غلف ظلامُ الليل المدينةَ الصاخبة، وبدأت وتيرةُ الحياة الحضرية المزدحمة بالخفوت تدريجياً ليحلَّ الصمتُ مكانها.
أخذ عددُ المركبات على الطرقات بالتناقص، وانطفأت أنوارُ المباني واحداً تلو الآخر، كما لو أنَّ يداً خفيةً تُديرُ المشهدَ بإيقاعٍ منتظم.
منتصف الليل، الساعة الثانية عشرة تماماً.
نافذةُ شقةٍ في مبنىً سكنيٍّ كانت لا تزالُ تضجُّ بالضوء؛ حيثُ كانت فتاةٌ تُدعى "تشين ياو"، في الثامنة عشرة من عمرها، مستلقيةً على سريرها، تعبثُ بهاتفها بحماس، وتشاركُ في نقاشٍ محمومٍ عبر الإنترنت حول موضوعٍ رائجٍ مؤخراً.
"مهلاً، هل اطلعتِ على ما نُشر في الصحيفة الأخيرة؟ إنه أمرٌ يثيرُ السخرية حقاً، يزعمون أنَّ هناك أشباحاً في هذا العالم!"
"رأيتُ ذلك الخبر، والجميعُ يتداولونه الآن. أنا أيضاً أراهُ هراءً محضاً؛ فلا وجودَ للأشباح، وما هم إلا أشخاصٌ يهوون إثارة البلبلة. إنها بلا شك حيلةٌ دعائية لإثارة الذعر وراءها مآربُ خفية."
"والداي متشددان للغاية، لدرجة أنهما أقاما ضريحاً داخل المنزل. الآن، في كل مرة أعود فيها، يتملكني الوجوم، ولا أرغبُ في البقاء هناك أبداً."
"..."
في تلك اللحظة، تعإلى صوتُ والد "تشين ياو" من خلف باب غرفتها: "كم مرةً قلتُ لكِ، أطفئي الأنوار عندما تنامين ليلاً؟"
ردّت "تشين ياو" قائلة: "يا أبي، لكنَّ استخدامَ الهاتف في الظلام يؤذي عينيَّ، ثمَّ أليسَ من الأفضل النوم والأنوارُ مضاءة؟ هكذا تبدو الغرفةُ أكثر إشراقاً، ولن أصطدم بشيء كما حدث في المرة الماضية حين استيقظتُ ليلاً."
"يا ذكية، النومُ والأنوارُ مشتعلةٌ من المحرمات، ألا تدركين ذلك؟ غرفتكِ الساطعة وسطَ هذا السكون تجعلنا هدفاً سهلاً لأيِّ شيءٍ يتربصُ في الخارج. ماذا ستفعلين لو ضلَّ كائنٌ ما طريقهُ واقتحم منزلنا؟" تردد صدى صوت والدها مجدداً من الخارج.
أجابت "تشين ياو" بتحدٍ: "وماذا عساهُ أن يكون في الخارج؟ نحنُ في الطابق الثامن والعشرين!"
قال والدها بلهجةٍ حازمة: "هذه قاعدةٌ ورثناها عن جدّكِ؛ فقد كان يقول إنَّ المبنى كالشمعة، وإذا أُضيئت الغرفةُ فكأنما تُشعلين فتيلها، فتجذبُ الأرواحَ الخبيثة التي تجوبُ المدينة. لذا، عليكِ إطفاءُ الأنوار فوراً، خاصةً وأنَّ غرفتكِ تطلُّ على الجنوب والضوءُ فيها مكشوفٌ تماماً للخارج. أطفئي النور واخلدي للنوم، ولا تجبريني على تكرار قولي، فلديَّ عملٌ غداً."
"حسناً، حسناً، كفّ عن هذا الكلام، سأطفئه الآن، ارتحت؟" لم تجد "تشين ياو" بُداً من الانصياع، فأطفأت أنوار غرفتها.
لكن، وما إن ساد الظلام...
"طاخ!"
دوى صوتُ طرقٍ خفيفٍ على الزجاج، مما جعل "تشين ياو" تنتفضُ من مكانها.
نظرت باتجاه النافذة لكنها لم تبصر شيئاً، سوى أضواء المدينة البعيدة التي كانت تتسللُ بوهنٍ إلى الغرفة.
"هل اصطدم طائرٌ بالزجاج يا ترى؟"
تساءلت "تشين ياو" بفضول، واقتربت من النافذة لتستطلع الأمر.
وكلما اقتربت، تبيّن لها أثرُ وجهٍ مطبوعٍ على الزجاج؛ كان الوجهُ واضحَ المعالم، لرجلٍ مسنٍّ بعينين مغمضتين، تحيطُ بهما تجاعيدُ غائرة، ويبدو هادئاً كما لو كان قد فارق الحياة للتو.
مدّت "تشين ياو" يدها لتمسحه، محاولةً إزالة ذلك الأثر، لكنها سحبت يدها بسرعة وكأنَّ صعقةً كهربائيةً أصابتها.
لم يكن أثرُ الوجه على الزجاج من الداخل، بل كان مطبوعاً من الخارج!
"كيف يمكن أن يحدث هذا؟ نحن في الطابق الثامن والعشرين، ولم يسبق أن..."
تسلل الرعبُ إلى قلب "تشين ياو". لقد اعتادت الجلوس بجوار هذه النافذة منذ نعومة أظفارها؛ تنجزُ فروضها، وتتدربُ على البيانو، وتحفظُ دروسها. لقد نظرت إلى الخارج آلاف المرات.
كانت واثقةً تماماً؛ فالنافذةُ كانت دائماً نظيفة، ولم تلمح أثراً لوجهٍ كهذا من قبل.
"أبي، تعالَ وانظر ما هذا الشيءُ على النافذة..."
تمتمت "تشين ياو" بارتباك، وهي تتراجعُ ببطء عن النافذة وتنادي والدها.
لكنَّ صمتاً مطبقاً ساد خارج الغرفة، ولم يأتها أيُّ رد.
نادت "تشين ياو" مراراً، غير أنَّ والدها لم يستجب، واستحكمَ صمتٌ غريبٌ في أرجاء المكان. شعرت فجأةً بالعزلة والوحدة، وتغلغل الخوفُ في أعماقها.
خارج النافذة...
ومع وميضِ ضوءٍ بعيد، ازداد أثرُ الوجه وضوحاً، ومع خفوتِ الضوء تدريجياً -وسواء كان ذلك تلاعباً بالظلال أو من وحي خيالها- خُيّل لـ "تشين ياو" أنَّ الوجه الهادئ بدأ يتحولُ إلى ملامح شرسة ومرعبة، وقد تلاشت سكينتهُ تماماً.
"أبي، يا أبي، تعالَ بسرعة!"
ارتجف صوتُ "تشين ياو" وهي تغالبُ دموعها وخوفها. استدارت لتشعل الضوء، ظناً منها أنَّ النور سيبددُ هذه الكوابيس.
لكن عندما ضغطت على المفتاح، بقيت الغرفةُ غارقةً في عتمتها؛ يبدو أنَّ عطلاً أصاب المصباح، فلم يستجب لأيِّ محاولة.
ضاعفَ هذا الأمرُ من رعبها.
انهارت قواها النفسية، وراحت تصرخُ مناديةً والدها وهي تهرعُ خارجةً من غرفتها، باحثةً عن ملاذٍ لدى عائلتها.
لكنَّ الباب الذي كان يفتحُ بيسرٍ وسهولة، استعصى عليها تماماً، وكأنَّ قوةً خفيةً توصدُه من الجهة الأخرى، مهما حاولت دفعهُ أو سحبه.
ارتجفت يدا "تشين ياو" وهي تشدُّ مقبض الباب بيأسٍ وتتضرع.
ربما كان البابُ قد علق بسبب الذعر الذي أفقدها توازنها، أو ربما كانت هناك قوةٌ مجهولةٌ لا تخضعُ للمنطق تتحكمُ في تلك اللحظة.
بلغ خوفُ "تشين ياو" ذروته.
فجأة...
"انفتح البابُ بعنف!"
اندفع تيارُ هواءٍ باردٍ يحملُ بين طياته رائحةً خفيفةً تشبهُ رائحةَ الجثث المتحللة.
لم تكترث "تشين ياو" لهذه التفاصيل، بل اندفعت خارج الغرفة وهي تصرخُ مناديةً والدها، متجهةً صوب غرفة والدَيها.
كانت تحفظُ تفاصيل المنزل عن ظهر قلب، حتى في عتمة غرفة المعيشة، لكنَّ الأمرَ المريب هو أنها توقفت فجأةً بعد برهةٍ قصيرة من ركضها.
لم يكن ما أمامها غرفةَ والديها، بل جدارٌ قديمٌ متهالك.
كان الجدارُ رطباً ومغطىً بالطحالب الخضراء القاتمة.
"انتظر، أين أنا؟"
استوعبت "تشين ياو" أخيراً وهي تتلفتُ حولها برعب، أنَّ هذا ليس منزلها؛ بل هي داخلُ مبنىً قديمٍ وغريب، يبدو مهجوراً منذ قرون، ولا أثرَ فيه لحياةٍ آدمية.
والمشهدُ الأكثر ترويعاً كان وجودُ سريرٍ خشبيٍّ في منتصف الغرفة، لم يكن عليه إنسانٌ حيّ، بل كانت جثةٌ هامدة.
كانت الجثةُ ترتدي حذاءً قماشياً أسود، وعباءةَ دفنٍ زرقاء، ووجهها مطليٌّ بلونٍ شاحبٍ يبعثُ على القشعريرة. كانت يداها متقاطعتين فوق صدرها، وتعبيرُ وجهها ساكناً تماماً.
والأمرُ الذي جمد الدماءَ في عروقها، هو أنَّ وجه هذه الجثة كان نسخةً طبق الأصل من وجه الرجل العجوز الذي رأتهُ على زجاج نافذتها.
أطلقت "تشين ياو" صرخةً مدويةً من فرط الرعب. تجمدت في مكانها، وشعرت وكأنَّ جسدها قد شُلَّ تماماً، ففقدت القدرةَ على الحركة. ورغم رغبتها العارمة في الفرار والعودة إلى غرفتها، إلا أنَّ عينيها كانتا مسمرتين، رغماً عنها، على تلك الجثة العجوز القابعة في منتصف الغرفة.
في هذه اللحظة...
ولسببٍ ما، ترامت إلى ذهن "تشين ياو" كلماتُ والدها السابقة.
"عندما تنامين ليلاً، تأكدي من إطفاء الأنوار، وإلا فقد تدخلُ الأشياءُ النجسةُ إلى المنزل لزيارتكِ".
هل هذا هو "الشيء النجس"؟
جثةٌ ميتةٌ منذ زمنٍ بعيد، لكنَّ جسدها لم يبلَ بعد؟
شعرت "تشين ياو" بقلبها يخفقُ بعنف، وتملّكها خوفٌ شديدٌ جعلها تشعرُ بالاختناق، وضيقٍ في التنفس.
علاوةً على ذلك، بدت نظراتها مقيدةً بقوةٍ غامضة، فمهما حاولت تحريك عينيها، بقيَ بصرها مشدوداً نحو الجثة القديمة المروعة بجلدها المجعد أمامها.
لقد حُفر ذلك المظهرُ المخيف في أعماق ذاكرتها.
وفي اللحظة التي ظنت فيها أنها ستلفظُ أنفاسها الأخيرة من شدة الذعر...
فجأة...
أمسكت بها يدٌ بيضاءُ باردةٌ كالثلج من الخلف.
وبدأ جسدُها، وبشكلٍ خارجٍ عن إرادتها، يتراجعُ ببطءٍ نحو الخلف.
خطوةً تلو أخرى.
"من... من الذي يسحبني؟"
انقبض قلبُ "تشين ياو" بشدة، وظلَّ جسدها المتصلبُ عاجزاً عن الحراك، حتى أنها لم تقوَّ على الالتفاتِ لتتحققَ من هوية الطارق. لكن من خلال ملمس اليد، أدركت أنها يدُ امرأة، باردةٌ وناعمة، لكنها تفتقرُ إلى أيِّ دفءٍ بشري.
"شششششش!"
بعد أن سُحبت إلى داخل الغرفة، بدأت الأضواءُ في الداخل تومضُ فجأة.
وفي تلك الأثناء، انغلق البابُ المفتوحُ بقوةٍ هائلة.
اختفت الجثةُ المرعبةُ القابعةُ في غرفة المعيشة خلف الباب، وتوارت عن الأنظار.
شعرت "تشين ياو" أخيراً بأنها استعادت القدرةَ على تحريك عينيها. وبدافعٍ غريزي، أرادت أن تديرَ عنقها لترى من بالخلف.
أرادت أن تعرف من الذي سحبها وأنقذها -أو ربما اختطفها-.
"لا تنظري إلى الوراء. وعندما تنامين ليلاً، تذكري دائماً أن تطفئي الأنوار". انبعث صوتٌ أنثويٌّ باردٌ ولكنه هادئٌ من خلفها.
ومع تلاشي نبراتِ الصوت...
توقفت الأضواءُ عن الوميض واستقرت، لتنيرَ الغرفةَ بالكامل.
التفتت "تشين ياو" غريزياً إلى الوراء، لكنها لم تجد أحداً؛ لم يكن هناك سوى ذراتٍ من الرماد تطفو في الهواء، كبقايا ورقٍ محترق، وسرعان ما تبددت هي الأخرى.
بقي الخوفُ جاثماً على صدرها.
نظرت "تشين ياو" مرةً أخرى نحو النافذة.
اختفى الوجهُ الغريبُ الذي كان مطبوعاً على الزجاج، وكأنَّ كل ما مرَّت به لم يكن سوى سرابٍ أو وهم.
"صرير!"
في تلك اللحظة، انفتح الباب.
انتفضت "تشين ياو" بعنف، وتوترت كلُّ عضلةٍ في جسدها.
"كم مرةً عليَّ أن أكرر؟ أطفئي الأنوار واذهبي للنوم، لا تُغضبي والِدَكِ". كانت تلك والدتها، امرأةٌ في منتصف العمر ترتدي ملابس النوم، وتتحدثُ بنبرة عتابٍ خفيفة.
خارج الغرفة، كان كلُّ شيءٍ في غرفة المعيشة يبدو طبيعياً، والأنوارُ مضاءة.
اختفى الجدارُ القديم، والجثةُ المخيفة، ولم يبقَ لهما أيُّ أثر.
وكأنَّ كل تلك الأهوال لم تكن سوى حلمٍ عابر.
انفجرت "تشين ياو" بالبكاء فجأة، وارتمت في أحضان والدتها، وهي ترتجفُ كعصفورٍ بللهُ المطر.
في هذه الأثناء...
وعلى سطحِ مبنىً قديمٍ في ضواحي "مدينة داو" البعيدة، وقفت امرأةٌ غامضةٌ دون حراك. كانت ترتدي فستانَ زفافٍ أحمر قاني لا ينتمي لهذا العصر، لونهُ نابضٌ كأنه الدم، ويغطي رأسها حجابٌ أحمر يحجبُ ملامح وجهها، ولا يظهرُ منها سوى يديها الناعمتين الشاحبتين.
في الأرجاء، كانت ذراتُ الرماد الرمادي تسبحُ في السماء، تتراقصُ مع الرياح، وتتساقطُ في كل ركنٍ من أركان مدينة داو.
لا أحد يعلمُ منذ متى تقفُ هذه المرأة هناك.
ومع انحسارِ سوادِ الليل وبزوغِ خيوطِ الفجر الأولى، بدأ طيفُها يتلاشى تدريجياً حتى اختفى تماماً.
فجأة...
وفي تلك اللحظة...
تردد صوتٌ من بين أشعة الشمس، يسألُ تلك المرأة الغريبة:
"هي يوليان، واحد زائد واحد كم يساوي؟"
"ثلاثة".
جاءت الإجابةُ دون أدنى تردد، واختفت المرأةُ الغامضةُ مع انقطاعِ ذلك الصوت.
عادت المدينةُ الصامتةُ إلى ضجيجها المعهود، مع حركة المرور الصاخبة والبشر الغادين والرائحين.
أما الأهوالُ الكامنةُ في غياهبِ الليل، فبقيت سراً لا يعلمُ به أحد.