الفصل 755: خلف الكواليس
تحرك الفيرانيون بفعالية كبرى فور استتباب الأوضاع.
انتشرت فرق الإنقاذ في أرجاء ما تبقى من القاعدة، لانتشال الجنود المصابين من مواقعهم المحطمة، وتقديم الإسعافات اللازمة، ومباشرة عمليات الإجلاء. وفي الوقت ذاته، شرع خبراء "الرونز" في تقييم ما تبقى من البنية التحتية الدفاعية، وحصر الحطام لجمعه لاحقاً، وتطهير المسارات لتأمين ممرات الإخلاء الضرورية. ورغم أن صدمة ما حدث كانت لا تزال تخيم على الوجوه، إلا أن الانضباط العسكري سرعان ما فرض سيطرته.
لقد اعتادوا ويلات الحرب.
لكنهم لم يختبروا قط قتالاً ينتهي بهذا الحسم والنقاء.
لم نمكث طويلاً.
فبينما كانت قوات "فيران" تعيد تنظيم صفوفها، انسحبنا جميعاً إلى السفينة. وما إن أُغلق الباب خلفنا، حتى خفتت جلبة ساحة المعركة. وفي الداخل، تبدل التوتر المشحون بالقتال إلى أجواء أكثر هدوءاً، بيد أنها كانت مثقلة بالأفكار العميقة.
كسرت "نورث" حاجز الصمت أولاً.
سألت وهي تتكئ على الجدار، عاقدةً ذراعيها بارتخاء: "هل من الصواب حقاً أن نتوجه إلى هناك مباشرة؟ أعني فيرادروس."
أومأتُ برأسي إيجاباً: "لا بأس بذلك."
انتظرت هي، وكان من الجلي أنها تتوقع شرحاً وافياً.
تابعتُ قائلاً: "لن يطول مكوثي هناك، لكنني أريد أن أعاين طريقة عمل الفيرانيين من الداخل قبل أن نخطو أي خطوة استراتيجية. أريد أن أسمع كيف يتحدثون، وأعرف أولوياتهم، وأكتشف ما يخفونه."
رفع "ستيف" بصره من موقعه، والشرود يبدو على محياه: "إذن، نحن لا نلزم أنفسنا بأي تعهدات."
قلتُ مؤكداً: "بالضبط، نحن في مهمة مراقبة فحسب."
اقتربت "داون" من لوحة التحكم المركزية، وعيناها تعكسان خريطة النجوم وهي تدور ببطء، ثم سألت: "وما هو المبتغى إذن؟ على المدى البعيد، أقصد."
لم أجبها على الفور.
خارج نطاق الرؤية، امتد الفراغ اللامتناهي، هادئاً وساكناً بعد أن أُغلق الصدع. بدا "القطاع صفر" مختلفاً عن سائر "مجرة الحلزون الأزرق"؛ كان أكثر إحكاماً، وأشد خضوعاً للرقابة، وكأن الفضاء نفسه كان يترصد كل حركة.
قلتُ أخيراً: "الهدف بسيط؛ خطوتنا التالية يجب أن تضعنا في مكانة لا يستطيع أحد في هذه المجرة معها تجاهلنا."
أطلق "ستيف" زفيراً هادئاً: "هذا... طموح جامح."
أجبتُه: "لا بديل عن ذلك. فبحلول نهاية خطوتنا القادمة، أريد لـ 'نظام المطلق' أن يكون القوة المهيمنة في مجرة الحلزون الأزرق، ليس فقط عسكرياً، بل نفوذاً وسلطة أيضاً."
سأل "راجنار": "وكيف سنحقق ذلك؟"
استدرتُ قليلاً لتلتقي عيناي بعينيه: "لا أعرف السبيل بعد."
لم أجد غضاضة في الاعتراف بذلك.
وتابعتُ: "سنكتشف ذلك عبر سبر أغوار هذه المجرة، بالتوغل في معاقلها الحيوية؛ الفيران، الناغا، والعنصريين. سنقيس حدودهم، ونرصد تصدعاتهم، ونراقب ردود أفعالهم. وبينما نفعل ذلك، سنواصل نمونا وتطورنا."
أمالت "نورث" رأسها متسائلة: "وماذا لو قاوموا؟"
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة: "حينها سنتكيف مع الوضع، مهما كلّف الأمر."
أثارت كلماتي ضحكة مكتومة من "ستيف": "هذا منطق يبعث على الاطمئنان."
قلتُ: "هذا هو الواقع. لا يزال 'الناغا' العرق الأقوى هنا، بينما يطمح 'الفيرانيون' إلى إزاحتهم والحلول محلهم. أما 'العنصريون' فيظنون أن بمقدورهم موازنة الكفتين وهم يحركون الخيوط من وراء الكواليس. لا أحد منهم يتوقع ظهور متغير جديد يضرب بفرضياتهم عرض الحائط."
ازدادت ملامح "داون" حدة وقالت: "والخالدون."
وافقتُها الرأي: "نعم، تلك هي الحرب الحقيقية. وكل ما سواها ليس إلا تمهيداً وتحسيناً للمواقع."
********* [من وجهة نظر شيرا]
اتصلتُ بـ "فيرادروس" فور استقرار الأوضاع في ساحة المعركة.
استجابت غرفة العرض على الفور، وتكثف الضوء في الهواء أمامي مع استقرار منظومة الاتصالات على قنوات مشفرة. تشكلت الأطياف واحداً تلو الآخر؛ خمسة شخصيات في المجموع، كل منهم يمثل رتبة رفيعة في قيادة "فيران". سلالات متباينة، وفصائل مختلفة، لا يجمع بينهم سوى سطوة السلطة.
أمالتُ رأسي قليلاً، ثم وقفتُ باعتدال.
قلتُ: "لقد تم إغلاق الصدع من الدرجة الرابعة الذي واجهناه."
أثارت هذه الجملة وحدها جلبة واضحة.
أضفتُ بهدوء: "دون وقوع أي خسائر في صفوف الفيران، ولا حتى إصابة واحدة مؤكدة."
ساد صمت مطبق للحظة، قبل أن تتسلل نبرات الإنكار إلى الجمع.
قال أحدهم، وهو يمتلك جسداً ضخماً يشبه جسد الثور وتتموج طاقة مقيدة عبر كيانه: "هذا مستحيل. حتى شعب 'الناغا' يدفع أثماناً باهظة في عمليات بهذا الحجم."
أجبتُ بصرامة: "أنا أعرف ما رأيت. لقد أُغلق الصدع تماماً؛ لم ينهر ولم يتزعزع، بل أُرتج إرتاجاً."
انحنى آخر إلى الأمام، وبرزت ملامحه التي تشبه ملامح الطيور: "تدخل خارجي؟"
"نعم."
سأل أحدهم: "وهل سمحتِ بذلك؟"
صححتُ له قائلة: "لم أمنعه، ولم أكن لأفعل أصلاً."
شرحتُ لهم ما علمته من "كيبال" بالتفصيل؛ بدءاً من الاختراق المفاجئ للدرع، ومروراً بسرعة هجومهم الخاطف، وكيف تم تغيير مسار المعركة بدلاً من مجرد الانخراط فيها، وصولاً إلى أسر "الخالد".
وعندما ذكرتُ أن كل عضو في تلك المجموعة كان في مرتبة "المتسامي"، خيم وجوم ثقيل على الغرفة.
سأل ذو الملامح الطيرية بهدوء: "كلهم؟"
قلتُ: "نعم، بلا استثناء."
قال صوت آخر: "هذه ليست فرقة مرتزقة، هذه قوة ضاربة."
تابعتُ حديثي: "يطلقون على أنفسهم اسم 'نظام المطلق'، وزعيمهم يُدعى بيليون أيرون هارت."
ارتسمت علامات المعرفة على وجوه عدة.
تمتم أحدهم: "دراغوس."
وأضاف آخر: "والعنصريون بدأوا بمراقبته أيضاً."
أومأتُ برأسي: "لقد وجهتُ إليهم دعوة رسمية لزيارة فيرادروس."
وهنا انفجر الجدال في القاعة.
صاح أحد المنتمين لسلالة الثور: "هل دعوتِهم إلى هنا دون إجماع منا؟"
رد ذو الملامح الطيرية فوراً: "هذا قد يقلب موازين القوى، إذا أحسنا استغلال هذه الفرصة."
قاطعه آخر محذراً: "أو قد يزعزع استقرارنا بالكامل. لا يمكننا إدخال متغير مجهول بهذا الحجم إلى قلب أراضي فيران."
تركتُهم يتشاجرون.
تحدث البعض عن الفرصة السانحة لاستخدام "نظام المطلق" كسلاح فتاك ضد "الناغا"، بينما حذر آخرون من الغطرسة، ومن مغبة الخلط بين قوة ذاتية لا تحتاج إلى إذن، وقوة تقبل بالخضوع للإشراف.
ولم يتم التوصل إلى أي اتفاق.
بقي أحد الصور المجسدة صامتاً طوال الوقت؛ كان فيرانياً مديد القامة، ملامحه غير واضحة حتى عبر الإسقاط الضوئي، وهالته منكمشة بشدة لدرجة أنها لا تشي بشيء. كان يراقب ويصغي فحسب.
قلتُ عندما بدأت الأصوات تخبو أخيراً: "لم يقبلوا الدعوة بعد، فهم متمسكون بمواقعهم."
أثار هذا التصريح قلقهم من جديد.
أمر أحدهم: "راقبوهم عن كثب."
وأضاف آخر: "وجهزوا خطط الطوارئ البديلة."
أخيراً، نطق الفيراني الصامت قائلاً بهدوء: "يمكننا الاستعانة بهم في رحلتنا الاستكشافية القادمة. سيعطينا هذا ميزة استراتيجية على شعب الناغا، إن نجحنا."
تلاشت الصور المجسدة بعد لحظات، تاركةً إياي وحيدةً في الغرفة.
مكثتُ هناك لبرهة، أحدق في الفراغ.
كانت الأحداث تتلاحق بسرعة مذهلة؛ "المنطقة القرمزية" تم تفعيلها للتو، والصراعات الداخلية آخذة في التصاعد، وفقدنا الاتصال ببعثتنا الاستكشافية، والآن يظهر هذا المتغير الجديد.
زفرتُ الصعداء، ثم غادرتُ للقاء الزعيم البشري لـ "نظام المطلق".