الفصل مئة واثنان وخمسون: عاجزٌ حتى عن حماية نفسه.
مدينة الشمس ، بلدة الغد.
منزل عائلة سينغ.
~~~
لم يهدر أدريان ثانية واحدة في جمع المستلزمات الضرورية لخطتهما للهرب ، بينما سارع إلى تبديل ملابس كاميل بأخرى نظيفة ، ومسح وجهها الشاحب الذي عبثت به الفوضى. ولحسن الحظ لم تكن الدماء التي رآها على فخذيها ناتجة عما توهمه في بادئ الأمر ؛ إذ لم تتعرض للاغتصاب ، بل كانت دماءً سالت من جرح في معصمها حين كانت تحاول يائسا نزع القيود الحديدية من حول يديها لتنال حريتها.
أمسك بحقيبة وملأها بالمال الذي دأب على ادخاره وتخبئته لفترة طويلة تحسباً لوقوع مثل هذا الموقف. و كما توجه إلى غرفة والده ، وفتش في مجموعة أسلحته ، فاختار منها المسدس الذي رآه مناسباً ، وحرص على حشوه بالرصاص ، قبل أن يدخل غرفته ليتفاجأ بوجه كاميل الذي تجمدت ملامحه رعباً عند رؤية السلاح في يده.
يا للهول!
لم تكن تعلم أنه قد قتل حارساً للتو ليتمكن من إنقاذهما معاً. لم ينبس ببنت شفة ، بل اكتفى بوضع المسدس خلف حزام بنطاله ، ثم حمل حقيبة المال وتقدم ليساعد كاميل على النهوض ، لكنها أبدت مقاومة شديدة وتمنعت عنه.
قال لها بنبرة حازمة "كاميل ، ليس هذا وقت العناد أو الجدال. سيعود والدي قريباً ، ولا يمكنه أن يجدنا هنا عند عودته. حيث يجب أن نرحل فوراً ". تقدم نحوها محاولاً الإمساك بخصرها ليرفعها ، لكنها أصرت على البقاء في مكانها حيث كانت تجلس.
لم يستوعب أدريان ما دهاها ؛ فكاميل التي يعرفها لم تكن لتهدر ثانية واحدة في هذا المكان ، بل كانت ستبذل الغالي والنفيس لتضمن خروجهما أحياءً ، بغض النظر عن المخاطر التي قد تتربص بهما بمجرد اكتشاف غيابهما. و لكن واأسفاه! لقد انطفأت شعلة المقاومة في عينيها ؛ فماذا تراه فعل بها والده ؟
كادت تغص بكلماتها وهي تقول "أنا.. لا أستطيع الرحيل ". كان الكلام يخرج منها بصعوبة بالغة جراء التهاب حاد في حلقها عانت منه لأيام ، والفضل في ذلك يعود لوالده الذي حبسها دون طعام أو ماء ليومين متتاليين كما وعد.
ظنت للحظة أنها ستلفظ أنفاسها الأخيرة حتى دخل هو عليها. و لكن تهديد "أليكس " كان ما زال طرياً في ذاكرتها ومحفوراً في ذهنها ؛ فقد هدد بإيذاء والديها إذا أصاب أدريان أي مكروه ، ولهذا السبب لا يمكنها المغادرة... وخاصة معه.
إن ذلك الرجل لا يريد للعالم أن يعلم بمرض ابنه ، وهي الوحيدة التي اطلعت على ذلك السر ، مما جعلها تشكل خطراً محتملاً عليه ، ناهيك عن كونه لا يطيقها أصلاً منذ البداية. وكما قال لها ، فهي لا تزال على قيد الحياة فقط لأنها الوحيدة القادرة على إبقاء أدريان في كامل قواه العقلية ومنضبط السلوك.
أما الآن ، فلم يعد يهمها أي من ذلك فقد عقدت العزم على الرحيل من هنا بدونه. فمكانه الطبيعي هو بجوار والده ، وما كانت هي إلا حمقاء حين تمسكت به رغم علمها بنوع العائلة التي ينحدر منها.
صحح لها أدريان الأمر مبيناً خطورة الموقف "ماذا تقصدين يا كاميل ؟ نحن رحلون يا صغيرتي ، فوالدي سيقتلكِ حتماً إن بقيتِ هنا أكثر من ذلك ". بدا وكأن معاملتها كالبهائم لمدة يومين قد شوشت حواسها وأربكت منطقها.
تمكنت هذه المرة من التحدث دون عناء كبير قائلة "لن أرحل معك يا أدريان. و لقد هدد بقتل والديّ ، ولا يمكنني المخاطرة بحياتهما. إنه خطئي لأنني اكتشفت أمر مرضك ، وهذا هو السبب الذي يمنعي من البقاء معك. فلم يكن مقدراً لنا أن نكون معاً منذ البداية يا أدريان ، ألا ترى ذلك ؟ نحن من عالمين تفصل بينهما برزخ لا يلتقيان ". ثم انفجرت باكية.
قال أدريان قبل أن يحاول إجبارها على النهوض "يمكننا إصلاح كل شيء يا كاميل. وبالنسبة لوالديكِ ، يمكنني توفير حراسة مشددة لحمايتهما ، لكن علينا الذهاب الآن ". غير أنها دفعت يديه عنها وتأوهت ألماً حين لامست يداه معصميها المليئين بالكدمات.
آلمه كثيراً رؤيتها في هذه الحالة ، وشعر بضآلة رجولته لعدم قدرته على حماية امرأته ، وكانت تلك هي الحقيقة المرة.
قالت كاميل بصوت متهدج ، وهي تعجز عن إتمام حديثها دون استرجاع ذكريات التعذيب التي ذاقتها على يدي والده "حسناً ، أظن أنه من الأجدر بك أن تحمي نفسك أولاً. و في المرة الأخيرة التي وعدتني فيها بالحماية ، كدت أتعرض للاغتصاب على يد والدك ، والآن يحدث هذا... ".
إن قصة حبهما مسمومة ، ولا يمكنها أن تتحمل خسارة والديها بسببه. فما زال أمامه الكثير ليفعله ، كأن يستجمع شجاعته في مواجهة والده ، ويثبت قدميه ليكون ابناً له لا عبداً عنده. وهنا تكمن المشكلة ؛ فهو يقف عاجزاً قليل الحيلة عندما يتعلق الأمر بوالده.
هي لا تستطيع الاعتماد على أمثاله لحمايتها أو حماية والديها ، وهو الذي لا يقوى حتى على حماية نفسه.
قالت وهي تهم بالرحيل ، قبل أن يقاطعها "أنا رحلة يا أدريان ، ليس لأنني لا أحبك ، بل لأنني أفعل ما يمليه عليّ الصواب ".
قاطعها قائلاً "الصواب هو أن تكوني بجانبي... "
لتكمل هي العبارة بمرارة "نعم ، لنعاني سوياً ".
في هذه اللحظة ، شعر أدريان بضحكات "كيلا " تتردد بوضوح في رأسه. حيث صرخت كاميل مشيرة إلى صلب الموضوع "إلى متى سيستمر الأمر على هذا المنوال ؟ لا يمكنني العيش في خوف دائم على حياتي وأنت موجود لكنك لا تفعل شيئاً يا أدريان. أنت تهاب والدك! ". ولم يملك "كيلا " إلا أن يتفق مع كاميل في هذه النقطة.
سخر منه "كيلا " قائلاً "أجل ، وماذا أنت فاعل الآن أيها العاشق الولهان ؟ ".
ارتبك صوت أدريان وهو يقول "يا صغيرتي أنتِ تعلمين أن هذا ليس صحيحاً... ". وقبل أن يسترسل في حديثه ، دويّ صوت طلق ناري في الخارج جعله يقف متأهباً ، وأمسك بيد كاميل على الفور واستل مسدسه.
سألت كاميل بذعر وهي ترجو ألا يكون والده قد عاد "م.. ما هذا ؟ ".
أمسك أدريان بحقيبة المال الموضوعة فوق الكرسي وقال لها "مهما حدث ، ابقي خلف ظهري يا كاميل. سأفتح لنا طريقاً عبر الباب الأمامي ، وبمجرد أن تخلو الطريق ، خذي الحقيبة واركضي. هل تسمعينني ؟ اركضي للنجاة بحياتكِ ولا تنظري خلفكِ أبداً ".
بكت كاميل قائلة "وماذا عنك ؟ سيقتلك إن رأى أنني لست هنا ".
أجابها وهو يقبلها للمرة الأخيرة قبل أن يمسك بيدها ويشقا طريقهما لخارج المبنى "سأتدبر أمري وأنجو ، لكن سلامتكِ هي الأهم يا حبيبتي ".
ولحسن الحظ ، وكما أخبرتهما الخادمة "سييرا " لم يكن هناك الكثير من الحراس ، ولكن ما الذي جعل والده يعود عند سماع ذلك الطلق الناري ؟ فوالده اعتاد نار على رجاله عندما يستشيط غضباً ، فإذا لم يكن هو ، فمن عساه يكون ؟
جالت عينا أدريان في كل مكان ، بينما ظلت كاميل خلف ظهره كما أمرها. حيث تمكنا من الوصول إلى الخارج ليريا ثلاثة من رجال والده الذين كانوا يحرسون البوابة يتمرغون على الأرض من شدة الألم ، بينما كان هناك شخص مألوف يقف مصوباً مسدسه نحوهم.
شخص جعل دقات قلبه تتسارع بمجرد أن التقت أعينهما ، ولم يملك إلا أن يتساءل في نفسه: كيف ما زال هذا الشخص على قيد الحياة ؟
"ن.. نيلسون ".