ، وبعد أن كفت عن ذرف دموع التماسيح والغرق في بحار الرثاء لذاتها يوماً تلو الآخر ، أحكمت "كاميل " خطة لهروبها ، ولا تزال كلمات "كيلا " تتردد أصداؤها في مخيلتها:
"لو كنت مكانك لما فكرت في الهرب إلا إذا كنتِ ترغبين في أن تصبحي لقمة سائغة لكلاب (الروت فايلر) أو النمر. لذا يا صغيرتي ، التزمي حدودكِ ".
في بادئ الأمر لم تشأ تصديق وعيده ، ولكن "الحذر خير من الندم " ؛ فهي لا تعرفه حق المعرفة لتميز صدقه من كذبه. ولهذا السبب تحديداً كانت تتوق لـ "أدريان ".. "أدريان " الخاص بها.
ومع جنوح الليل وغياب أي بادرة تشير إلى عودة "كيلا " الليلة ، استبد القلق بـ "كاميل " وقد نال منها الجوع مبلغاً ، إذ كانت قد رفضت وجبة الغداء التي أحضرتها الخادمة في ثورة غضبها.
والآن ، تتجرع مرارة الندم على فعلتها ، لأن "كيلا " البليد لم يدرك أنها ستكون آخر من يغادر هذه الغرفة ، مجازفة بوقوع بصر والده عليها. ولكن بعد انتظار دام ساعتين إضافيتين ، انقطع رجاؤها في عودته أو عودة الخادمة التي يبدو أنها لم ترد أن يُرفض طعامها ثانية ، فتركتها فريسة للجوع والإحباط.
حسمت "كاميل " أمرها وقررت الهبوط إلى المطبخ لتبحث عن بقايا طعام تسد بها رمقها. حيث كان الوقت متأخراً ، وساد الصمت أرجاء الطابق السفلي مما أوحى بخلو المنزل.
وعليه ، انطلقت بخطى وئيدة وهي لا ترتدي سوى قميص "كيلا " الذي بالكاد يستر فخذيها العاريتين. و شعرت ببعض الطمأنينة حين لم تجد أحداً في الرواق أو على الدرج المؤدي إلى ردهة الاستقبال.
غمرتها راحة مؤقتة حين وصلت إلى المطبخ دون عناء ، ففتحت الثلاجة لتتناول بعض المشروبات بعد أن خابت آمالها في العثور على طعام حقيقي ، ويبدو أنها ستكتفي بجرعات من الشراب لتغالب أرقها الليلة.
سار كل شيء على ما يرام حتى تناهى إلى سمعها صوت جلبة خلفها ، متبوعة بأصوات همس ، فانزوت بسرعة خلف المنضدة. و امتدت يدها نحو سكين المطبخ ، وخبأتها تحت قميصها قبل أن تزحف خارجة من المطبخ.
كادت أن تبلغ الدرج وتشرع في الصعود ، لولا أن صوتاً جعل الدماء تجمد في عروقها شحوباً.
"ماذا لدينا هنا ؟ " اقترب الصوت الرجولي منها وهي لا تزال ملتصقة بالأرض ، والذعر يتملك أوصالها وهي تبتهل في سرها ألا يكون "أليكس " أو ساعده الأيمن المخيف. "أليست هذه جارية السيد الصغير ؟ "
جارية ؟!
"تباً! يا صاح ، انظر إلى تلك المفاتن! " هكذا هتف صوت آخر ، وحينها فقط أدركت فحش الموقف الذي وضعت فيه ، إذ كان جسدها مكشوفاً أمام هؤلاء الرجال.
"انهضي! " قال الصوت الآخر بلهجة آمرة ، فاومأت رفضاً ، لكنه لم يمهلها وعصى توسلها ، فجذبها بقوة لتقف أمامه ، وامتدت يداه لتنال منها ، وحينها انفجرت غضباً.
"اتركني.. مممم! " حاولت الصراخ طلباً للنجدة ، لكنه كتم أنفاسها بيده القذرة التي تفوح منها رائحة التبغ الكريهة.
"زويوكي ، لا أظن أنه مسموح لنا معاملتها هكذا " قال الرجل الآخر وعلى وجهه أمارات التردد. أين "كيلا " الآن وهي في أمسّ الحاجة إليه ؟
"ومن يكترث لذلك ؟ إنها ليست سوى عاهرة له ، لذا يجب أن تُعامل كـ.. تباً! " صرخ "زويوكي " وأفلت "كاميل " التي فرت من بين يديه بعد أن غمدت ذلك الشفرة في أحشائه.
راقبته وهو يرمقها بنظراته ، ثم التفت إلى الرجل الآخر الذي لم يستوعب هول ما جرى بعد ، قبل أن يسقط "زويوكي " على الأرض جثة هامدة.
"أيتها اللئيمة ، لقد قتلته! " صرخ "زاك " وهو يجرها من شعرها بينما كانت تولول من الألم ، قبل أن تسقط قرب "زويوكي " الذي كان عيناه الجامدتان تشخصان إليها. حيث كانت ترتعد فرائصها من الهلع ؛ فهي لم تتعمد قتله! إنها ليست بقاتلة!
تناهت إلى مسامعها أصوات أخرى ، لكنها كانت قد غابت عن وعيها بالواقع لتدرك من حضر تحديداً مع ذلك الرجل الذي كان يصوب مسدسه نحوها.
ظلت تهمس بهستيرية "أنا لم أقتله " حتى شعرت بزوج من الأيدي القوية ينتشلها من بين الدماء التي كانت تجلس فوقها ، وحين وقع بصرها على تلك العيون الخضراء المتوقدة غيظاً والتي كانت تطارد أحلامها ، انطلقت منها صرخة مدوية مزقت سكون المكان وبدأت تتخبط بين يديه.
لقد كان "أليكس ".
"سيقتلني حتماً " فكرت في نفسها.
ورأته يرفع يده ليهوي بها على وجهها بصفعة ، فأغمضت عينيها والدموع تنهمر على وجنتيها ، منتظرة الألم. بيد أن الصدمة لم تأتِ ، بل سمعت "أليكس " يكيل السباب لأحدهم قبل أن يصدح ذلك الصوت أخيراً:
"اتركها وشأنها! "
لقد وصل "كيلا ".
لقد جاء أخيراً.
فتحت عينيها على وسعهما ، لتلتقي نظراتها بنظراته الغاضبة الموجهة نحو والده حتى أدركت فحوى الموقف الذي هما فيه.
لقد كان يتمرد على والده ويجابهه لأجل إنقاذها!