الفصل السابع عشر: انطلق عليّ يا أبي.
كان بإمكان أدريان سماع صوت والده بوضوح من داخل مكتبه ؛ كان يجري مكالمة هاتفية ، وقد استشاط غضباً ، مرسلاً وابلاً من الصواعق والتهديدات ، صابّاً جام غضبه على ذلك الشخص الذي تجرأ على إثارته. و شعر بالشفقة تجاه من كان على الطرف الآخر من الخط ؛ فكيف تجرأ أحدهم على إغضاب "أليكس سينغ " في هذا الصباح الباكر ؟
المرة الوحيدة التي بلغ فيها استياء والده هذا الحد كانت عندما أبدت "بولينا " عصيانها ورفضت الزواج من "بليك وايت ". ومن حسن حظ ذلك اللعين ، أنه تزوج من أميرة فرنسية حين لم تكلل مساعي خطبته من بولينا بالنجاح ؛ وبدا رجلاً سعيداً للغاية لأنه لم يرتبط بابنته في نهاية المطاف.
نفث أدريان دخان سيجارته ، وخرجت من بين شفتيه زفرة فاترة في هذا الصباح الباكر. حيث كان صداعٌ عنيد قد قرر أن ينغص عليه حياته ويسومَه سوء العذاب منذ حفل تأبين بولينا. لم يذق طعم الراحة ، وزاد من إحباطه حقيقة عجزه عن النوم كبشر طبيعي. يا إلهي! إنه بحاجة ماسة إلى استراحة.
ربما لفترة وجيزة فقط ، لكن والده سيطيح برأسه حتماً إذا قرر المماطلة ولو قيد أنملة فيما أمره بتنفيذه.
"فانيسا إيفانوف ".
هذا هو المشروع الجديد ، ومن خلال الجدية التي أولاها والده لخطة الانتقام هذه ، أدرك أدريان أن والده لن يتوانى عن إيذائه هو شخصياً إذا ما تجرأ على مخالفة رغباته. ولم يكن الأمر ليكون مفاجئاً إن فعل ذلك ؛ فقد سبق وتخلى عن ابنه البكر الذي ربما ما زال على قيد الحياة ، متوارياً عن الأنظار تحت ناظريه مباشرة.
لم يجعله أدريان ضمن دائرة اهتماماته ، خاصة وأن والده لم يحرك ساكناً ، ولم يظهر أي نية لتغيير رأيه بشأن ابنه الشرعي الأول ، لكن الأمر لم يكن سيّان بالنسبة لأدريان. فقد ظن أن الرجل سيمضي قدماً في البحث عنه بعد وفاة بولينا ، لكنه تفاجأه أكثر بالتزامه بجانب من اتفاقه ، وهو عدم البحث عن "نيلسون سينغ " ابنه.
إلا أن مجرد احتمال تغييره لرأيه يوماً ما لم يطمئن أدريان أبداً ، ولهذا السبب كلف رجاله بمهمة العثور عليه. وبالرغم من أن كل خيط كان ينتهي دائماً إلى طريق مسدود إلا أن السنوات التي مرت دون ترك أي أثر أعطته انطباعاً بأنه قد مات منذ زمن طويل ، وأن والده ما هو إلا نذل متحجر القلب لا ينوي العثور عليه.
لكن أدريان كان يدرك جيداً مع من يتعامل ؛ إنه "أليكس سينغ " ذلك الرجل الماكر الذي سيضحي بسعادة أفراد عائلته بكل سرور في سبيل الحفاظ على سمعته ومكانته.
اشتدت قبضة يده غضباً حين سمع دوي تحطم الزجاج على الأرض. والآن ، يبدو أن أحدهم قد فقد أعصابه تماماً! ولن يمر وقت طويل قبل أن يفرغ والده رصاصة بين عيني أي تعيس حظ قد يكون كبش الفداء الذي سيصب عليه نتاج عدوانيته. فلم يكن أدريان في مزاج يسمح لرجاله بالتخلص من أي جثة ، فما زال الوقت مبكراً ، والتوتر هو آخر ما كان يتمناه.
وبينما استدار ليغادر ، انفتح بابه فجأة ودخل "ميسون " أحد رجاله الموثوقين وصديقه المقرب ، حاملاً ملفاً بين يديه. حذره قائلاً "إنه يبدو غاضباً بحق ، من الواضح أن أحدهم سيلقى حتفه قريباً ". كانت كلماته بمثابة تنبيه لأدريان كي ينزل إلى هناك ويهدئ من روع والده قبل أن يصب جحيمه على أحدهم.
قلب أدريان عينيه بضجر من تعليقه ؛ لم يعجبه كونه يمثل دور الترياق أو الدواء لوالده المعتوه. ومع ذلك كان ممتناً لكونه شخصاً ذا أهمية في حياة والده لا يمكن الاستغناء عنه. و في الوقت الحالي كان هو الفرد الوحيد الباقي من عائلة "سينغ " الذي سيرث كل ما يملكه والده بمجرد رحيله.
كان ذلك التفكير وحده هو ما يدفعه للاستمرار ؛ المكافأة التي تنتظره بعد كل هذا العناء. تناول الأوراق من يد ميسون ، وفتح الملف الذي يحتوي على السيرة الذاتية لـ "فانيسا ".
سأل ميسون وهو يحك لحيته ، بينما لم يتلقَّ سوى نظرة فاحصة من أدريان الذي لم يفهم ما يرمي إليه "أنا لا أفهم حقاً ما المغزى من كل هذا يا أخي ، ألا تعتقد أن الوقت ما زال مبكراً على سفك الدماء ؟ ".
وأضاف ميسون "الانتخابات باتت على الأبواب ، ولن ترغب في أن يشعل الزعيم حرباً لن تكون مفيدة لمستقبله السياسي في الوقت الحالي ، هذا كل ما أحاول قوله ". مما جعل أدريان يضع سيجارته في المنفضة مرة أخرى.
أوضح أدريان قائلاً "والدي يعرف ما يفعله ، ومتى كنت قادراً على تغيير رأيه بعد أن يعقد العزم ؟ ". لم يكن أدريان راضياً عن المشروع أيضاً بسبب الانتخابات الوشيكة. نعم كان والده يترشح لمنصب رئيس "الدولة أ ". كان يسعى جاهداً للهيمنة المطلقة على جميع الولايات والسكان الذين يعيشون فيها. ورغم أن الأمر يبدو عبثياً إلا أنه ما زال منافساً قوياً لـ "جيسون إيفانوف " الذي يخوض معه نفس الصراع السياسي.
لقد توصل إلى فهم حقيقة أن العائلتين كانتا عدوتين لدودتين منذ زمن بعيد. فالحقد يضرب بجذوره عميقاً ، لدرجة أن مجرد اعتذار بسيط لن يمحو الآلام التي تسبب فيها كل منهما للآخر. وكما كانت الحال دائماً ، الموت وحده هو الكفيل بحل كل شيء. "جيسون إيفانوف " يجب أن يسقط في نهاية المطاف ، لذا لا يمانع أدريان في استخدام ابنته الحسناء لتحقيق ذلك.
لم يكن يطيق صبراً لرؤية تعابير وجه جيسون حين ينتزع ابنته من أمامه ؛ سيحطمها تماماً ، مثلما حطم والدها قلبه بما فعله بـ "بولينا ". وبالحكم على ملفها الشخصي لم تكن سوى فتاة مدللة لوالدها ، لا تعرف شيئاً عن تورط أبيها في أعمال قذرة ستؤدي إلى مقتلهم قريباً.
قال ميسون محاولاً إفساد مزاجه "أدريان ، إنها بريئة ". أثار هذا التصريح غضب أدريان ، فأمسك بياقة ميسون بعنف. حيث صرخ أدريان "بولينا كانت بريئة أيضاً ، وهذه ابنة عدو! مقدّر لها الموت على أي حال فلماذا غيرت رأيك الآن ؟ ".
"يا رجل ، اهدأ... "
زأر أدريان وهو يشد شعر ميسون الذي تملكه الخوف من انفجاره "هل بينك وبينها شيء ؟ هل هي عاهرتك ؟ ". أصبحت عينا أدريان أكثر قتامة من لونهما الرمادي المعتاد ، وكان بإمكان ميسون رؤية عروق صدغيه تكاد تنفجر من شدة الغضب.
دفع ميسون يديه عنه وهو يسوي ثيابه بعد أن تراجع أدريان قليلاً ليستند إلى الطاولة في غرفته "لا ، ليست كذلك اهدأ يا أدريان. إنك تفقد السيطرة! ".
سأل ميسون بقلق "متى كانت آخر مرة نمت فيها ؟ ".
قلب أدريان عينيه وهو يتجه نحو درجه ليخرج دواءه "ماذا أصبحت الآن.. أمي ؟ ".
رفع ميسون صوته غاضباً "أنا قلق عليك فقط ، يا لها من فطنة يا شارلوك! ". كانت سيطرة أدريان تنزلق يوماً بعد يوم ، وكل ذلك بسبب رحيل بولينا.
قال أدريان وهو يتناول الحبوب قبل أن يبتلعها بجرعة من الشراب "حسناً ، يمكنك الخروج من هنا وإغلاق الباب خلفك ".
شراب!
سارع ميسون بانتزاعه من يده وألقى به أرضاً. أمسكه من ياقته وصاح "هل جننت يا أدريان ؟ هل ترغب في الموت ؟ ". بينما ألقى أدريان برأسه إلى الخلف مبتسماً بخبث.
أردف أدريان بنبرة غائرة "إذا كان ذلك سيجعلني أراها لمرة واحدة أخرى ، فسأفعل ذلك بكل سرور.. ". لكن حديثه انقطع بانفتاح باب غرفته فجأة ، ودخول والده في زيارة غير متوقعة ، ترافقه "كاين " تلك التابعة الذليلة والمزعجة التي سيلقى حتفه على يديه قريباً.
صاح أليكس وهو ينظر مباشرة إلى ابنه الذي كان ميسون يمسك بياقته ، بنظرة حادة كالشفرة "ما الذي يجري هنا ؟ ".
زأر أدريان بصوت عالٍ ، مدركاً تماماً أنه قد أوقع نفسه في مأزق عسير. و لقد كان هو كبش الفداء الذي سيفرغ والده عدوانيته فيه. و لكنه في هذه اللحظة لم يبالِ ؛ بل كان يحتاج حقاً إلى من يؤذيه قبل أن يؤذي نفسه بشدة. فمن الصعب معرفة كيف يكون الشعور بالحياة ، فهو لم يعد يعرف كيف يشعر بآدميته منذ أن فارقت هي الحياة.
"انطلق عليّ يا أبي ".