## الفصل 815: السيف
لم أتردد، وانطلقتُ مباشرةً نحو القمة. ومع كل خطوةٍ للأمام، اقتربتُ من القمة، وازداد السيف الأسود وضوحاً في مقابل السماء المظلمة خلفه. وعندما وصلتُ إلى القمة، هبطتُ برفقٍ على جزءٍ مسطحٍ من الحجر منحوتٍ طبيعياً على شكل منصةٍ دائرية. وفي مركزها كانت هناك دائرةٌ حمراء أخرى. حيث كان السيف مغروساً مباشرةً في تلك الدائرة.
لم يظهر من الشفرة سوى بضعة سنتيمترات فوق الحجر، أما الباقي فكان مدفوناً في أعماق الجبل. حيث كانت الشفرة أسوداً باهتاً بلا انعكاس، باستثناء خط فضي واحد يمتد بوضوح على طول منتصفه من طرفه إلى واقي اليد. حيث كان المقبض ملفوفاً بإحكام بحبل داكن، رقيق ولكنه متين، ومرتب بدقة لتوفير قبضة محكمة. حيث كان واقي اليد بسيطاً وعملياً، خالياً من أي زخرفة. فلم يكن هناك أي زخرفة على السيف.
تقدمت خطوة إلى الأمام ووضعت يدي على المقبض.
في اللحظة التي أطبقت فيها أصابعي عليها، غمرني الموت.
لم يكن هجوماً.
كان ذلك يقيناً.
انتابني شعورٌ غريزيٌّ جارفٌ بأنني سأموت في تلك البقعة إن لم أُبعد يدي فوراً. استجاب جسدي قبل أن تتشكل لديّ أفكار، فتشينّجت عضلاتي، وتسارع نبض قلبي، واشتعلت حواسي. وشعرتُ بأن الأمر محسوم، وكأن السيف قد حسم مصيري بالفعل.
ولجزء من الثانية، ارتفعت غريزة الانسحاب بشكل حاد.
لم أتحرك..
بدلاً من ذلك انفجرت هالة طاقتي إلى الخارج.
اندفعت مني الجوهرة في موجة عاتية، انتشرت عبر القمة وما وراءها. ارتجفت الكتلة الأرضية العائمة تحت وطأة القوة مع اتساع وجودي، دافعةً إياه في وجه حتمية الموت الساحقة. واشتدّ الضغط فوراً كرد فعل، ضاغطاً بقوة أكبر على عقلي وجوهري وروحي.
لقد حاولت الغزو.
لقد تجاوزت الفكرة سطح الفكر ودخلت إلى أعماق كياني، محاولةً إسقاط نهاية مباشرة في فضاء روحي. سمحت لها بالدخول.
ارتجفت روحي تحت وطأة الصدمة.
كان الوهم واضحاً. رؤية للنهاية. للمحو.
ثم سرى شعورٌ غريبٌ في روحي.
انضغاط كل ما اكتسبته. كل قاعة. كل معركة. كل اندماج. كل روح امتصتها.
انكسر الوهم.
تحطمت. تلاشت يقينية الموت تحت وطأة إرادتي القوية. لم يختفِ الضغط، لكنه خفّ بما يكفي لأتمكن من التركيز. شددت قبضتي وسحبت.
لم يتحرك السيف.
ولا حتى جزء صغير.
ضيّقت عينيّ وبذلت مزيداً من الجهد في ذراعي. تشينّجت عضلاتي، وبرزت عروقي مع بذلي للقوة. تصدّع الحجر تحت قدميّ تصدّعاً خفيفاً تحت الضغط.
انزاحت الشفرة.
بالكاد.
بوصتان.
هذا كل ما استطعت فعله. حيث كانت المقاومة هائلة. وشعرت وكأن الجبل نفسه يمسك الشفرة من الأسفل، رافضاً السماح له بالارتفاع. ارتجفت ذراعي تحت وطأة الضغط، لكنني لم أتركها.
أخرجت الزفير ببطء.
لم يكن الأمر متعلقاً بالتقنية.
كان الأمر يتعلق بالقوة.
فعّلتُ قدرتي الجسديه دون تردد، وأعدتُ توزيع جوهر طاقتي، وحوّلتُ 20% من نقاط قوتي العصبية إلى قوتي. حيث كان الانتقال فورياً والتأثير هائلاً. وشعرتُ بزيادة الطاقة تتدفق في جسدي، وعضلاتي تنقبض بقوة متجددة.
سحبت مرة أخرى.
ارتفع الشفرة بوصة أخرى.
اهتز الجبل بعنف هذه المرة، وتصدعت الشقوق من الدائرة الحمراء تحت قدمي. اشتدّ ضغط السيف، لكنني ثبتت قدمي، وواصلت التقدم.
شيئاً فشيئاً، دفعتُها للأعلى. كل بوصة تطلبت جهداً. كل حركة تطلبت مني المزيد.
ازداد وضوح الخط الفضي على طول الشفرة مع ظهوره، وانكشف الفولاذ الأسود تدريجياً. ارتجفت ذراعي، لكنني لم أتوقف. اشتعلت هالة طاقتي من جديد، معززة جسدي بينما واصلت السحب.
بوصة أخرى.
ثم أخرى.
لم تخفّ المقاومة، ولم أخفّ أنا أيضاً. وأخيراً، وبقوة أخيرة، انتزعت السيف. اهتز الجبل بعنف حين انفصل الشفرة عن الحجر تماماً. تصدّعت الدائرة الحمراء تحت قدميّ وانفصلت. للحظة، ساد الصمت.
وقفتُ هناك، أتنفس بانتظام، والسيف الآن في يدي تماماً. للحظة وجيزة لم يحدث شيء. و حيث بقي الجبل ساكناً تحت قدمي، وامتد الصمت في كل اتجاه.
ثم اهتزت اليابسة.
بدأ الأمر باهتزاز خفيف، خفيّ لكنه لا لبس فيه، ينتقل من القمة نزولاً عبر الصخر تحتي. الدائرة الحمراء التي تصدّعت عندما سحبت الشفرة، اتسعت أكثر، وامتدت خطوط رفيعة كالأوردة عبر القمة المسطحة. اشتدّت الهزة بسرعة، ولم تعد محصورة في القمة، بل انتشرت في جميع أنحاء البناء.
اندفعت هالة إلى الخارج. وفي اللحظة التي امتدت فيها عبر الفراغ، ملامسة حواسي، تعرفت عليها على الفور.
آمون.
كان حضوره خافتاً، لم يكن حضوره كاملاً، لكنه كان حضوره بلا شك. نفس العمق الهادئ، نفس القوة الكامنة وراء رباطة الجأش. انتشرت الهالة في نبضة واسعة، تغمر الفراغ المحيط قبل أن تتلاشى.
ازدادت الهزات عنفاً.
بدأت الشقوق تتشكل على سطح الجبل، انطلاقاً من القمة وامتدت نزولاً في خطوط متعرجة. انقسمت الصخور مصحوبة بأصداء حادة ترددت في الفراغ. تحركت أجزاء كاملة من القمة مع اتساع الشقوق، ممزقة ما كان يوماً ما بنية متجانسة.
لم أنتظر.
تراجعتُ خطوةً إلى الوراء، ثم اختفيت فجأةً من القمة، وانتقلتُ عبر الزمن مئات الأمتار إلى الفضاء المفتوح. ومن هناك، راقبتُ.
تأوه الجبل عندما شقته صدع هائل آخر من قمته إلى قاعدته. انحنى سطحه إلى الداخل قبل أن ينكسر إلى الخارج، متسبباً في تناثر قطع من الصخور.
وصلت الشقوق إلى الجانب السفلي.
المدينة المدمرة التي كانت مخفية تحت سفح الجبل، أصبحت الآن مكشوفة مع انهيار بنيتها. انقسمت الشوارع. انهارت المباني مع تحطم أساساتها. الأبراج التي صمدت لقرون طويلة انهارت تماماً، وتحولت إلى شظايا تناثرت في الفراغ.
انتشرت هزة أخرى عبر الكتلة.
انشق صدع عميق في وسط الجبل، فقسمه إلى نصفين ضخمين. واتسع الشق ببطء في البداية، نتيجة احتكاك الحجارة ببعضها، ثم انفصل فجأة مع انهيار البنية الداخلية.
انفجرت الكتلة الأرضية.
لم يكن انفجاراً هائلاً، بل تفككاً عنيفاً. تحطم الجبل إلى شظايا لا حصر لها، وانقسمت ألواحه الكبيرة إلى قطع أصغر وهي تتناثر في الهواء. وتحولت المدينة المدمرة إلى ركام في غضون ثوانٍ، وتناثرت بقاياها بين الحجارة المحطمة.
الهيكل العائم بأكمله الذي بدا في يوم من الأيام أبدياً لم يعد موجوداً الآن إلا كأجزاء تطفو في فراغ صامت.
بقيت معلقاً على مسافة، وسيفي في يدي، أراقب الحطام وهو ينتشر للخارج ببطء.
لم يعد هناك دائرة حمراء. ولا قاعات. فقط حجارة محطمة تطفو في الفراغ. انتهت الاختبار وسمعت عدة إشعارات من النظام.