"بوم! " لم تكد السفينة الحربية "بروناس رقم 3 " تصاب بطوربيد وتغمرها المياه حتى بدأت تجنح وتستقر في قاع الميناء ، وما إن مضت لحظات حتى دوت انفجارات مروعة من جانب السفينة الحربية "بروناس رقم 2 ".
التهم الانفجار البحارة الذين كانوا على سطح السفينة ، وتطايرت أجزاء من الهيكل في الهواء معهم. ساد الذهول الجميع ، ولم يدرِ أحدٌ ما حدث ، غير أن قلةً قليلة أدركت أنهم قد تعرضوا لهجوم. و لكن مهلاً! هذا هو ميناء "بروناس " العسكري ؛ وهناك مدمرات دورية تراقب الخارج ، فكيف تمكن العدو من شن هجوم دون أن يُطلق أي إنذار ؟
في لمح البصر ، دوى انفجار هائل آخر ؛ فقد أصيبت السفينة الحربية "بروناس رقم 2 " بطوربيد ثانٍ. انفتحت جوانب السفينة -التي افتقرت إلى تصميم دفاعي كافٍ ضد الطوربيدات- لتغمرها المياه بغزارة ، وبدأت السفينة الحربية بأكملها تميل. و تدفقت مياه البحر كالسيول عبر الشقوق الملتوية في الصفائح الفولاذية ، وملأت على الفور الحجرات المضادة للمياه. ونظراً لأن العديد من أبواب الحجرات قد دمرها الانفجار لم تستغرق المياه وقتاً لتغمر الممرات وتنتشر في أرجاء السفينة.
كان تدفق المياه سريعاً للغاية ، إذ إن التأثير التدميري للطوربيد فاق تأثير القذائف بمراحل ؛ لأن الضرر كان تحت خط الماء ، فما لا تستطيع عشر قذائف فعله ، يفعله طوربيد واحد بسهولة. حيث كان الأمر أشبه بفيضانات "بلاد تانغ " الجارفة ؛ إذ ابتلعت المياه المتدفقة إلى المقصورات الكراسي والأسرّة المعلقة ، والبحارة المستريحين ، والقذائف الثقيلة ذات العيار الكبير التي تناثرت بفعل الاهتزازات. تلك القذائف من عيار 350 ملم ، والتي أصبحت الآن غارقة في الماء ، قد نجت على الأقل من خطر الانفجار التعاطفي.
سرعان ما غمرت المياه غرفة المحركات ، حيث أُصيب الوقادون والبحارة بالارتباك والذهول من شدة الانفجار وتدفق المياه المباغت. حاول الجنود الهرب بجنون ، لكن الأبواب المضادة للمياه التي لم تُغلق في الوقت المناسب لم تفلح في كبح تدفق المياه ، مما أدى سريعاً إلى غمر الحجرات السفلية بالكامل. ومع تتابع الانفجارات ، الأول فالثاني فالثالث ، أضحت كل محاولات إنقاذ السفينة بلا جدوى ، حيث أدى تدفق المياه الذي لا يمكن السيطرة عليه في الطوابق السفلية للبارجة إلى ميلٍ حاد لا رادّ له.
لم تكن سفن حربية ذلك العصر تمتلك دفاعات تحت مائية ضد الطوربيدات ، بل إن دفاعاتها السفلية كانت قد قُلصت عمداً لتخفيف الوزن ، مما جعلها عرضة للهجمات الطوربيدية بشكل استثنائي.
بثلاثة انفجارات مروعة ، مالت السفينة الحربية "بروناس رقم 2 " بزاوية تقارب خمساً وأربعين درجة ، وسرعان ما غطس أحد جانبي سطحها في الماء. ولحسن الحظ ، وبما أنه ميناء طبيعي لم يكن عمق المياه يتجاوز عشرة أمتار ؛ فقد كانت "بروناس رقم 3 " قد استقرت في قاع البحر ، وما زال جسرها ومدخنتها مرئيين ، ولم تغرق بالكامل. أما "بروناس رقم 2 " فكان من غير المرجح أن تغرق كلياً ؛ إذ استقر جانب منها على قاع البحر ، بينما بقي الجانب الآخر طافياً جزئياً ، في منظر يبعث على الشفقة.
بحلول هذا الوقت ، أدرك حتى البليد أن ما حدث ليس مجرد حادث عرضي. ونتيجة لذلك رفعت كل السفن الحربية الراسية في الميناء مراسيها وأبحرت ، مما حول الميناء بأسره إلى ساحة من الفوضى. وفي الماء كانت هناك أصوات تستغيث ، لكن السفن الحربية الشاهقة لم تكترث لحياة هؤلاء الرجال ، بل انطلقت مسرعة بعيداً عن هذه المنطقة الخطرة. وأشارت البارجتان "بروناس رقم 1 " و "بروناس رقم 4 " للسفن المجاورة بالأعلام ، طالبة الحماية.
"لا فرصة الآن! بدأت سفن العدو بالتحرك! " تمتم قبطان الغواصة (يو-11) بإحباط وهو يشاهد ضياع زاوية الهجوم. حيث كان يأمل في قنص سفينة حربية أخرى ، لكن سرعة غواصته البطيئة تحت الماء جعلته يضيع فرصة الهجوم المثالية. فلم يجد بداً من الالتفاف بالخلف ، مستخدماً إنبوبي الطوربيد في المؤخرة ليجرب حظه. وبعد إطلاق طوربيدين آخرين ، استنفدت الغواصة (يو-11) كل ما لديها من طوربيدات جاهزة ، وإعادة التلقيم ستستغرق وقتاً طويلاً. ولكي لا يكتشفه العدو ، سحب القائد منظار الغواصة وقاد غواصته ببطء نحو عرض البحر.
في غمرة الفوضى كان السماء قد أظلمت تماماً ، وراحت الكشافات الضوئية تمسح سطح الماء ذهاباً وإياباً ؛ فالجميع يبحث عن "المخربين " الأعداء. نعم ، بعد سؤال العديد من مدمرات الدورية الخارجية ، افترض قادة الأسطول أن الانفجارات الغامضة كانت من صنيع جواسيس أعداء. ففي النهاية لم يكن ممكناً لسفن العدو التسلل بصمت إلى ميناء محصن ، لذا أصبح التخريب الداخلي أو تسلل مجموعة صغيرة هو الاحتمال الأكثر منطقية.
بينما كان الجميع يخوضون لعبة "المستذئب " المثيرة على متن سفنهم الحربية ، قامت طرادة -كانت قد تحركت لتوها لتأمين جانب السفينة الحربية "بروناس رقم 4 " وهي السفينة القائدة للأسطول الرئيسي لإمبراطورية "لاينز "- بمسح أثرٍ أبيض على سطح الماء بكشافها. قطب البحار المسؤول عن الكشاف حاجبيه ، ثم أعاد توجيه الضوء نحو الأثر ، متأكداً من وجود هذا المسار غير المعتاد ، ووجه الضوء بدقة أكبر ، محاولاً تحديد نهايته.
لكن ، بحلول الوقت الذي رأى فيه الأثر وهو يتجه نحو جانب طرادته بسرعة خاطفة كان الأوان قد فات. و اتسعت عيناه رعباً حين اقترب شيء مجهول من جانب السفينة ، أعقبه انفجار مزق الهيكل إرباً ، وقُذف هو نفسه في الهواء بفعل الهزة العنيفة. ومع تصاعد أعمدة الماء على جانبيها ، رُفعت الطرادة من المنتصف بفعل الانفجار ، وانحنى مقدمها ومؤخرتها بزاوية غريبة ، ثم ما إن سقط الجزء الأوسط المرتفع حتى رُفع طرفا السفينة الحربية عالياً بفعل الأمواج مرة أخرى.
شهد أميرال بحرية إمبراطورية "لاينز " الذي كان قد وصل للتو إلى الجسر مُهيئاً أسطوله للمعركة ، ذلك الانفجار ، ورأى الطرادة أمامه تنطوي إلى نصفين أمام عينيه مباشرة. أعقب ذلك انفجار آخر أصاب الطرادة المتحطمة مجدداً ، وابتلعت الانفجارات مؤخرتها التي كانت لا تزال مضطربة. تصاعد عمود مائي شاهق وصل لنحو مئة متر حتى إن مياه البحر المتساقطة ارتطمت بنوافذ جسر سفينته القائدة.
"أين العدو ؟ اعثروا على الجواسيس المتربصين الذين خربوا السفينة! " صاح أميرال إمبراطورية "لاينز " وهو يجز على أسنانه غضباً ، مقبضاً على يديه ، ومصدراً أوامره كلمة بكلمة. فلم يكن قد سمع صفير القذائف ، ولم يرَ أي سقوط لها ؛ لذا آمن بأن الأمر لا بد أن يكون تخريباً ، وعليه العثور على أولئك المخربين الملاعين!
"سيدي! و لم ترصد المدمرات الموجودة في الدورية المحيطة أي سفن حربية للعدو! ولم يسمعوا أي قصف مدفعي ، ولم يروا أي وميض نيران " هكذا أبلغ ضابط بقلق. وأضاف ضابط آخر في تقريره فوراً "المدمرات في المحيط تبحث على السطح ولم تعثر على أي قوارب صغيرة مشبوهة... "
أصدر الأميرال سلسلة من الأوامر "كثفوا الدوريات في الداخل! حراس مسلحون! جميع الأفراد النشطين يتحركون في مجموعات لا تقل عن ثلاثة! راقبوا بعضكم بعضاً! امنعوا أي تخريب متعمد للسفن الحربية! " فقد كان عاجزاً عن استبعاد فرضية التخريب الداخلي. ففي النهاية كان من المعروف أن رجال استخبارات "بلاد تانغ " موجودون في كل مكان ، ولا يمكن استبعاد احتمال تخريب الطاقم الداخلي في ظل ظروف مجهولة.
ومع وضع هذا في اعتباره ، واصل الأمر "افحصوا كل زاوية في السفينة! وأبلغوا عن أي شيء مشبوه فوراً! ". كان الأميرال في حالة توتر شديد ، ولم يدرِ ماذا يفعل ؛ ولو لم يكن عزمه راسخاً ، لربما أمر بغمر مخازن الذخيرة بالماء لمنع أي انفجار تعاطفي محتمل.
لم يكن يعلم أن العقل المدبر وراء مجزرة أسطول ميناء "بروناس " قد قطع الاتصال بالفعل ، وكان ينسحب بهدوء نحو أعماق المحيط.
"ما الذي حدث بحق الجحيم ؟ " وصل مستشار "شايرك " متأخراً ، وسار نحو الجسر ناظراً إلى الطرادة الغارقة في الأفق.
أجاب الأميرال بمرارة وصوت متقطع من فرط الانفعال "لقد تعرضنا لهجوم. إما متفجرات زرعها جواسيس أو شيئاً آخر. وبأي حال فقد انتهى أسطولي! ". لم يكن قد رأى عدوه بعد ، ولم يغادر أسطوله الميناء حتى ، ومع ذلك غرق نصف سفن حربية الأربع الرئيسية! حيث كانت تلك نصف قوتهم القتالية الأساسية! تلك هي أضخم السفن الحربية في البحر التي بنتها الإمبراطورية بتكلفة باهظة! وهي السفن الحربية التي وضع إمبراطورُه عليها آمالاً عريضة!
هكذا ببساطة ، غرقت بارجتان لا لسبب معلوم! بارجتان بالكامل! كيف له أن يشرح هذا لإمبراطوره ؟
ما لم يكن يعلمه هو أن الأمر نفسه قد حدث في موانئ أخرى. فقد نجا أسطول "غوبور " من الهجوم بإبحاره شمالاً نحو "دورن " مسبقاً. ومع ذلك لم تنجُ موانئ "غوبور " ؛ فقد غرقت العديد من سفن النقل ذات الحمولة الكبيرة الراسية في الميناء ، واستقرت جميعها في قاع أكبر موانئ "غوبور ". وفي الوقت نفسه ، تعرض "ميناء الشتاء الدائم " في "دورن " للهجوم ، حيث غرقت طرادتان بشكل غامض ، ولم تنجُ سفينة نقل تزن 12 ألف طن من الكارثة.
كما تكبد أسطول "مملكة الحور " خسائر فادحة ؛ فقد غرقت سفينة حربية ، واستقرت طرادتان في قاع ميناء "أوسا " العسكري ، مما أدى إلى شل حركته تماماً. وميناء "ساوث المياه " التابع لهم واجه أيضاً "شبحاً " حيث غرقت ثلاث سفن مدنية ، ولا أثر للمهاجم أيضاً. أما "ميناء الشتاء الأبدي " فقد أصيب بأضرار جسيمة ، وغرقت سفينة حربية رائدة من فئة "الشتاء الأبدي " في مرسى الميناء ، وغرقت معها طرادتان. وفي "خليج الجنوب العظيم " في "دولة شينغ " كانت الفوضى أعظم ، حيث تعرضت أكثر من عشر سفن للهجوم وتصاعد الدخان في كل مكان ، غير أن أسطول "دولة شينغ " كان قد انطلق مبكراً ونجا من الكارثة بأعجوبة.
في ظل غياب المعرفة بوجود أسلحة جديدة كالغمّاصات (الغواصات) ، أطلقت بحريات الدول المختلفة على هذه الهجمات اسم "هجمات الأشباح " ولأن ميناء "بروناس " تكبد الخسائر الأثقل ، فقد أُطلق على أشباح "بلاد تانغ " هؤلاء اسم "أشباح بروناس ".
وهكذا ، فقدت قوات التحالف ، قبل أن تكتمل صفوف أسطولها ، أربع سفن حربية ، وتعطلت العديد من الموانئ بسبب الهجمات.