الفصل السادس والأربعون: انتكاساتٌ لا تنقطع
«اذهب إلى الجحيم!» نادراً ما كان كبير الطهاة "وو " يطلق اللعنات ، لكنه هذه المرة ، وقد استفزه "سو شوان " حتى بلغ منه الضيق مبلغه لم يتمالك نفسه ، فالتقط ملعقة معدنية من على الطاولة وقذف بها نحو رأس "سو شوان ".
سخر "سو شوان " في قرارة نفسه: «ما أكثر الأغبياء في هذا العالم! هل يجرؤ طباخٌ مغمورٌ على مد يده إليّ ؟»
فجأة ، خيّم وجومٌ ثقيل على المطبخ الصاخب. حيث توقف الطهاة ومساعدوهم عن العمل ، وتعلقت أنظارٌ لا حصر لها ، يملؤها الفضول والذهول ، بـ "سو شوان " وكبير الطهاة "وو ". في تلك اللحظة ، تطايرت بضع قطرات من الزيت من الملعقة الطائرة لتلطخ ملابس "سو شوان ".
بملامح مكفهرة ونظرة غاضبة ، التقطت يد "سو شوان " اليسرى حبة خيار. أمرٌ مثالي ؛ فالسيد الحقُّ يستطيع تحويل أي شيء إلى سلاح. وبحركة رشيقة من معصمه ، قذف "سو شوان " الخيارة التي دارت حول نفسها بسرعة خاطفة لتطيح بالملعقة المعدنية بعيداً.
«لسانك سليطٌ للغاية ، دعني أغسله لك». وبخفة ، التقط مغرفة من الطاولة ، وغرف بها ماءً مغلياً من القدر ، وفي لمح البصر ، قبض على وجنتي "الكبير الطهاة وو " مجبراً إياه على فتح فمه الذي كان فاغراً من الصدمة والذعر ، ولكن هيهات ، فقد فات الأوان.
سار كل شيء بسلاسة كجريان الماء ، وفي أقل من ثانيتين كان لسان "الكبير الطهاة وو " قد أصيب بحروقٍ شديدة ، وغصَّ بماء الساخن الذي ملأ حلقه ، بينما انهمرت الدموع من عينيه.
تسمر الحاضرون في أماكنهم من هول ما رأوا ، بينما وضع "سو شوان " المغرفة جانباً وأطلق سراح "وو " الذي راح يبصق الماء الساخن ممزوجاً بقطرات من الدماء.
«ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم ؟!» انطلقت هذه الكلمات بنبرة غاضبة ومألوفة ، التفت "سو شوان " جانباً ليرى "تشين وان تشنج " وهي تدخل المكان.
لم يتبقَّ على بدء المأدبة رسمياً سوى ساعتين ، ولم تكن "تشين وان تشنج " قلقة بشأن مهارات "سو شوان " في الطهي ، بل جاءت لتطمئن على بقية الأطباق ، ولم تكن تتوقع أن تجد هذا الشجار القائم بينه وبين "الكبير الطهاة وو ". شعرت "تشين " بوخزٍ من تأنيب الضمير ، ملقيةً اللوم على نفسها لسهوها عن الضغائن القديمة بينهما.
كان الجميع في مبنى "القمر المضيء " يعرفون حدة طبع "الكبير الطهاة وو " السيئة السمعة ، ولكن هذا كان أمراً متوقعاً ؛ فالموهوبون والمغرورون موجودون في كل مهنة.
وبمواجهة "تشين وان تشنج " التي اقتربت ، قال "سو شوان " بنبرة هادئة: «لا شيء يذكر ، كما رأيتِ ، أراد كبير الطهاة "وو " أن يلقنني درساً ، فساعدته في غسل فمه».
كان "الكبير الطهاة وو " وجهه أحمر قانياً ، ولم يستطع إغلاق فمه بسبب الحروق ، ولولا أن الآخرين أمسكوا به ، لقاتل "سو شوان " حتى الموت. ذُهلت "تشين وان تشنج " ولم تشأ أن يتفاقم الوضع أكثر ، فرمقت "سو شوان " بنظرة ذات مغزى ، فهمها على الفور وأتبعها بضعة أمتار بعيداً عن الأنظار.
«أنا آسفة لما حدث لم أضع هذا في الحسبان ، وجعلتُ الأمور صعبة عليكِ» ، اعتذرت "تشين وان تشنج " وهي تثبت عينيها عليه. حيث كانت تغمرها الحيرة: ماذا ستفعل الآن ؟ فإذا رحل "الكبير الطهاة وو " ستكون خسارة فادحة لمبنى "القمر المضيء "!
«لستُ أنا من يعاني. أمثاله كان يجب طردهم منذ زمن طويل ، فالسمكة الفاسدة تُفسد الصندوق كله». بعد قوله هذا ، عاد "سو شوان " إلى الحشد. «أطباق الليلة الرئيسية السبعة من ابتكاري ، والضيوف هم من سيحكمون على جودتها». وبعد أن وجه كلامه للجميع ، نظر مجدداً إلى "الكبير الطهاة وو ".
كان "وو " يشعر بأن حلقه يحترق ، والألم يمنعه من النطق ، بينما امتلأت عيناه بالغيظ وكأنه على وشك الانفجار من شدة الإهانة. بابتسامة خبيثة ، قال "سو شوان ": «أما أنت يا كبير الطهاة "وو " فقد أحضرتني السيدة "تشين " إلى هنا ، وليس من شأنك أن تأمرني أو تنهاني. إن كنت لا ترغب في العمل ، يمكنك الرحيل فوراً».
«سيد "سو " أرجوك لا تغضب ، اهدأ قليلاً. لم يقصد "الكبير الطهاة وو " ذلك» ، حاول السيد "تشين " تلطيف الأجواء.
رد عليه "سو شوان " ببرود: «إذن ، لمَ لا ترحل أنت بدلاً منه ؟» فخطف الشحوب وجه السيد "تشين " ؛ فمن ذا الذي يفرط في عمله برغبةٍ منه ؟
«الآن ، اسمعوا اقتراحي» ، قال "سو شوان " وهو يصفق بيديه بخفة: «لقد أعددتُ الأطباق ، فإذا وجدها الضيوف لذيذة الليلة ، فلا مكان لكبير الطهاة "وو " هنا بعد الآن. و لقد بدأ هو بالشجار ، وقد رأيتم جميعاً ، ولا يمكنني تجرع هذه الإهانة».
لم يجرؤ أحد على التفوه بكلمة خوفاً من إغضاب "الكبير الطهاة وو ". مسح "سو شوان " الوجوه بنظراته ثم قال بلا مبالاة: «وإذا قال الضيوف إن أطباقي ليست لذيذة ، أعدكم ألا تطأ قدماي مبنى "القمر المضيء " مجدداً. هل هذا عادل ؟»
«عادل!» بادر أحدهم بالموافقة ، ثم سرت الهمسات بين الحشد ، واعتبر الجميع تقريباً اقتراح "سو شوان " منطقياً. بينما كانت وجنتا "الكبير الطهاة وو " تحترقان غيظاً ، في ألمٍ أشد من حروق حلقه.
«يمكنكم العودة لعملكم ؛ فكل شيء هنا تحت سيطرتي» ، طمأن "سو شوان " "تشين وان تشنج " بابتسامة مريحة. حيث كانت ممزقة بين القلق ، فهي لا تريد خسارة طاهٍ متميز ، لكنها شعرت بأن "سو شوان " أدار الموقف ببراعة وكسب ود الحاضرين.
بعد مغادرة "تشين وان تشنج " ساعد السيد "تشين " "الكبير الطهاة وو " للتوجه إلى غرفة الاستراحة ، بينما استأنف طاقم المطبخ عملهم تحت إشراف "سو شوان ".
بعد الخامسة وخمس دقائق ، عُرضت الأطباق السبعة المميزة على طاولة التقديم ، وقد اكتست بألوان وروائح فاتحة للشهية ، جذبت أنظار بقية الطهاة.
قال "سو شوان " بهدوء: «أسدوا لي معروفاً ، خذوا جزءاً من هذه الأطباق السبعة وقدموها لكبير الطهاة "وو "».
سارع الطهاة للعمل ، وانتهز أحد الطهاة الشبان المهرة فرصة انشغال "سو شوان " ليتذوق طبقين خلسة. «هذا لذيذ جداً!» سألت لعابه من لذة المذاق ، وارتسم الذهول على وجهه ، فقد لم يتذوق يوماً خيار بحر أو سمك قدٍ بهذا المذاق.
لم يكترث "سو شوان " بـ "الكبير الطهاة وو " ولا بالـ "معركة " بينهما ، فكان واثقاً من مهارته كل الثقة ، ومنشغلاً بتنسيق عمل الطاقم. اقترب موعد المأدبة ، وبدأت الأطباق الفاخرة توضع في أوانٍ مصممة بعناية. ألقى "سو شوان " نظرة فاحصة ، ومسح حبات العرق عن جبينه ، ثم ابتسم راضياً.
«مرحباً بك يا سيد "تشانغ " في مبنى "القمر المضيء "» ، قالت "تشين وان تشنج " بابتسامة للرجل الذي ترجل من سيارة "مرسيدس " مرحبةً به عند الباب بلياقة. حيث كانت تقف خلفها ست مضيفات مسؤولات عن مرافقة الضيوف المرموقين ، وكان كل شيء معداً بإتقان. وبصفتها رئيسة الشركة وواجهتها كانت "تشين وان تشنج " بجمالها الآسر ترحب بالضيوف بنفسها ، في لفتةٍ تدل على بالغ الاحترام.
كانت "قاعة القمر الأحمر " في الطابق الثالث جناحاً خاصاً غير مفتوح للعامة ، بَدَت فخامة ديكوراته واضحة ، وإلى جانبيه غرفتان خاصتان لا تفتحان إلا في ظروف خاصة لاستقبال ضيوفٍ من العيار الثقيل. وصل العشرات من الضيوف تباعاً ، ورافقتهم المضيفات إلى داخل المبنى.
في "قاعة القمر الأحمر " كانت "تشين وان تشنج " ترافق آخر ضيفٍ وهو نائب الرئيس "هي " من مجموعة "تشيتينغ ". كانت الطاولة التي تتسع لثمانية عشر شخصاً ممتلئة تماماً. حيث كانت المجاملات في مثل هذه المناسبات أمراً معتاداً بالنسبة لـ "تشين وان تشنج " فكانت ابتسامتها مشرقة ورقيقة وهي تبدأ أطراف الحديث ، وسرعان ما أصبح جو الطاولة حيوياً بنقاشات رجال الأعمال الناجحين.
ومع تقديم الأطباق تباعاً إلى القاعة ، شعرت "تشين وان تشنج " بقلقٍ خفيف ، لكنها حدثت نفسها "أنا أؤمن أنه قادر على ذلك! ".
«سيد "هي " هذا الطبق لذيذ حقاً. لم أتذوق قط أسلوب طهي كهذا. خيار البحر طري وشهي ، وهناك نكهة لا توصف في مذاقه ، يجب أن تجربه!» قالت إحدى السيدات رئيسات الشركات للرئيس "هي " ضاحكة.
«هذا الطبق رائع! وسمك القد لذيذ جداً!»
«أنا راضٍ جداً عن هذا الكركند!»...
وسط قرع الكؤوس ، تعالت عبارات الثناء والتأكيد على جودة الأطباق. حيث كانت أذواق هؤلاء الرؤساء رفيعة ، ومع سماع هذه التعليقات ، شعرت "تشين وان تشنج " بإثارة لا توصف ، وتخيلت "سو شوان " في ذهنها. وبصفتها مضيفة المأدبة كانت "تشين " كريمة ومباشرة ، وقد نال سلوكها كسيدة أعمال قوية إعجاب الرؤساء الآخرين. وبينما كانوا يشربون ويتجاذبون أطراف الحديث ، تعاملت "تشين وان تشنج " مع الأمر بكل سهولة حتى احمرَّ وجهها من شرب النبيذ دون أن تشعر بعدد الكؤوس التي احتستها.
في هذه الأثناء ، خارج مبنى "القمر المضيء " كان الليل يلف المكان بضبابيته. و بعد أن انشغل "سو شوان " طوال الوقت دون أن يجد فرصة لتناول العشاء ، خلع زيه الرسمي وارتدى ملابسه الخاصة ، وخرج ليمشي خارج المبنى ويجلس مسترخياً عند حوض الزهور.
وبالمصادفة ، نزل مساعد "تشين وان تشنج " ليرى "سو شوان ". كان قد رآه حين رافق "تشين " إلى مركز الشرطة ، فظل وجهه الوسيم عالقاً في ذاكرته. «سيد "سو " ماذا تفعل هنا ؟» سأل المساعد بحيرة.
رفع "سو شوان " رأسه ورد بابتسامة متفاجئة: «أين يفترض بي أن أكون إذن ؟»
«الرئيسة "تشين " سكرى ، وقد نزلت لشراء دواء للصداع لها» ، قال المساعد موضحاً سبب نزوله.
على الرغم من أن المتحدث لم يقصد سوى الإخبار إلا أن المستمع أبدى اهتماماً كبيراً. بمجرد أن علم بأن "تشين وان تشنج " تحت تأثير الكحول ، اتخذت ملامح "سو شوان " طابعاً أكثر جدية ، وبعد لحظة تفكير سأل: «هل ما زالت تستقبل الضيوف ؟»
«أعتقد أن الأمر انتهى تقريباً. و قالت لي الرئيسة إنها لا تشعر أنَّها بخير وطلبت مني إحضار الدواء» ، أجاب المساعد ببلادة.
«لا داعي لذلك سأهتم أنا بالأمر».
دون انتظار رد فعل المساعد ، نهض "سو شوان " واندفع إلى ردهة المبنى ، وقلبه يفيض قلقاً على "تشين وان تشنج ". عند مدخل "قاعة القمر الأحمر " كان الضيوف يغادرون تدريجياً. وما إن وصل "سو شوان " إلى الممر وأبطأ خطاه حتى رأى الرؤساء الثلاثة الرئيسيين يتقدمون ، وكانت "تشين وان تشنج " يستند إليها رجل في الثلاثينيات من عمره.
من بعيد لم يستطع "سو شوان " سماع حديثهما ، لكنه رآها تترنح وتميل إلى جانب واحد ، بينما كان وجهها متورداً ، والرجل بجانبها يبتسم ويلمسها بألفةٍ زائدة ، فارتفعت في قلبه موجةٌ من الغيرة.
انفجرت نيران الغضب في صدر "سو شوان " "أتتجرأ على التقرب من امرأتي ؟ لقد مللتَ من حياتك إذن! "