الفصل الثامن والأربعون بعد المائتين: كل ما أراده هو عروسٌ تحكم بجانبه.
كان الجميع يعلمون أن روان قد فقد صوابه ، لكن ما فاق ذلك جنوناً هو مشهد جلوسه لتناول عشاء على ضوء الشموع مع كاميل التي بدت مذعورة تماماً وهي تجلس مع هذا الشيطان. و لقد كان مشهداً عجيباً تضرب فيه الحيرة أطنابها ؛ فقد توقع مامون أن يكون جل اهتمام والده الآن هو التخطيط لإنقاذ إيرين من براثن لوسيفر ، لا التأكد من إطعام هذه البشرية الحامل.
وعلى عكس لوسيوس الذي لزم الصمت مراقباً بعينين ثاقبتين ، فإنه كان يتفق مع مامون في الرأي ؛ كان عليهما التخلص من كاميل ، لكن الحظ بدا حليفاً لهذه البشرية ، بالنظر إلى المعاملة الاستثنائية التي تتلقاها مقارنة بغيرها من الأسيرات.
"من أين أتيت بهذا المضيف تحديداً ؟ " سأل مامون للمرة الثالثة تلك الليلة ، وهو يراقب موعد والده على العشاء مع كاميل التي كانت تراهما من مجلسها ، مدركةً أن وجود أدريان -أو أياً كان الكيان الذي يسكن جسده- هو الضمانة الوحيدة لبقائها على قيد الحياة في هذا المكان.
"هل يهم ذلك حقاً ؟ إنه المضيف الوحيد القوي بما يكفي لاستيعاب والدنا ، وما يشغل بالنا الآن هو التأكد من أنه لن ينسى معركته المرتقبة ضد لوسيفر بعد يومين " قال لوسيوس. لم يرغب في تحمل لوم العثور على أدريان الذي بدا وكأنه يسيطر على والدهما أكثر مما يسيطر والدهما عليه ، لكن ذلك لم يعد يهم.
كان المشهد يبعث على الشؤم ، لكنه حمل في طياته جانباً إيجابياً ؛ فإذا استمر الوضع على هذا المنوال واحتاج والده إلى جسد آخر ، فإنه سيقدم جسده طواعية ليتسنى له السيطرة على العالم. وهل هناك ما هو أهم من ذلك ؟ السلطة ؟ بالطبع لا.
"كان عليك قتلها منذ اللحظة التي رأيتها فيها " قال مامون وهو يلتفت نحو والده. كلما أطال النظر ، شعر بمرارة ما قد يشعر به "سيث " أينما كان ، لأن هذا يُعد خيانة له. فسيث هو من انتشله في أحلك ظروفه حتى وصل إلى ما هو عليه الآن ، وأفضل طريقة لرد الجميل كانت التخلي عنه حينما كان في أمسّ الحاجة إليه.
سماع ما قاله والده عنه جعله يفهم لماذا خانه لوسيفر في المقام الأول قبل أن يتمرد. و من يدري ؟ ربما تصرف معه بهذه الطريقة مما دفعه للرد بخيانته هو الآخر.
"لا ينبغي أن تقلق ، فسيث سيعرف كيف ينجو بجلده ، إن كنت قد نسيت ، فقد كان الصديق المقرب للوسيفر لقرون " قال لوسيوس محاولاً استمالة ولاء مامون وثقته ، لكن الأخير قلب عينيه بضجر من كلماته.
"وكأن ذلك سيفيد حين يقرر قتله الليلة إذا لم يردّ الوالد التوأمين إليه " أضاف مامون. لم ينبس لوسيوس ببنت شفة ، فمامون لم يدرك بعد أن الطفلين المذكورين قد فارقا الحياة بالفعل. لذا لم يعد هناك ما يمكن مساومة لوسيفر به ، ولتجنب أي تصرف متهور من مامون إذا علم بما حدث ، لزم لوسيوس الصمت وتظاهر بالجهل بما يخطط له والدهما.
أما من جانب كاميل ، فبالكاد تذكرت متى تناولت وجبة جيدة آخر مرة منذ أن أسرها ذلك المخلوق الذي يسيطر على جسد والد طفلها. والآن ، ومع استعادتها لتلك الرفاهية -رغم شكوكها في أنه يضمر شيئاً ما وراء اقتراحه هذا- لم ترغب في تفويت الفرصة ، فأكلت حتى شبعت.
"لقد انتهيت " قالت بصوت منخفض ، واضعة ملعقتها جانباً حين لم تعد تحتمل نظرات الوحشين الآخرين المصوبة نحوها من مكانهما. لم تعرف أسماءهما ، ولا من يكونان أو ماذا يريدان منها. هل كانت لا تزال على كوكب الأرض ؟ فكرت كاميل ، لكن الطعام الجيد طمأنها بأنها لا تزال في عالم الأحياء ، مما جعلها تتساءل عما إذا كان أحد يبحث عنها وعن أدريان.
الرجل الجالس أمامها قد يمتلك سحراً أو قوى ، وأياً كان ما منحه السلطة هنا ، فلا بد أن تتحرك الحكومة ، لكن لو علمت كاميل فحسب أن سطوته قد تغلغلت في كل أنحاء العالم لدرجة أن رئيس البلاد نفسه خضع لسيطرته.
"فيمَ تفكرين ؟ أفي حقيقة أنني أرتدي وجه خطيبك ؟ " سأل روان بابتسامة خبيثة وهو ينظر إليها. حيث كان يستمتع بأفكارها وبكل انفعال يرتسم على وجهها ؛ بل كان يتغذى على خوفها ، فرؤيتها هكذا تمنحه سعادة غامرة.
ولم يكن يدري إن كان هذا من فعل مضيفه أم منه هو ، فقد مرت دهور منذ أن كان مع امرأة يشعر تجاهها بشيء ما ، ورغم عجزه عن تفسير مشاعره تجاه كاميل إلا أن وجودها معه كان كافياً. حيث كانت حاملاً ، وفكرة أن ذلك الجنين ينتمي للمضيف الذي يستخدم جسده جعلته يتسلى بهذه المرأة التي نجحت في البقاء حية تحت ناظريه لثلاثة أيام. حيث كان ذلك إنجازاً ، بالنظر إلى رغبته الجامحة في امتصاص دمائها حتى الجفاف ؛ لابد أن دماءها هي الأشهى الآن نظراً للجنين الذي تحمله ، لكن لديه بشر آخرون ليقوموا بهذا الدور ويكونوا طعاماً له. كاميل كانت هنا لأمر آخر ، لتسليته فقط ، ولم يطق صبراً لرؤية تعابير وجهها حين ترى المفاجأة الصغيرة التي أعدها لها.
"ما أنت حقاً ؟ " تشجعت كاميل أخيراً وطرحت السؤال الذي أرقها لأيام. حيث كان عليها استغلال الفرصة بحكمة طالما أنه لا يحاول قتلها.
"هذا سؤال جيد جداً ، يا عزيزتي " قال روان ناهضاً من مقعده ليتوجه نحوها ، وتوقف خلف كرسيها ، ثم انحنى ليهمس في أذنها "ماذا تظنين أنني أكون ؟ أعلم أنكِ أدركتِ بالفعل أنني لست خطيبك المأزوم ، أنا شيء آخر ، شيء أكثر رعباً بكثير ، وأنتِ يا كاميل ، يجب أن تكوني مرعوبة حتى النخاع ، ولكن لماذا لا تركضين هاربة عبر الغرفة الآن ؟ "
سأل وهو يمرر يده في شعرها ، فابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تجيب "لأنه لا يوجد مكان أذهب إليه ، لقد أخذت الجميع ، أين هم ؟ "
"سؤال وجيه! " قالها قبل أن يقف أمامها ويمد يده لتأخذها "دعينا نكتشف أين يتواجد الآخرون ، هل نفعل ؟ "
في اللحظة التي وضعت فيها يدها في يده ، تأكدت شكوكها حول كونه غير بشري. حيث كانت حرارته تتجاوز مائة درجة مئوية ؛ كان ساخناً لدرجة دفعتها للابتعاد عنه. ابتسم روان لرد فعلها قبل أن يفتح الباب لها قائلاً "السيدات أولاً " ثم سار أمامها نحو المكان الذي يبسط فيه سيطرته على الجميع. سارا حتى توقفا أمام باب أسود ، واتسعت ابتسامة روان قبل أن يدفعه لتشهد كاميل مشهداً لم تكن مستعدة له.
كانت غرفة واسعة تضم المئات ، بل الآلاف من البشر الواقفين كما لو كانوا تحت تأثير تعويذة ما. حينها خطرت فكرة والديها ببالها ، فالتفتت إليه وعيناها مغرورقتان بالدموع.
"ماذا فعلت بهم ؟ " سألت بنبرة مرتجفة.
"هذا الذي ترينه يا كاميل ، هو جيشي. و لدي معركة ، وبعد انتهائها ، ستبقين بجانبي بينما أحكم الجحيم " قال روان ضاحكاً بهستيريا ، وبينما كانت كاميل تراقب ، لمعت أعين البشر باللون الأحمر تماماً كأعين روان.
"ما أنت ؟ " صرخت باكية.
ثم قلص المسافة بينهما وأمسك بفكها ليرغمها على إطالة النظر إليه. "اسمي روان ، أحد أوائل الشياطين وجوداً ، وأنتِ يا حبيبتي ، قد نلتِ حظوة في عيني. ستكونين عروستي حين أهزم لوسيفر وأتبوأ مكاني الشرعي في الجحيم. "
دفعته بعيداً عنها وصرخت "لا بد أنك فقدت عقلك إذا كنت تظن أن الحكومة لن تحرك ساكناً حيال هذا أنت مجنون ". قالت وهي تنشج ناظرة إلى آلاف الأرواح التي يسيطر عليها ؛ بشر أبرياء سماهم جيشه من أجل حرب خرقاء. لم تصدق كاميل أدريان حقاً حين حدثها عن "ناريكا " وصلتها بالجحيم ، ولكن الآن كان روان شيئاً كفيلاً بجعل أي عاقل يجن جنونه.
"أعتقد أنكِ بحاجة إلى القليل من الإقناع من جانبي " قال روان ، قبل أن يفرقع أصابعه ، ففتح الباب ودخل والداها اللذان دُفعا إلى الأرض ، بينما كان ماريا ونيلسون يضعان السكاكين على رقابهما.
"أمي! أبي! " صرخت محاولة الاقتراب ، لكن روان سيطر على جسدها ، فبقيت متصلبة في مكانها.
"كاميل أنتِ بخير. ماذا يحدث ؟ ماذا يفعل أدريان ؟ " سألت والدتها ، فابتسم روان بخبث.
"إنه ليس أدريان يا أمي ، ليس هو... " لم تعرف كاميل من أين تبدأ الشرح لكنها التفتت نحو روان وتوسلت "أرجوك ، لا تقتلهم ".
"انظري يا عزيزتي ، المسأله هي أنني لا أتلقى الأوامر ، كما أنكِ لستِ بحاجة لأي شخص في حياتكِ ليقيدكِ هنا ، فمكانكِ الصحيح معي هو الجحيم " قال روان ببرود ، قبل أن يرفع يده ، وتحت أنظار كاميل المرعوبة ، قام ماريا ونيلسون الخاضعان لسيطرته بنحر والديها أمامها ، لتغرق في دماء فجيعتها.
"لااااااااا!!! "