الفصل التاسع والتسعون بعد المئة: لن يتخلوا عنها ولا عن الطفل دون قتال.
"لقد أخبرتِني أنها ستكون بخير! هذا ما قلتِهِ يا ناومي ، هذا ما قلتِهِ تماماً! " صرخت ماريّا وهي تطيح بكل ما كان فوق الطاولة في غرفة الجلوس أرضاً.
في تلك اللحظة لم تدرِ ماريّا ماذا تفعل بعد عودتهم جميعاً من المشفى ، محملين بتلك الأنباء عن ناريكا ؛ أنباءٌ لم تكن تعلم أكان عليها أن تغتبط بها أم تبتئس ؛ إذ تبين أن ناريكا حأجل.
ابنتها ناريكا حأجل ، ولم يكونوا بحاجة لمن يخبرهم بهوية الأب. لم تكن ماريّا وحدها من تعاني من انهيار عصبي الآن ، بل إن ناومي نفسها لم تكن تملك أدنى فكرة من مجلس الساحرات عما إذا كان هذا المستجد سيغير أي شيء يتعلق بالنبوءة.
ففي نهاية المطاف كانت نبوءة إنجابها طفلاً من "أدريك " هي الرابط الوثيق بينهما ، لكن سعادتها لم تدم طويلاً لأنها أصبحت حاملاً بالفعل!
"ماريّا عليكِ أن تهدئي. " حاول نيلسون تهدئتها ، لكنها كانت محاولة حمقاء ؛ إذ لم يكن هذا الموقف مما يُطلب فيه الهدوء.
لم يكن الأمر هيناً عليه هو الآخر ، لكن ماريّا كانت تعلق آمالاً عريضة على تغير النبوءة ، والآن ها هي ابنتهما قد عادت إلى حيث تنتمي. سيكون من الفاجع حقاً أن تشاهد ناريكا ترحل مجدداً ، وكل ذلك لأنها تحمل طفلاً لمسخ.
ولو كان يملك القدرة على استشراف المستقبل ، لمنع ناومي منذ البداية من إخبار ماريّا بعودة ناريكا. حقاً ، إن هذا يشبه تماماً انتزاع قطعة حلوى من يد طفل بعد منحه إياها.
"لا ، لا تقل لي ذلك. " صاحت ماريّا في وجهه ، وقذفت بوسادة الأريكة نحوه ، فتلقفها نيلسون بخفة. ثم وجهت اتهامها نحو ناومي التي لم تدرِ من أين تبدأ شرحها "لقد كذبتِ عليّ ، لقد كذبتِ علينا جميعاً. "
بدت علامات الخيبة واضحة على وجه ناومي ، ولم تكن هذه سوى البداية ؛ فقد غادر هندريكس المنزل دون نبسة ببنت شفة بعد أن نقلت إليه الخبر أيضاً. الجميع الآن يلقي باللوم عليها في أمر لم تكن تتوقع حدوثه ، فهي ليست عرافة ، بل مجرد مرسالة للمجلس.
ومع ذلك كان هذا أمراً يجب أن يُساءل عنه المجلس ؛ فما الفائدة من إعطاء هؤلاء البشر أملاً زائفاً ، ثم انتزاعه منهم في طرفة عين ؟
"ماريّا ، أرجوكِ. عليكِ أن تسمعيني لم أكن أعلم شيئاً عن كل هذا ، ولا يد لي فيه. و أنا لستُ بصيرةً مثل سيلين ، ربما يجدر بكِ التوقف عن لومي ، في حين أن ابنتكِ هي من ذهبت وعاشرته رغم علمها بالعواقب. "
أحدثت كلمات ناومي صمتاً مطبقاً ساد المكان ، بينما نظر إليها الزوجان وكأنها سكبت عليهما حمضاً كاوياً. وبالفعل ، لقد فعلت ذلك ؛ فكلماتها لم تكن تحمل أي نوع من المواساة.
"اخرجي. " قالتها ماريّا بصوت منخفض ، وهي تحاول كبح جماح رغبتها في ضرب رأس ناومي بالجدار لإعادة ضبط عقلها إلى رشده ، إذ بدا أنها في أمسّ الحاجة لذلك.
"ماريّا لم أكن أقصد... " حاولت ناومي الاعتذار عندما أدركت فداحة ما قالته ، لكن نيلسون قاطعها بحدة.
"حقاً يا ناومي ؟ أظن أنه وجب عليّ شكركِ على ما فعلتِهِ للتو. و لقد أديتِ مهمتكِ على أكمل وجه... "
"لا ، يا نيلسون أنت لا تفهم... "
"بل أفهم كل ما فعلتِهِ وقلتِهِ تماماً. النبوءة لم تتغير في المقام الأول ، وأنتِ تعملين مع المجلس لتجعلوا ابنتي تحمل من ذلك المختل حتى تتمكنوا جميعاً من خوض حربكم الحمقاء مستخدمين طفلها وسيلة ضغط. إنني أفهم بوضوح ما تقصدينه ، وإن لم تغادري منزلي في هذه اللحظة ، فلن أكون مسؤولاً عما قد يحدث تالياً. "
قال نيلسون كلماته بصرير أسنان ، بينما عادت ماريّا لتجلس على الأريكة وهي تنفجر بالبكاء ، محاولةً التفكير في حل.
"حسناً ، سأرحل. " قالت ناومي وهي ترفع يديها علامةً على الاستسلام ، فقد أدركت أنها لم تعد مرغوباً بها ، وشعرت بالارتياح لأن "روزا " شقيقة ماريّا لم تكن في المنزل الآن ، وإلا لكانت قد دُفعت من فوق السلالم.
واستغلالاً لهذه الفرصة ، حاولت تقديم نصيحة مفيدة كانت متيقنة بأنهم لن يأخذوا بها على أية حال.
"بل ستغادرين الآن. " قاطعها نيلسون مصححاً.
"أعلم ذلك ولكن قبل رحيلي ، عليّ أن أحذركم جميعاً. و بما أنها حأجل ، فسوف يأتون للبحث عنها ، وخصوصاً لوسيفر... "
"آخر ما قد أفعله هو السماح لذلك المعتوه بالاقتراب من ابنتي. لا يهمني بأي صورة مثالية تحاولون تصويره ، لكنه سيكون جثةً هامدة إن اقترب من طفلتي. " هدد نيلسون ، مما استدعى تنهيدة من ناومي.
"أنت لا تدرك ما تفعله يا نيلسون. إن احتجتَ لمساعدتي ، فأنت تعلم أين تجدني. " قالت ناومي كلماتها الأخيرة التي لم تقابلها منه سوى نظرة ازدراء.
ألقت نظرة أخيرة عليهما وقالت "أنا آسفة حقاً يا ماريّا. " ومع تلك الكلمات ، غادرت من الباب الأمامي تاركةً الزوجين يواجهان مشكلتهما ، بينما انصرفت هي لشأنها.
"ماذا سنفعل يا نيلسون ؟ عما قريب ستستيقظ ، ولا أظن أنها ستظل فاقدة للذاكرة. سيبدأ جسدها بإظهار علامات الحمل و... "
استمرت ماريّا في هذيانها حتى أمسك بها نيلسون ليعيدها إلى صوابها "ماريّا توقفي أرجوكِ. " قالها وهو يتنهد بتعب.
"أريد طفلتي معي فقط يا نيلسون. هل هذا مطلب عسير ؟ أنا لم أطلب أياً من هذا! و لماذا يحدث كل هذا لنا ؟ " بكيت ماريّا ، قبل أن يجذبها نيلسون إلى صدره ، ويمرر يديه في شعرها هامساً بكلمات المواساة لتعلم أنها ليست وحيدة في هذا المصاب.
ورغم أنهم لم يتوقعوا وصول هذا البلاء إلى عتبة دارهم إلا أنهم أدركوا وجوب الاستعداد لكل شيء. و لكن أمراً واحداً ظل جلياً: لن يتخلوا عن ناريكا ولا عن طفلها دون قتال مرير.