Switch Mode

اسم موهبتي هو المولد 760

إنها جزيرة


الفصل 759: إنها جزيرة

انصرفت شيرا من أمام غرفتنا الخاصة، حيث اصطف طابور من الخدم والخادمات للترحيب بنا؛ كانوا ينتمون إلى قبائل "فيران" المختلفة، حتى أنني لمحتُ بينهم فرداً من قبيلة "الجِرذان"، وهو مشهد بدا غريباً بعض الشيء.

بدلاً من الدخول، جلتُ ببصري فيمن حولي وتمطيتُ قليلاً، ثم قلتُ بنبرة هادئة: "إذن، هل يرغب أحدكم حقاً في الراحة؟"

توقفتُ برهة، ثم أردفتُ بصدق: "لأنني لا أشعر بأي رغبة في ذلك".

انفجر راغنار ضاحكاً على الفور تقريباً، وقال وهو يبتسم ابتسامة عريضة: "ولماذا أرغب في الراحة؟ لقد أغلقنا لتوّنا صدعاً، ولا يزال الأدرينالين يتدفق في عروقي".

قوبل كلامه ببعض إيماءات الموافقة.

ضحكتُ بخفة وقلت: "حسناً، فلنستكشف الجزيرة إذن. لا أهداف، ولا خطط.. فقط.. تفرقوا واستكشفوا".

وما إن نطق لساني بهذه الكلمات حتى تسارعت الأحداث.

التفتت "ليرات" نحو "الفضي" دون تردد، وقالت وهي تشير إليه: "أنتَ ستأتي معي".

رمش "الفضي" بعينيه مباغتاً من هذه المفاجأة، لكنه نظر إلى عينيها الحمراوين المتوهجتين وأومأ برأسه.

تمتم قائلاً: "حسناً، ما دمتِ تقولين ذلك".

كانت "الفجر" هي التالية، إذ أشارت بإبهامها نحو ستيف: "ستيل، أنتَ معي".

رفع ستيف حاجبه مستنكراً: "لا أتذكر أنني وافقت على—"

لكن "الفجر" كانت قد بدأت بالمشي بالفعل، وقالت: "لقد وافقتَ لتوّك".

تنهد ستيف وتبعها على أي حال.

ألقى "الفارس" نظرة خاطفة على راغنار، فبادله الأخير النظرة. لم ينطق أي منهما بكلمة، بل هزّا أكتافهما في انسجام تام تقريباً وانطلقا معاً، وبدآ يتجادلان بهدوء حول أي اتجاه يبدو أكثر إثارة للاهتمام.

وهكذا، لم يتبقَّ سوانا نحن الاثنين.

أمالت "الشمال" رأسها قليلاً وابتسمت، ثم قالت: "حسناً، هل نذهب؟"

أومأتُ برأسي: "أجل، هيا بنا".

بدأت ملامح الجزيرة تتكشف لنا تدريجياً أثناء سيرنا.

لم تكن هذه المنطقة سياحية بالمعنى المعتاد، فلم تكن هناك لافتات صاخبة أو معالم جذب مُصطنعة، بل بدا كل شيء هنا.. مُنتقى بعناية فائقة؛ ساحات مفتوحة تنساب بسلاسة نحو الأسواق، ممرات تلتف مع انحناءات الأرض بدلاً من اختراقها، ومبانٍ صُممت لتناسب مختلف أحجام الأجسام دون أن تبدو غريبة.

لم يكن الهدف إبهار ضيوف مثلنا، بل كان الهدف أن نشعر وكأننا في موطننا.

سارت "الشمال" أمامي قليلاً في البداية، وقد شبكت يديها خلف ظهرها وهي تستوعب كل شيء بتمهل. لم يكن هذا الجزء من الجزيرة سوقاً بالمعنى التقليدي، بل كان مقسماً بوضوح إلى أحياء.

مررنا أولاً بحي "فيران"؛ شوارع واسعة، وهندسة معمارية متينة، ومتاجر مبنية من الحجر والسبائك المقواة، وعروضها تتسم بالبساطة والثقة، فهي مخصصة لأولئك الذين يقدرون الجانب العملي بقدر ما يقدرون المكانة.

بعد ذلك، امتد قسم "أكواس"؛ حيث كانت المياه تتدفق فيه بحرية، لا تحبسها قنوات، بل ترتفع لتشكل نوافير رقيقة تلتف في الهواء قبل أن تعود لتستقر في أحواض مصقولة. أما المتاجر، فكانت مداخلها محاطة بأقواس مائية تنفتح بهدوء لاستقبال الزبائن.

وكان من المستحيل ألا يسترعي انتباهك حي "العناصر"؛ حيث كان الهواء نفسه يتلألأ، وتتفتح وتتلاشى فوق الشوارع انفجارات من النار المحتواة والصقيع والبرق والكريستالات، كأنها ألعاب نارية صامتة. لا ضجيج ولا فوضى، بل عروض منضبطة للتعبير عن العناصر بتناغم تام مع المكان.

وفي الداخل، يفصل بينهما تحول طفيف في الإضاءة والملمس، يقع حي "الناغا".

كان المكان يلفه هدوء غريب.

المباني هناك كانت في غاية الأناقة والرقي، والمواد المستخدمة ناعمة وداكنة، وكل سطح مصقول حتى صار كأنه مرآة. كل شيء فيها كان يوحي بالثراء والرزانة والثقة التي لا تحتاج إلى ضجيج لتثبت نفسها.

أبطأت "الشمال" من سرعتها قليلاً عندما وصلنا إلى التقاطع بين الأحياء، وعيناها تلمعان باهتمام شديد.

قالت: "هذا المكان.. أجمل مما توقعت".

فأجبتها: "هكذا تسير الأمور عادةً؛ فقوة "الجوهر" لا تحتاج دائماً لأن تبدو عدائية".

نظرت إليّ وقالت: "يبدو أنك فكرت في هذا الأمر من قبل".

هززتُ كتفي قائلاً: "أكثر من مرة".

توقفنا أولاً عند متجر للملابس، وكان ذلك لأن "الشمال" خففت سرعتها ثم توقفت تماماً، وهي تمسح المكان بعينيها.

كان البائع رجلاً من قبيلة "فيران"، عريض الكتفين بقرون تشبه قرون الوعل، وكان يرتدي ملابس متعددة الطبقات تمزج بين القماش والصفائح المقواة بطريقة تبدو غير رسمية.

التقطت "الشمال" سترة، وتحسست القماش بين أصابعها قائلة: "هذا أخف مما يبدو عليه".

قال البائع ببساطة: "إنه نسيج متكيف، يستجيب للحركة ولتدفق "الجوهر"، ولا يقيد المرء أبداً".

استدارت قليلاً ورفعت السترة نحوي: "هذا سيبدو رائعاً عليك".

رفعتُ حاجبي متسائلاً: "هل أنتِ متأكدة؟"

ابتسمت وقالت: "أجل".

استسلمتُ لرغبتها دون جدال.

بعد دقائق قليلة، وجدتُ نفسي أمسك بقطعة ملابس لم أخترها بنفسي، بينما كانت "الشمال" تتفقد رفاً آخر. اخترتُ لها قطعة في المقابل؛ فستاناً بطبقات رقيقة مطوية، مصمماً للسرعة والحركة أكثر من كونه قطعة للزينة.

لاحظت ذلك على الفور، فقالت: "هل اخترت هذا لي؟"

"نعم".

أخذته وتأملته، ثم أومأت برأسها: "اختيار جيد".

دفعنا الثمن وانصرفنا.

تجولنا بلا وجهة محددة، نتوقف حين يلفت انتباهنا شيء، ونمضي حين لا نجد ما يثير الاهتمام.

لكن حواسي كانت في أوج نشاطها، تفحص كل زاوية وتسترق السمع لكل محادثة. لاحظتُ بعض الأمور المهمة، وتحديداً اقتراب موعد ميلاد شخص عزيز، فدوّنتُ الملاحظة في ذهني لأستكشف الأمر لاحقاً.

وفي لحظة ما، توقفت "الشمال" أمام متجر صغير للتمائم يقع بين مبنيين ضخمين؛ كان الهواء في الداخل يعبق برائحة القدم.

كان البائع عجوزاً بمعايير "فيران"، فراؤه باهت اللون، لكن عينيه كانتا حادتين رغم ثقل السنين. كان متجره غاصاً بالقلائد والخواتم والتمائم، وكل قطعة منها تحمل صدىً خافتاً ومميزاً.

قال لنا ونحن ندخل: "هذه القطع كلها أصلية، لا زيف هنا ولا زينة لا نفع منها".

التقطت "الشمال" تميمة صغيرة منحوتة من عظم داكن، منقوشة بعلامات حلزونية باهتة، وسألت: "من أين هذه؟"

ابتسم البائع ابتسامة خفيفة وقال: "هذه عظمة "هيدرا" قديمة عاشت منذ أكثر من مليون عام. نفق الوحش في كارثة طبيعية، لكن "الجوهر" الذي امتصه لم يتلاشَ تماماً. إنها تجلب الحظ السعيد وتمنح الدفء في العلاقات".

نظرت إليّ وقالت: "ما رأيك؟"

ركزتُ انتباهي للحظات، وسمحتُ لإدراكي أن يلامس القطعة، ثم قلت: "لا بأس بها".

أومأت برأسها راضية واشترتها.

ثم اخترتُ قطعة أخرى، فكان البائع يراقبني عن كثب.

قال البائع: "هذه من وحش بحري ضخم كان يسكن الأعماق، وهي تمنح صاحبها قدرة عالية على التحمل وتدوم طويلاً".

سلمتها إلى "نورث" (الشمال) قائلاً: "هذه لكِ".

خفت حدة تعابير وجهها قليلاً وقالت: "شكراً لك".

غادرنا المتجر وواصلنا السير حتى انفتح الطريق في نهايته على مشهد بانورامي واسع؛ حيث كانت الجزيرة تنحني من تحتنا بلطف نحو البحر، بينما تبحر السفن فوق رؤوسنا في ممرات بعيدة.

استندت "الشمال" إلى الدرابزين، وداعبت رياح المحيط خصلات شعرها وهي تهب من عرض البحر.

قالت بهدوء: "إنه شعور.. مريح حقاً".

أومأتُ برأسي موافقاً: "عندما نبني قاعدة خاصة بنا، أريد شيئاً كهذا. جزيرة خاصة، لنا وحدنا. ما رأيك؟"

ألقت نظرة خاطفة عليّ، وارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة.

ضحكتُ بخفة وأضفت: "أو أكثر من ذلك إن شئتِ؛ كوكب بأكمله، أو قارة".

أومأت ببطء وقالت: "لا.. بل مجرد جزيرة؛ فهي تذكرني بالوطن".

نظرتُ إليها للحظة، ثم وضعتُ ذراعي حول كتفيها.

قلتُ: "إذن، فلتكن جزيرة".

=================

عزيزي القارئ، يسعدني أن أشارككم أنني بدأت بنشر كتابي الجديد:

(الصعود الرمادي: اللهب المنقسم)

تفضلوا بقراءته.

شكراً لكم!



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط