كانت مدينة «بييوان» في خضم عملية إعادة إعمار شاملة ، وقد غصّت بالمدنيين الوافدين من كل حدب وصوب بحثاً عن فرص عمل مجزية ، إلى جانب القوات العسكرية التي أضفت على الأرجاء حيوية متجددة. ومع ذلك ففي واقع الأمر كانت المدينة لا تزال ترزح تحت وطأة الأنقاض ، حيث كان بوسع المرء أن يرى الجثث من كل نوع تطفو على السطح أو تُستخرج من بين الركام في كل مكان.
لقد اعتاد الناس على مشهد انتشال ذراع بشرية بمجرفة من بين الحطام ، بل إن بعضهم صار يقتات على الموت ، إذ يعثر بين تلك الجثث على مقتنيات ثمينة يتاجر بها. أما فوهات القنابل ، فقد أُعيد استغلالها ؛ إذ حُفرت مباشرة لتُمدّ فيها الأنابيب ، مما أسهم في تحسين شبكة الصرف الصحي في المدينة. وفي الحقيقة لم تكن بقية مدن «دولة تشي» تختلف كثيراً عن ساحات المعارك في الوقت الراهن ؛ فالخنادق محفورة في كل ناحية حتى ليظن الرائي أن الحرب لا تزال قائمة.
كان الجيش في حالة استنفار قصوى ؛ فقد أُلقيت على عاتقه مهمة إزالة الأنقاض ، وفحص المواقع للتأكد من خلوها من المواد الخطرة بناءً على بلاغات العمال. فبعض الأماكن كانت تحوي ذخائر مخبأة تركتها قوات «دولة شين» ، وتنوعت بين رصاص ، وقنابل يدوية ، وألغام أرضية ، وصولاً إلى قذائف من العيار الثقيل. حيث كان لزاماً التخلص من هذه المتفجرات بسرعة وبطريقة آمنة ، ولما كان المدنيون يفتقرون إلى الخبرة اللازمة ، فقد تعين على الجيش إرسال متخصصين لتلك المهمة. حيث كان ينبغي نقل جميع الذخائر إلى موقع مخصص لتفجيرها ، وقد جاءت الحفر الكبيرة الناتجة عن التفجيرات ملائمة لمد الأنابيب ، ليضرب الجيش بذلك عصفورين بحجر واحد.
أما منطقة الميناء ، فكانت تضج بحركة أكثر كثافة ، إذ كان على العمال إصلاح رصيف واحد على الأقل في أسرع وقت ممكن لتتمكن سفن النقل المتجهة شمالاً من الرسوّ. ففي أي عصر كان ، تظل الشحن البحري أعتى وسائل النقل ؛ فرسوّ سفينة واحدة محملة بأنابيب الإسمنت يعادل في قوته الإنتاجية مئات الشاحنات. و كما كانت هناك أولوية أخرى تتمثل في إصلاح محطة القطار وخطوط السكك الحديدية ؛ فتشغيل النقل السككي من شأنه أن يرفع وتيرة إعادة إعمار مدينة «بييوان» بشكل فوري.
كانت مواقع البناء منتشرة في كل مكان ، والعمال يدفعون عربات اليد ويقودون دراجاتهم ، يعيدون ردم الحفر بالأنقاض بعد تمديد الأنابيب ، ثم يكررون العملية بلا انقطاع. وكان العمل بالقرب من سور المدينة أكثر بساطة ؛ إذ انصبّ جهد العمال على إزالة كل المخلفات المحيطة بالأسوار المنهارة ، حيث تُنقل الأحجار الضخمة والطوب الأخضر إلى منطقة الميناء وتُلقى في البحر لبناء أرصفة أكبر وأكثر تطوراً.
وفي قلب المدينة ، ارتفعت رافعات شاهقة ، كُلفت بتشييد الدفعة الأولى من ناطحات السحاب. حيث كان الإسمنت متوافراً بكثرة ؛ فقد أنشأت «مجموعة تانغ العظيمة» مصانع للإسمنت في مواقع شتى ، معتمدةً تقنيات إنتاج متطورة للغاية. و لقد وفرت مصانع الإسمنت والصلب تلك مواد خام دعمت التطور السريع لـ «دولة تانغ» ، وضمنت الموارد اللازمة للبنية التحتية ، فكان «تانغ مو» يجد دائماً ما يحتاجه من إسمنت وصلب كلما أراد بناء ناطحة سحاب ، وهو إنجاز يحسب له.
كان من الصعب التصديق أن هذه مدينة وضعت الحرب أوزارها ، فبين الفينة والأخرى كانت تسمع أصوات انفجارات ، وتتصاعد أدخنة سوداء ، مما يثير ذعر عمال البناء. حيث كانت الشاحنات العسكرية تصطف على طول الشوارع ، وجنود يلقون القنابل ويحملون الرشاشات يحافظون على النظام وهم يدخنون سجائرهم. ولم تكن تلك مهمتهم الوحيدة ؛ فقد كُلّفوا بجمع شتى أنواع الأسلحة ، بما في ذلك المسدسات ، والبنادق ، والرصاص ، وفوارغ القذائف... كانت التعرفة عشرة فوارغ قذائف مقابل عملة نحاسية ، ومسدس مقابل عملتين فضيتين ، وبندقية مقابل ثلاث عملات فضية ، مع تفاوت الأجور للرشاشات وأجزاء الأسلحة بحسب حالتها.
على أي حال كان المدنيون يتسابقون بلهفة ؛ فالأطفال ينقبون في الأنقاض عن الرصاص والقذائف ، ويجدون قطع أسلحة مكسورة ، بل وبنادق سليمة. وبالطبع كانوا يستعينون بالكبار للتعامل مع الجثث المتعفنة التي ترقد بجانب الأسلحة التي يعثرون عليها. وإلى جانب الأسلحة الخفيفة كان على جيش «تانغ» تخصيص أفراد لجر الأسلحة الثقيلة كالرشاشات ، والمدافع المضادة للطائرات ، والمدافع الميدانية. كذلك وجب إزالة حطام السيارات التالفة من طراز «آيس كولد» و«غوبور» وغيرها من المركبات المحطمة لإعادة تدويرها. ومن المؤسف أن تلك السيارات لم تكن سوى هياكل مجردة ، بعد أن سارع المدنيون إلى تفكيك الأجزاء الصغيرة والمكونات الهشة منها.
كانت شاحنات الأرز والدقيق والخضروات المعلبة تتوالى على مدينة «بييوان» قادمة من اتجاهي «بينغنينغ» و«آنبو» ، كما كان الغذاء الذي يصل عبر السكك الحديدية يُفرغ مباشرة في المناطق المجاورة. لم تعانِ «مملكة تانغ العظيمة» قط من نقص في الغذاء ، خاصة حين أضحى العالم بأسره مستعداً للدفع مقابل تقنيات الطيران ، مما جعل فرض الحصار الغذائي عليها أضحوكة حقيقية. فقبل الحرب كان «تانغ مو» قد خزّن كميات هائلة من الطعام ، عازماً على استقرار الأسعار وتهدئة الرأي العام عند استيلاء قواته على «دولة تشي».
في الواقع ، جاءت النتائج أفضل مما كان يتوقعه «تانغ مو» بكثير ؛ فعمليات القتل والسلب التي مارسها الأمير في جنوب «دولة تشي» بحثاً عن الطعام دفعت المواطنين دفعاً نحو «دولة تانغ». لقد جاءت كارثة مدينة «بييوان» لتحفز مدنيي «دولة تشي» من جديد ، محولةً جيش «تانغ» من غازٍ إلى محررٍ في ليلة وضحاها. ومع إعادة توزيع الثروات بشكل جليّ داخل «دولة تشي» ، بدأ المدنيون يتقبلون طواعيةً حكم «دولة تانغ».
حين وصل مبعوثو «دولة شين» إلى مدينة «بييوان» بحراً ، وجدوا أمامهم مشهداً يضج بالنشاط والإنجاز. وأثناء انتقالهم بالسيارة عبر الشارع الرئيسي الممهد ، أبصروا شاحنات تنقل جثث جنود «دولة شين» المتعفنة ليتم إحراقها خارج المدينة. حيث كانت بدلاتهم العسكرية بنية اللون التي تشبه لون القذارة ، واضحة على الجثث المتراكمة التي بدت كأنها جبل صغير من ساعات «جينّو».
قال أحد مبعوثي «دولة شين» داخل السيارة ، وهو يرمق شاحنات الجثث خارج النافذة بغضب مكتوم صكّ عليه أسنانه: «لا ينبغي أن يُعامل محاربو شين بهذه الطريقة». فرد عليه رئيس المبعوثين بمرارة ليخفف من روع نائبه: «يا وزير شين وينشين ، هذا ليس الوقت المناسب للتفكير في هذه الأمور... علينا أن ننظر إلى الصورة الأكبر».
فقال الوزير شين وينشين مخاطباً رئيسه شين ونيو بألم: «يا وزير شين ونيو... لقد خذلنا بالفعل النضال المستميت لهؤلاء المحاربين الشجعان». فتنهد شين ونيو ، وزير خارجية «دولة شين» ، قائلاً: «إن حياة المملكة وموتها أصبحا الآن بين أيدي الآخرين. حيث يجب علينا بأي ثمن ضمان بقاء دولة شين ، فهذا... هو أفضل عزاء للجنود الذين سقطوا!». فأومأ شين وينشين برأسه قليلاً ، وما إن رفع بصره مجدداً حتى عادت عيناه تتعلقان رغماً عنه بشاحنة الجثث التي كانت تسير في نفس اتجاههم.
كان السائق أيضاً من «دولة شين» ؛ وإلا لما تجرأوا على الحديث بمثل هذه الصراحة والتحرر داخل السيارة. حيث كانت السيارة التي يستقلونها قد اشترتها «دولة تانغ» ضمن معدات استولت عليها ، وهذه السيارات من طراز «آيس كولد» التي ينتجها «الأقزام» كانت أكثر ملاءمة لجسد أهل «شين» من شعب «غيلان». فبينما كان أبناء الأعراق الأخرى يشعرون بضيق مقصورة سيارات «آيس كولد» كان أهل «غيلان» يجدون مساحتها الداخلية مقبولة ، بل ربما واسعة بعض الشيء...
ففي الأوقات العادية كان عليهم تعديل السيارات برفع دواستي الفرامل والبنزين حتى يتمكنوا من القيادة ، لذا كانت كل سيارة «غول» تشتريها «دولة شين» تأتي مع مجموعة من القطع الصغيرة لرفع تلك الدواسات. حيث كانت سيارات «آيس كولد» هذه في الأصل معدات خاصة بـ «دولة شين» استولى عليها جيش «تانغ» ، وكان على «دولة شين» أن تدفع ثمنها مجدداً لشرائها من جيش «تانغ» ، وهو أمر يثير السخرية ؛ فهم يدفعون ثمن السيارة الواحدة مرتين.
ولأن مبعوثي «دولة شين» قدموا طلباً للسلام ، أو بعبارة أخرى ، ليقدموا الأموال لم تتعمد «دولة تانغ» وضع العراقيل أمامهم. سرعان ما توقفت السيارة بجانب ساحة صغيرة في وسط المدينة كانت أحواض الزهور فيها تعج بالأنقاض والحجارة المكسورة حتى كادت تفقد معالمها الأصلية. وحين ترجل مبعوثو «دولة شين» ، أصابهم الذهول من الرافعات الشاهقة القريبة ، فقد كانت المرة الأولى التي يرون فيها مثل هذه الآلات الإنشائية ، وظلوا يرمقونها طويلاً.
وحين استعادوا وعيهم وصرفوا أبصارهم عنها ، وقعت عيونهم على جثة معلقة بالقرب من مبنى البلدية الذي كانوا يقصدونه. حيث كان النصف السفلي من الجثة متفحماً ، والنصف العلوي عارياً وتملؤه الندوب. والأكثر رعباً كان وجه الجثة الذي ارتسمت عليه ملامح الألم الشديد ؛ فمن الواضح أنه كان حياً حين أُحرق.
هتف شين وينشين: «شين وينشي!» ، ورغم أن الوجه كان مشوهاً بشدة والجسد محمصاً حتى بات بالكاد يفرق عن المومياء إلا أنه عرف زميله السابق بلمحة واحدة. و قال وهو يخفض صوته خوفاً من أن يسمعه مسؤولو «تانغ» الذين كانوا يقتربون لاستقبالهم: «هؤلاء التانغيون قساة للغاية!». ولم يكن قد علم حينها سوى بنبأ مقتل «شينوو سانلانغ» ، دون أن يدرك بعد نوع الميتة الشنيعة التي قضاها.
قال المسؤول البارز من «دولة تانغ» بابتسامة براءة: «أهلاً بكما في دولة تانغ» ، وهو ما جعل من المستحيل ربطه بتلك الجثة المشوية التي لم تكن تبعد عنهم كثيراً. فرد شين ونيو مؤكداً على وجهة نظره: «قانونياً ، لا تزال هذه منطقة متنازعاً عليها... يا سيدي! جئنا هذه المرة لمناقشة هذه القضية تحديداً».
«أوه ؟» لم يظهر المسؤول أي ضيق ، بل اكتفى برد فعل مقتضب قبل أن يضيف: «بسبب ما قلته للتو ، سيتعين على دولة شين دفع 50 ألف عملة ذهبية إضافية خلال المفاوضات». أراد شين وينشين التقدم للاحتجاج لكن شين ونيو أمسك به ، وقال: «مدينة تغذية اليوان باتت بالفعل في أيديكم ، ومع ذلك تواصلون هذا التعنت ، ألا ترون أن هذا جشع أكثر مما ينبغي ؟».
ضحك المسؤول الشاب من «دولة تانغ» بملء فيه قائلاً: «الظهور بمظهر الجشع ليس مشكلة ، فالمهم هو أن تأكل ما يكفيك لتشبع». قطب شين ونيو حاجبيه حرجاً وسأل: «لقد وضعتموها بالفعل في أفواهكم ، فما العجلة ؟». فرد عليه المسؤول التانغي رافعاً حاجبيه: «لم نبتلعها بعد ، أليس كذلك ؟».
تنهد شين ونيو ، وإذ نظر إلى المسؤول التانغي الواثق تملكه حدس قوي بأن محادثات السلام هذه ستكلف «دولة شين» غالياً. و قال المسؤول التانغي وهو يشير إليهما بالدخول في دعوة كريمة ، بينما كان في الخلفية زينة لعمود إنارة تشبه قطعة لحم مجففة ، في مشهد يبعث على الريبة: «لا تكونوا متوترين هكذا ، فالاختلافات تظل اختلافات ، أما الصداقة فصداقة... ستكون المأدبة فاخرة ، وضيف الشرف هو مبعوث خاص من إمبراطورية آيس كولد ، والطعام سيكون وفيراً ، وعلى المبعوث الخاص أن يستمتع به تماماً».