الفصل المائة والثامن والخمسون: أحب كاميل.
مدينة الشمس ، البر الرئيسي.
منزل عائلة سينغ.
~~~
على الرغم من المهانة التي كانت ينبغي أن يشعر بها "أليكس " -وهو الذي طرد "نيلسون " سابقاً شر طردة من بيت العائلة- إلا أن صلفه وتجرده من الحياء منعه من إدراك مدى العبث في ادعائه الشوق إليه.
أجل لم يكن هذا هو المخطط الأولي الذي رسمه في ذهنه حين لقيه ، غير أن حماسته المفرطة لم تسمح له بالتصرف وفقاً لخطته ، بل اندفع كمن التأم شمله أخيراً بمحبوبه بعد فراق طال لسنوات.
غير أن ملامح ابنه لم تمنحه أدنى دافع للقول بأنه سعيد برؤيته ، بقدر ما كان يشعر هو بذلك. ويبدو أنه نسي سريعاً مدى صلابة رأس "نيلسون " أو ربما لم ينسَ "نيلسون " خلافهما القديم بعد.
كان من المثير للدهشة أن يتوقع "أليكس " أن ابنه قد استحال شخصاً آخر ، وأنه ألقى بكل ما حدث خلف ظهره ، ومع ذلك لم يتقبل "أليكس " بعد حقيقة استمرار علاقته بتلك الفتاة الهندية.
فضلاً عن ذلك وجد نفسه مدفوعاً للسؤال عن حفيدته ، فهي شاغله الوحيد ، لكنه كبح جماح فضوله ليظل متظاهراً باللامبالاة تجاه حقيقة أن لديه رجالاً يراقبون تحركاته منذ الأمس.
كان قد عرض على ابنه الحديث أثناء احتساء الشراب ، فقد كان يتوق لمنادمته لشدة افتقاده لصحبته ، ولكن حين دلف "أدريان " إلى غرفة الجلوس بتلك النظرة الإجرامية في عينيه ، أدرك "أليكس " حينها سبب تصرف "نيلسون " بهذا الجفاء ، وفهم أخيراً أن قناعه الزائف لم يعد يجدي نفعاً.
لقد ضُبط متلبساً بالجرم المشهود. وإن كان ثمة شيء يمقته "نيلسون " فهو أكاذيب والده التي يغلفها دائماً بالغلاف المنمق ليجد لنفسه مخرجاً ، لكنه الآن في مأزق لا مهرب منه.
لم يكن هناك ما يمكنه قوله في تلك اللحظة من شأنه أن يغير رأي "نيلسون " أو "أدريان ". ولكن لم يكن يكترث البتة لما يظنه "أدريان " به في هذه اللحظة إلا أن وجود "نيلسون " بجانبه كان كافياً لجعله يشعر بالرضا.
"هل تتفضل بشرح السبب الذي جعلني أرى 'أدريان ' يحاول الفرار مع خطيبته التي بدت وكأنها تعرضت لضرب مبرح ؟ " كان "نيلسون " أول من كسر حاجز الصمت ، بما أن "أدريان " كان ما زال يجد صعوبة في تفريغ حنقه في وجه والدهما.
"خطيبته ؟ أهذا ما أخبرك به ؟ " سخر "أليكس " عند سماع كلمات "نيلسون " فقد كان واثقاً -بقدر ثقة "نيلسون " تماماً- بأن "أدريان " يجيد تزييف الأكاذيب وتنميقها أمام أخيه الأكبر.
رفع بصره إليهما على الفور وتساءل متى أصبحا صديقين حميمين تحديداً ؟ فإذا كانت ذاكرته تسعفه ، فقد كانا عدوين لدودين منذ مراهقتهما. فما سر هذا التغيير المفاجئ ؟
"لقد آذيتَ 'كاميل ' " قالها "أدريان " وهو يضغط على أسنانه مقترباً منه ، في حين استغل "كاين " اللحظة ليدخل دون "كاميل ". لقد كان من دواعي الارتياح أنه لم يتقدم لمضايقة الفتاة أكثر من ذلك لأن "نيلسون " كان يتهيأ لقتله في تلك اللحظة لو فعل.
كانت "كاميل " بريئة ، ولا تستحق أن تُقحم في شؤون عائلتهم ، لكن والده عاملها بقسوة لأنها لم تكن تنتمي إلى طبقة الأثرياء والمجتمع المخملي. فلو كان والداها من أصحاب النفوذ والسلطة ، لما تجرأ والده على معاملتها بهذا الأسلوب المهين.
"أدريان ، لا تبدأ بالحديث عما فعلته بها ، لأنني سأكرر الفعل ذاته إذا ما تماديت في تهديدي " هكذا بصق "أليكس " كلماته بضغينة ، بينما ظل "أدريان " واجماً في مكانه بجانب أخيه غير الشقيق.
"لم أكن أعلم أنك لا تزال تعيش بهذه الطريقة يا أبي. ظننت أن موت 'بولينا ' سيجعلك تستهل حياة جديدة ، لكني كنت مخطئاً. و لقد أخطأتُ بمجيئي إلى هنا " قالها "نيلسون " محاولاً المغادرة ، لكن "أليكس " اعترض طريقه ومنعه من الرحيل.
"أدرك جيداً أنك لم تظهر فجأة هكذا لمجرد أنك اشتقت إلي ولكن أياً كان السبب الذي جاء بك إلى هنا يا بني ، فأنا مستعد لنبذ كل شيء ومساعدتك ". قال "أليكس " ذلك بصدق ، واستطاع "نيلسون " أن يرى أنه لم يكن يكذب في هذه النقطة.
لكنه لم يرد أن يبدو يائساً أمامه ، فقد تمكن والده من سبر أغوار دوافعه للمجيء في أقل من ساعتين ، ولهذا لا يمكنه السماح له بالاستهزاء به... ليس بعد.
لذا حاول المغادرة مرة أخرى ، لكن "أليكس " وضع يده على كتفه هذه المرة ليظهر له جديته.
"لا داعي لهذا يا بني. وكما قلتَ أنت ، خمس سنوات كفيلة بأن نضع فيها كل شيء جانباً ونفتح صفحة جديدة ". قال "أليكس " ذلك ورأى "أدريان " يكاد يختنق بكلماته ؛ فقد كان يعرفه حق المعرفة ويدرك أنه يراوغ فحسب ، لكن لم يكن لديه وقت لمساجلته الآن. "لذا ابقَ هنا " أضاف "أليكس " وهو يراقب وجه "نيلسون " المتصلب ليرى صراعه الداخلي لاتخاذ القرار.
"أعتذر ، لكني لا أستطيع البقاء. ولكن إن أردت أن تعود الأمور لمجاريهما بيننا ، أقترح عليك أن تبدأ بفعل الصواب وتقديم اعتذار لـ 'كاميل ' ولـ 'أدريان ' أيضاً. إنه يحتاج للمساعدة ، ولا يمكنك إبقاؤه حبيساً هنا كأنه من بهائم الأنعام ". أملى "نيلسون " شروطه لتعود المياه إلى مجاريها ، ولكن لماذا كان عقله يخبره بأن والده يتصنع ؟
إنه يحاول فقط التظاهر باللطف لمجرد وجوده هنا.
وبدلاً من أن يتحدث "أليكس " انفجر ضاحكاً "تلك الفتاة هناك لا تعني لي شيئاً ، بقدر ما لن تعني شيئاً لـ 'أدريان ' مستقبلاً. و لقد قطع شوطاً طويلاً ولا يمكنه الرضا بمثل مستواها ".
"مثل زوجتي تماماً ؟ " سأل "نيلسون " ضارباً بـ "ماريا " مثالاً حياً لما يحدث مع "كاميل " ؛ فالأمر سيان بالنسبة لوالده ، فهو لن يقبل بـ "كاميل " في العائلة. وأضاف "لم تسأل عنها ، ولا عن حفيدتك التي أنا متأكد أنك تعلم بوجودها ، بما أنك لم تقصر في جعل رجالك يراقبون عائلتي لعدة أيام ". أمال رأسه ليرى ملامح الخزي تعلو وجه "أليكس ".
"أنا.. أحاول فقط حمايتك يا 'أدريان '. لا يمكنني السماح لأي من أبنائي بأن ينتهي به المطاف مع أي نكرة ".
"أبي ، أنا أحب 'كاميل ' " اعترف "أدريان " بصوت جهوري ، مما جعل "أليكس " يشيح بنظره ممتعضاً "أوه! اصمت يا 'أدريان ' ، فأنت لا تفقه عن الحب شيئاً ".
"ولكن على الأقل ، يجب أن تمنح الفتاة فرصة لتتعرف عليها. لا يمكنك الاستمرار في تدمير الجميع من أجل أبنائك يا أبي " هكذا نصحه "نيلسون ".
"سأفعل أي شيء من أجلكم جميعاً ".
"بل قل إنك تفعله لمصلحتك الأنانية " تمتم "أدريان " تحت أنفاسه ، وعندما أراد "أليكس " التحدث ، قاطعه "نيلسون ".
"وبالحديث عن الحماية ، أخشى أن لدي بعض الأنباء السيئة بخصوص حفيدتك يا أبي " قالها وهو يتطلع إليه ليرى علامات الوجوم ترتسم على وجهه.
"ماذا تقصد ؟ إنني أترقب زيارتها القادمة لتكون هنا " سأل "أليكس " ليتلقى الخبر الصادم الذي جعل "أدريان " يشعر بالقلق أيضاً.
"لقد فُقدت. اختفت 'ناريكا ' من المنزل لأن حياتها كانت في خطر ".