الفصل الرابع والعشرون: اعتقال بتهمة القتل
بقدر ما حاولت الاستمتاع بهذا النوم الهادئ ، بدا أن "أدريك " قد سئم من مطاردتها والتنمر عليها ، لينتقل إلى ضحية أخرى حان دورها.
أرّقت الشابةَ فكرةُ عدم الاتصال بصديقتها ليلة أمس ، فضلاً عن حاجتها الماسة للاطمئنان على والدتها. فلم يكن الأمس يوماً طيباً ، لكنها كانت توقن ، أو تأمل ، أن يكون اليوم أفضل حالاً.
ودون أن تنبس ببنت شفة ، نهضت "ناريكا " من فراشها واتجهت لتفقد هاتفها ، لكنها لم تجده في مكانه المعتاد حيث تضعه للشحن.
حتى حاسوبها المحمول لم يكن له أثر ، ولم يعد الأمر مضحكاً بتاتاً. وحسبما تذكر ، فقد تفضلت والدتها بمساعدتها في شحن هاتفها بالأمس.
في حين استرجعت كيف منعتها والدتها من إجراء أي مكالمة أمس ؛ في البداية لم تلتفت لـ "صوت حدسها " وهو ما جعلها تشك في أن ثمة خطباً ما.
أما الآن ، فلم تعد بحاجة لمن يصارحها بذلك ؛ فوالدتها تخفي عنها أمراً ، وهي عازمة على كشف النقاب عنه.
نادت "أمي " وهي تهبط السلالم المؤدية إلى غرفة المعيشة ، ظناً منها أنها ستجدها في المطبخ تعد العشاء.
بيد أن تلك الأصوات الخافتة التي يتهامس أصحابها فيما بينهم أثارت فضولها حتى استطاعت تمييز صوت بعينه ، وكان ذلك الصوت لوالدها.
لم تسعها الفرحة حين علمت أنه عاد أخيراً إلى المنزل ، فتبدد غضبها تجاهه منذ أمد بعيد ، ولم تكن تنشد سوى حضن دافئ منه لتبدأ به يومها.
ولكن كلما اقتربت من مصدر تلك الأصوات تمكنت من سماع بعض كلماته ، ويا للهول! و لم يكن نبرة صوته تبشر بخير.
"كفي عن الوسوسة يا ناريكا ، إنه مجرد إرهاق العمل! " ؛ هكذا حذرها وعيها الباطن ، فقد كانت في هذه الأيام مشتتة تماماً ، وأكثر ما كانت تخشاه هو أن يكتشف والدها أن خطباً ما قد أصابها.
فخلافاً لوالدتها كان هو الأكثر فطنة وبصيرة بين الاثنين. ولكن تماماً كما ساورها الشك ، رأت والدتها تطوق وجه والدها بكفيها ، وتهمس له بكلمات المواساة.
نادت "أبي " لتعلم الزوجين بوجودها ، فالتفت "ماريو سينغ " والد الشابة فجأة لمواجهة ابنته ، محاولاً رسم ابتسامة قسرية على وجهه.
ناداها "يا صغيرتي الجميلة " وهو يتقدم نحوها ، بينما تجمعت الدموع في مآقي عينيه ، حالها كحال "ناريكا " التي كانت هي الأخرى على وشك البكاء.
ارتمت بين ذراعيه الممدودتين ، باحثة عن السكينة في حضن والدها ، بينما كان يربت على شعرها قائلاً "لقد اشتقت إليكِ كثيراً يا فتاتي ، أنا آسف جداً لأنني لم أستطع العودة للمنزل مبكراً ".
أجابت وهي تنظر إليه "لا بأس ، لقد سامحتك " بينما هو يبتسم لها ، غارقاً في شعوره بالامتنان لكونه قد رُزق بابنة مثلها.
التقت عيناه لفترة وجيزة بعيني زوجته "ماريا " التي كانت الأسوأ في إخفاء مشاعرها ؛ إذ لم يرد لها أن تثير رعب ابنتهما في هذا الصباح الباكر ، فأرسل لها إشارة بعينيه لتتمالك نفسها.
سألت الشابة "إذاً ، كيف حال العمل يا أبي ؟ لن تغادر قريباً ، أليس كذلك ؟ " وهي ترجو إجابة إيجابية رغم أنها كانت تدرك الجواب مسبقاً.
قال وهو يقبل جبينها "لن أغادر ، أعدك بذلك. عليّ أن أقضي وقتاً مع عائلتي " فابتسمت له مظهرة أسنانها النظيفة ، شاعرة بالرضا لأنها غسلتها ليلة أمس ، إذ لم تكن ترغب في أن تنبعث منها رائحة فم كريهة في الصباح.
أعلنت "ماريا " "الفطور جاهز " ليتجه تركيز "ناريكا " نحوها هذه المرة ، فتقدمت لتساعدها في وضع الأطباق على طاولة الطعام.
سألتها بقلق "كيف كانت ليلتكِ ؟ " ؛ فلم تكن والدتها تبدو بخير ، وكان القلق ينهش قلبها بشدة.
أجابت "ماريا " وهي تتجنب نظرات ابنتها "بخير ، وماذا عنكِ ؟ " لكن "ناريكا " أمسكت بيدها اليمنى ، مما جعلها تنظر إليها على الفور وسألتها "ما الخطب ؟ ".
ثم أردفت "ناريكا " بلهجة آمرة "أحتاجه الآن " دون أن تذكر ما تريده تحديداً ، لكنها علمت أن والدتها قد فهمت قصدها بالفعل ، ولن تُعتبر إلا كاذبة إن تظاهرت بالجهل.
ابتسمت "ماريا " بتوتر وهي تنظر إلى زوجها ، في إيماء له للتدخل ، لكن "ماريو " العنيد لم يحرك ساكناً ، فقالت "ذكريني بما تلمحين إليه أيتها الشابة... ".
اشتكت قائلة "هاتفي ، قلتِ إنكِ تريدين شحنه بالأمس ، والآن ، حاسوبي المحمول مفقود أيضاً ".
أخيراً تحدث والدها "ناريكا... " لكن الشابة سروان ما أدركت أنه متواطئ في هذا الأمر مع والدتها أيضاً.
صاحت هذه المرة بصوت مرتفع "أريد هاتفي الآن! " مما أرعب والدتها التي لم ترَها بهذه الحالة من قبل ، وأردفت "ما الذي تخفيانه عني ؟ ".
تلمس لسان "ماريا " الكلمات بخوف "أنا فقط أحاول... حمايتكِ ".
صاح "ماريو " منبهاً زوجته ، وهو يعض على شفته السفلية في اضطراب ؛ إذ لم يكن من المفترض أن تخبرها بهذا النحو.
سألت وهي تلتفت من والدتها إلى والدها الذي اقترب منها بحذر "حمايتي من ماذا ؟ ".
حاول تهدئتها قائلاً "صغيرتي ، استمعي إليّ جيداً أنتِ لم ترتكبي أي خطأ " لكن ذلك زاد من رعب "ناريكا " وبدأت تتراجع مبتعدة عن لمسته.
كان والداها يثيران ذعرها ، ولم تكن تدري ما الذي يحدث تحديداً ، لكن بفضل فطنتها ، لاحظت أن الأمر -أياً كان- قد ذاع صيته في البلدة ، وهو ما دفع والدتها لمصادرة هاتفها.
أضافت "ماريا " وهي تجهش بالبكاء هذه المرة "ماريو ، لا يمكنني السماح لهم بأخذها ، يجب أن تختبئ ".
سألت "ناريكا " "أمي ، ما الذي يجري ؟ ولماذا عليّ الاختباء ؟ ليخبرني أحدكم بما يحدث الآن!! ".
نصحها "ماريو " "اهدئي يا صغيرتي... " لكن الفتح المفاجئ للباب الأمامي وتدخل المحقق "هومر " وزملائه ، وبرفقتهم "زوي " ووالديها ، جعل "ماريو " يندم على عدم اتباع فكرة "ماريا " الأولية بفرار "ناريكا ".
سألت "ناريكا " "زوي ، ما الذي يحدث ؟ " وحاولت "زوي " التحدث ، لكن والدتها جرتها بعيداً.
نادى المحقق "هومر " "ناريكا ماري سينغ " وهو يخرج مذكرة اعتقال من جيبه ، مما جعل "ناريكا " تلوذ بحضن والدتها وهي تمتم "لا.. لا ".
قال المحقق "هومر " وهو يقترب من الأم وابنتها الملتصقتين ببعضهما البعض "أنتِ قيد الاعتقال بتهمة قتل مورغانا وينترغرين ، التزمي الصمت ، فكل ما تقولينه سيُستخدم ضدكِ في المحكمة. لكِ الحق في توكيل محامٍ ، وإذا لم تملكي واحداً ، فستوفر لكِ الدولة محامياً ".
سمعت "ناريكا " صراخ والدتها "لا ، ابتعد عن ابنتي " لكنها كانت متجمدة ، عاجزة عن استيعاب ما يحدث بدقة.
كان كل شيء ما زال محيراً ، ولكن ما استطاعت تمييزه وسط الفوضى العارمة داخل منزلها هو أن "زوي " كانت تشاهد كل ذلك دون أن تحرك ساكناً للدفاع عنها.