الفصل 772: رين غولدوينغ
انطوى الفضاء حولنا على نفسه بانسجام مألوف، وانصاعت قوانيني بسلاسة. لم يعد "نايت" يرتجف حين فعلتُ ذلك، بل راح يعدل وضعية قدميه بينما انقلب العالم رأساً على عقب، وانهار، ثم عاد إلى طبيعته. في لحظة، كنا نقف داخل جناح ضيوف "فيرادروس"، وفي اللحظة التالية كنا نحلق عالياً فوق الجزيرة المتصدعة، معلقين في سكون ليلها.
كانت آثار الدمار الذي وقع سابقاً لا تزال شاخصة تحتنا؛ أربع كتل أرضية ضخمة تفرقت كأنها شظايا إكليل محطم، ومياه المحيط تتدفق في الفجوات بتيارات بطيئة لا هوادة فيها. لقد بدأ "الفيرانيون" بالفعل في ترميم الحواف، لكن الندبة كانت غائرة، لتظل تذكيراً دائماً بما جرى.
أطلقتُ عنان إدراكي لينتشر متغلغلاً في أرجاء المكان، ولم يستغرق الأمر طويلاً لأجد بغيتي.
قلتُ بهدوء: "ها هو ذا".
تتبّع "نايت" نظرتي نحو جزء من الجزيرة ما زال صامداً، محصّناً بتحصينات شديدة، ويرتفع قليلاً عن باقي أجزائها. وبداخله، حجرةٌ مُرصّعةٌ بنقوشٍ دفاعية معقدة.
كان "رين غولدوينغ" يجلس في وسطها، وقد عقد ساقيه وأغمض عينيه، بينما طوى جناحيه بدقة خلف ظهره. كان يحاول التأمل، وتظل كلمة "يحاول" هي مربط الفرس هنا.
عدلتُ وضعيتنا وطويتُ المكان مرة أخرى.
دخلنا غرفته دون أن نحدث أدنى جلبة.
وكان أول ما فعلته هو تثبيته في مكانه؛ إذ تكاتف الفضاء حول "رين" وكأنه يُقيده بسلاسل غير مرئية. انقطع نفسه للحظة، وارتجف جناحاه ارتعاشة خفيفة قبل أن يتجمدا في مكانهما. فتح عينيه فجأة، وانقبضت حدقتاه حين أدرك عجز حركته، حتى عن التفاتة برأسه.
أطلق "نايت" صفيراً خافتاً، وقال بنبرة هادئة: "ما زلتُ أعجب من هذا؛ فقد كان من المفترض أن أكون أنا البارع في التلاعب بالمكان".
كانت نظرة "رين" شاخصة للأمام مباشرة، وقد تصارع الرعب والغضب على تقاسيم وجهه.
تجاهلتُه للحظة، وجلتُ ببصري في الغرفة التي كانت... كما توقعتها تماماً.
أسقف شاهقة، إضاءة دافئة، وستائر ذهبية تتماشى مع طابع المكان، وأرفف تكتظ بالكتب والتحف.
مشيتُ نحو أقرب رف، وسحبتُ كتاباً وقلبتُ صفحاته.
قرأتُ بصوتٍ مسموع: "الرنين الشمسي وقوانين الضوء عالية الكثافة.. الطبعة الثانية.. نسخة مشروحة".
انحنى "نايت" فوق كتفي وقال: "محاولته التمسك بإرث السلالة أمر منطقي، فلا يمكن للمرء الاعتماد على المخالب والأجنحة إلى الأبد".
وضعتُ الكتاب جانباً والتقطتُ آخر: "مسارات ضغط الرياح في بنية الطيور.. همم، هذا الكتاب قيم حقاً".
كانت عينا "رين" تلاحقان كل حركة أقوم بها، وهو في حالة شلل تام.
اتجهتُ نحو خزانة الملابس وفتحتها دون استئذان؛ بداخلها ملابس مرتبة بعناية، من بدلات قتالية معززة بألياف ذهبية، وأردية احتفالية، وصولاً إلى ملابس عادية تبدو باهظة الثمن بشكل لافت.
ألقى "نايت" نظرة في الداخل، وقال متأملاً: "تدري، بالنسبة لشخص كثير التباهي، فإنه يرتدي ملابس تتسم بوقار... مستغرب".
أمسكتُ بمعطف ووزنته بيدي، ثم قلت ضاحكاً: "إنه زي ملك المجرة الأصيل".
ألقيتُ به مكانه والتفتُّ إلى طاولة جانبية صغيرة تضم قطعاً أثرية، فنقرتُ على إحداها بإصبعي.
وأخيراً، عدتُ لأقف أمامه وجهاً لوجه.
كان شاباً، قوياً، وموهوباً بلا شك، بل وفوق الموهبة أيضاً. لكن تحت كل ذلك القناع، كان ثمة شيء هش؛ ليس في جسده، بل في تكوينه النفسي. حياة قضاها في التنافس ضمن بيئات منظمة ومسيطر عليها، حيث للخسارة ثمن، لكنها لم تكن يوماً قاصمة أو نهائية.
قلتُ بنبرة رصينة: "دعنا نكف عن إضاعة الوقت، أخبرني عن المجرة الرئيسية".
لم ينطق ببنت شفة.
أملتُ رأسي جانباً وأكملت: "عائلة 'غولدوينغ'.. ما مدى نفوذهم هناك؟ وآل 'فيران'، كيف هي صورتهم الحقيقية بعيداً عن دهاليز السياسة الإقليمية؟".
طبق الصمت المكان.
طوى "نايت" ذراعيه وراقب المشهد باهتمام.
تنهدتُ بهدوء ومددتُ يدي، واضعاً أصابعي برفق على يد "رين" اليمنى، وبالتحديد على سبابته.
لم يحدث وميض أو جلبة درامية.
ببساطة، تلاشت أصابعه وتحولت إلى ذرات من الضوء الذهبي، واضمحلت وكأنها لم توجد قط.
اتسعت عيناه ذهولاً، واغرورقت بالدموع على الفور، وارتجف جسده بعنف رغم قيود الفضاء المحكمة.
سحبتُ يدي ورفعتها نحو رأسه.
وقلتُ ببرود: "بعد ذلك، سأبدأ بانتزاع ذكرياتك مباشرة. وهذا سيكون أشد إيلاماً، ولن تملك حينها ترف اختيار ما تريد مشاركته".
قال بصوت متهدج ومختنق: "انتظر.. سأتحدث.. سأتحدث".
أنزلتُ يدي.
سألني "نايت" بدهشة: "هل صرت قادراً على انتزاع الذكريات الآن؟".
ضحكتُ قائلاً: "مجرد خدعة".
أفسحتُ له من المساحة ما يكفي للتنفس والكلام.
ابتلع "رين" ريقه بصعوبة، وعيناه تزيغان بيننا في ارتباك.
قال بصوت أجش: "المجرة الرئيسية... ليست كما ترونها هنا. القوة هناك تتوزع في طبقات معقدة وكثيفة. كل قوة كبرى تمتلك قديسين؛ عائلة 'غولدوينغ' وحدها تضم ستة قديسين مؤكدين على الأقل، وهناك أخبار عن وجود المزيد".
أصغيتُ إليه دون أن أقاطعه.
وتابع "رين" حديثه وهو يحاول تهدئة نبرته: "والفيرانيون هناك أكثر بأساً أيضاً؛ إنهم عصبة واحدة بطريقة لا تجدها هنا. في المجرة الرئيسية، لا يتشظون إلى عشائر نمور متناحرة أو فصائل داخلية، بل يدينون بالولاء لحكام التنانين، وهم حكام مطلقون لا يُشق لهم غبار. ما ترونه في هذه المجرة ليس سوى امتداد خارجي، مجرد طرف مهم بما يكفي للحفاظ عليه، لكنه ليس مكمن قوتهم الحقيقية".
سألتُه: "وماذا عن البقية؟ 'الناغا'؟ 'أسياد العناصر'؟".
أجاب "رين" بعد صمت وجيز: "'الناغا' حضارة ضاربة في القدم، تمتد سلالاتهم المقدسة إلى أزمان سحيقة تتجاوز كل السجلات. هم لا يعولون على الكثرة أو التوسع، بل تكمن قوتهم في... الصبر، وهذا ما يجعلهم مثيرين للرعب. أما 'أسياد العناصر'، فهم قلة في العدد، لكن قديسيهم متخصصون إلى أقصى حد؛ لا يسعون للسيطرة على مساحات شاسعة، لكن في نطاق تخصصهم، يكون تأثيرهم كارثياً وساحقاً".
أومأتُ برأسي ببطء، مستوعباً المعلومات.
ثم طرحتُ السؤال الذي كان يشغل بالي حقاً: "لماذا انتحلتَ لنفسك الفضل في إغلاق الصدع؟".
تردد "رين" قليلاً، ثم أفلتت منه ضحكة خافتة ومريرة: "لأن هذا هو العرف في موطني. لديّ إخوة كثر، وجميعنا نتنافس على الموارد، وإرث القديسين، وتفعيل سلالات الدم، والقطع الأثرية. المساهمة في مجهود الحرب لها وزنها، والسمعة هناك هي العملة الأغلى. لو بدوتُ مثيراً للإعجاب هنا، لكان لصدى ذلك أثر كبير في موطني".
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة.
وقلت: "هذا منطقي تماماً".
تراجعتُ خطوة إلى الوراء ورفعتُ يدي.
تكثف شعاع دقيق من الضوء البنفسجي عند طرف إصبعي، وكان ثابتاً وحاداً.
استقام "نايت" في وقفته، مستشعراً تحول الأجواء.
انهارت رباطة جأش "رين"، وغمر الرعب عينيه حين أدرك أخيراً مآل الأمور.
انقطع صوته وهو يحاول التماسك: "انتظر... ماذا تنوي أن تفعل؟ لا يعقل أنك ستقتلني حقاً، أليس كذلك؟ أنت لا تدرك من أين أتيت.. والدتي قديسة، وسوف تطاردك إلى أقصى أصقاع الكون إن مسستني بسوء".
رمقتُه بنظرة هادئة وسألت: "كم عدد إخوتك؟".
باغته السؤال، فتردد وارتجف حلقه وهو يبتلع غصته.
"سبعة".
أومأتُ برأسي مرة واحدة وقلت: "إذن سيبقى لها ستة بعد رحيلك".
انقبض فكه، وتحول خوفه إلى يأس مطبق، وقال بحدة جافة: "سوف تقتص منك"، رغم أن اليقين قد فارق نبرته.
سألتُه بهدوء: "هل ستفعل حقاً؟".
تسارعت أنفاسه وقال لاهثاً: "انتظر، يمكننا إبرام صفقة.. أي صفقة تريدها".
سألتُه بفضول صادق: "أي نوع من الصفقات؟".
تلعثم في حديثه: "أنا... يمكنني مساعدتك في الحصول على موطئ قدم في المجرة الرئيسية.. موارد.. علاقات.. قطع أثرية.. يمكنني أن...".
قاطعتُه دون أن أرفع صوتي: "كلام لا يسمن ولا يغني من جوع".
انحنى كتفاه وانكسر، وقال بصوت متحشرج: "لن تجني نفعاً من قتلي، فأنا مجرد ترس صغير في آلة ضخمة.. مجرد جزء لا قيمة له".
نظرتُ إلى شعاع الضوء للحظة، ثم عدتُ بالنظر إليه.
وقلتُ ببرود: "لا أوافقك الرأي؛ فبقتلك سأكسب عداء والدة من القديسين".
في تلك اللحظة، وقعت الحقيقة عليه كالصاعقة.
أدرك متأخراً جداً لماذا لم يكن تهديده رادعاً لي.
انطلق الشعاع.
أصابته الضربة في جبهته بدقة متناهية، قوة كافية لإزهاق روحه في لمح البصر.
انحنى جسده إلى الأمام، وفارقته الحياة مع رحيل أنفاسه.
أنزلتُ يدي بينما بدأ الضوء يتلاشى.
زفر "نايت" ببطء وقال: "حسناً، بهذا نكون قد حسمنا أحد أسئلة الخلافة".
استدرتُ مغادراً، بينما بدأ الفضاء يطوى حولنا من جديد.
قلت: "هيا بنا، فلا يزال أمامنا المزيد من الصيد".
تلاشت الغرفة خلفنا، ولم يتبقَّ فيها سوى الصمت ومستقبل أعيد تشكيله للتو، وسواء رضي سكان المجرة الرئيسية بذلك أم أبوا، فقد قضي الأمر.
===========================
إصدار إضافي: فصل إضافي واحد لكل 100 تذكرة ذهبية