بينما كانت سفينة "تانغ مو " الحربية العملاقة تُشيد قطعةً تلو الأخرى في أقاصي إمبراطورية "نانلا " كان داء الملاريا يفتك بالبلاد تفككاً.
في سالف العهد كانت هذه الأوبئة تداهمهم مع كل صيف ، وكان الناس يقفون عاجزين أمام هذا المرض الفتاك ، إذ إن حشد أي قوة عسكرية كان يُنذر باحتمالية تفشي الأوبئة ، وكانت الملاريا إحدى تلك الآفات. ومع اتساع رقعة المدن ، أخذت أمراض شتى في الانتشار ، مما شكل عقبة كأداء أمام التوسع العمراني. غير أن بتشينغ نجم "بروناس " غيّر نظرة الدول للمدن ؛ فقد جعل الطب الحديث من قيام المدن العملاقة أمراً ممكناً.
وبفضل التقدم في العلوم الطبية ، شرعت مجموعة "تـانغ " العظمى في ترويج تلقيح الجدري البقري ، مما منح الملقحين مناعة أبدية ضد الجدري. لذا أضحى لزاماً على كل من يعمل داخل المناطق الخاضعة لسيطرة مجموعة "تـانغ " أن يتلقى هذا اللقاح ، ضماناً لسلامة قاطني المدن. وما لبثت هذه الطريقة أن أثبتت فعاليتها ؛ فبدأت مناطق "دورن " و "سوثرز " وإقليم "ليت " في تبني هذا النهج. ونتيجة لذلك تحررت المدن المكتظة في تلك البلدان من قيودها ، وبدأت تضاهي "بروناس " في حجمها المهول ؛ فالمدن التي كانت يقطنها مئة ألف نسمة أخذت تتطور لتستوعب مئتي ألف ، والعواصم التي كانت تضم بضع مئات الآلاف باتت تقترب من المليون.
سار كل هذا جنباً إلى جنب ؛ فقد لعبت وسائل الوقاية من الأوبئة التي روجت لها مجموعة "تـانغ " دوراً محورياً تماماً كما فعلت تقنيات التوليد التي روجت لها المجموعة ذاتها. و لقد بدأ النمو السكاني برفع معدلات المواليد ، وهو أمر كان يشكل خطورة بالغة على نساء ذلك العصر. لذا بدأت مجموعة "تـانغ " في إنشاء مستشفيات الولادة للتركيز على الحوامل ، وتوسيع نطاق العمل ، ونشر الخبرات ، مما مكن المزيد من الأطباء من إتقان التقنيات الحساسة. وكان رئيس وزراء مملكة "ليت " العجوز أحد المستفيدين من هذه التطورات ؛ إذ ولد حفيده وكتبت له النجاة بفضل تقنيات التوليد الخاصة بمجموعة "تـانغ ".
لقد لاقت العديد من مستحضرات مجموعة "تـانغ " الدوائية رواجاً واسعاً في تلك المناطق المستفيدة ، وأبدت المستشفيات هناك استعدادها لاستخدام هذه العقاقير. ولأنها أثبتت فعاليتها الحقيقية في جلب الشفاء العاجل ، فقد ضمنت لمن يملك ثمنها البقاء على قيد الحياة ، رغم تكلفتها الباهظة. فالدنيا لم تكن يوماً بالعدل الذي يرجوه الجميع ، وبقاء ذوي الثراء في كنف رعاية صحية أفضل حقيقة مرة لا مفر منها. ومع أن مجموعة "تـانغ " حاولت كبح جماح الأسعار قدر المستطاع إلا أنها كانت ترتفع بعد انتقالها من يد إلى أخرى.
لم يكن في وسع الكثيرين الحصول على أدوية ميسورة التكلفة ، وحتى حين كان ذلك متاحاً ، فلم يكن إلا في المناطق الخاضعة لسيطرة مجموعة "تـانغ " مثل "بروناس " و "مدينة اليشم ". ومع ذلك وفر هذا التقدم الطبي للناس بارقة أمل ، أملاً ضئيلاً في قهر الأمراض ومواصلة الحياة.
هذه المرة كان سبب القلق من تفشي الملاريا في إمبراطورية "نانلا " هو إصابة الإمبراطور نفسه. و في بادئ الأمر لم يكترث الإمبراطور لمرضه ، متكئاً على نظافة بيئته ورعاية أطباء البلاط. وخلال الأيام الأولى ، استمر في زيارة اثنتين من محظياته ، ثم ما لبثت حالته أن تدهورت وأضحت خارج نطاق السيطرة. ومع مرور الوقت ، تدهورت صحته أكثر حتى عجز عن العمل وأقعده المرض عن الحركة.
"حالته ليست على ما يرام... " هكذا كان لسان حال مجموعة من الوزراء المتجمعين في قاعة النقاش بالقصر الإمبراطوري ، وقد اعتراهم القلق وهم يتداولون شأن صحة الإمبراطور. خفض وزير في منتصف العمر صوته ، وبدت على وجهه ملامح الكآبة ، وأطلق كلمات بثت الرعب في قلوب الحاضرين "إن لم نجد مخرجاً أفضل ، فأظن أنه قد آن لنا أن نفكر في القادم! "
فرد عليه زميله بذعر "ما الذي تقوله ؟ هذا عين الخيانة! " وخفض صوته على الفور موبخاً إياه.
سخر الوزير في منتصف العمر ورد قائلاً "إذاً ، ما هي خطتك العبقرية ؟ لقد جربنا كل شيء ؛ الفصد ، ودعوات المشعوذين ، بل أحرقنا ثلاث نساء كقرابين للآلهة... "
فقال آخر بجانبه وقد اصفر وجهه اشمئزازاً "تباً ، يجب شنق كل هؤلاء الأطباء! لا يعرفون سوى سفك دماء الناس! "
وأضاف وزير آخر وهو يبسط يديه عاجزاً وقد بدا تائهاً "وما فائدة الحديث في هذا الآن ؟ "
نظر الوزير في منتصف العمر إلى زملائه وسأل "وما الخبر من ولي العهد ؟ "
فأجابه الوزير المسؤول عن التواصل مع ولي العهد وهو يهز رأسه "ما الذي تتوقع منه أن يقول في هذه الحال ؟ كل ما عليه فعله الآن هو الانتظار ، وأي شيء آخر يعد لغواً ؛ عليه فقط أن ينتظر الأنباء ".
لم يكن ولي العهد غبياً ، ففي مثل هذا الوقت لم يكن بحاجة لفعل أي شيء ، يكفيه انتظار الرسالة. "فالعرش صائر إليه لا محالة ، إن تعافى أبوه فسينتظر بضع سنين أخر ، وإن عجل أبوه بالرحيل ، فقد ارتقى العرش... "
تبادل الوزراء النظرات ، ثم استجمع أحدهم قواه وقال "ولكن ، لابد من وجود من يتقدم لزمام الأمور ، أليس كذلك ؟ "
"رئيس الوزراء ليس في صفنا ؛ يجب أن نحذر من تلك الزاوية... " وقبل أن يكمل الوزير كلامه ، قاطعه حارس القصر الذي أقبل مسرعاً.
"كارثة! كارثة! " اقتحم الحارس القاعة صارخاً.
زفر الوزير في منتصف العمر ازدراءً ووبخه "ما الخطب! تكلم! "
أبلغ الحارس مطأطئ الرأس "الكبيرة المحظيات ، ومن معها من رجال ، اقتحموا غرفة نوم جلالته! و لم... لم نستطع صدهم! "
صاح الوزير "أيُّها العاجز! تنحَّ جانباً! " ودفع الحارس بيده ، وانطلق مسرعاً نحو الخارج. تبعه بقية الوزراء على عجل ، واتجه الجمع صوب غرفة نوم الإمبراطور.
عندما رأى الوزير خصمه يسد الطريق عند مدخل الغرفة ، صرخ "مو كانغسين! جلالة الإمبراطور عليل ، وأنت تقتحم المكان برجالك في هذا الوقت ، أتحاول التمرد ؟ "
وقف "مو كانغسين " بأذنيه المكتنزتين ، يبتسم بسخرية "همف تمرد ؟ يا جويس! إن كان هناك من يتمرد ، فهو أنت ، أليس كذلك ؟ "
رد "جويس " "كل ما تقوله الآن هباء! غادر فوراً! وإلا فلن أكون لطيفاً ". وأدرك "جويس " أن الحراس حوله قد استُبدلوا برجال "مو كانغسين " فعلم أن الأخير يسعى حقاً للاستحواذ على "كرة اللهب " التي بات يمثلها الإمبراطور. فبما أن الإمبراطور مريض جداً وقد يلفظ أنفاسه في أي لحظة ، فإن السيطرة عليه لم تكن بالضرورة أمراً محموداً ، ولهذا السبب لم يقم "جويس " بنشر قوات كثيفة لحراسة الغرفة ، إذ لم يكن قد قرر بعد ما إذا كان يريد للإمبراطور أن يموت على يديه أم لا.
قال "مو كانغسين " وهو يحك رأسه الضخم ثم رفع صوته فجأة ، متصنعاً البراءة "لو لم آتِ... لكنت على الأرجح قتلت جلالته! يا جويس! خذ رجالك وارحل! "
رد "جويس " "أنت! لا تغتر! يا مو كانغسين! جلالته بخير معي. وإذا حدث له مكروه وهو بين يديك ، فأود أن أرى ، أرى كيف ستفسر ذلك لكل فرد في إمبراطورية نانلا! " كان "جويس " على علم بمرض الإمبراطور ، لذا بدأ بالتراجع.
لقد أخبره الطبيب الذي أجرى الفصد للإمبراطور سراً قبل قليل بأن الإمبراطور قد يفارق الحياة الليلة. وإذ أيقن "جويس " أن الإمبراطور قد جاوز العلاج ، قرر في نهاية المطاف أن يتركه يلقى حتفه على يد "مو كانغسين ".
"سترى! " قالها "جويس " بشخير غاضب ، ولم يجرؤ على إشهار السلاح أمام غرفة الإمبراطور ، فانصرف وأتبعته بقية الوزراء.
استدار "مو كانغسين " ودفع الباب ، وأمر أحداً بإغلاقه مسرعاً. وبمجرد دخوله ، قال لطبيب كان يعبث بصندوق أدوية "لقد وضعت حياتي بين يديك ، فمن الأفضل أن تكون صادقاً فيما تقول ".
ابتسم الطبيب بوقار مقنع "بالطبع ، حالة جلالته الجسديه سيئة للغاية ، لكن هذه المشاكل كلها ناجمة عن الفصد الذي أجراه رجال جويس ". وبينما كان يستخرج الدواء ، أضاف "جلالة الإمبراطور مصاب بالملاريا فحسب ، وهذا المرض ليس قاتلاً ".
شعر "مو كانغسين " بضرورة تذكيره "قبل أن تأتي إلي كانت الملاريا مرضاً لا علاج له في إمبراطورية نانلا! تعافى البعض ، لكنهم قلة ، ومعظم الناس ماتوا... "
ففي إمبراطورية نانلا كانت الملاريا حقاً مرضاً معدياً فتاكاً يحصد أرواح الكثيرين كل عام.
أجاب الطبيب وهو يقترب من سرير الإمبراطور حاملاً الدواء والماء ، مشيراً لابنة "مو كانغسين " -كبيرة المحظيات- لتساعد الإمبراطور على الجلوس "مع أدوية مجموعة تانغ لم يعد الأمر قاتلاً... يا سيد مو كانغسين ، ستشهد معجزة قريباً ".
تمتم "مو كانغسين " بوجل ، ظاناً أنه قد فقد عقله لإقدامه على مثل هذا العمل الطائش "لابد أنني فقدت صوابي ، لأشاهد أحداً يعطي الإمبراطور مادة غير معلومة ليتجرعها... هل لك أن تخبرني ما هذه حقاً ؟ لأطمئن قليلاً... "
منطقياً كان الإمبراطور على فراش الموت "كرة لهب " بامتياز ، لا سيما حين كان ولي العهد قد رسخ أقدامه في منصبه. وأي تحقيق لاحق سيجلب عليه عذاباً لا يطاق ، وإذا أراد ولي العهد حقاً كبش فداء ، شعر "مو كانغسين " أنه سيكون الضحية التعيسة.
أجاب الطبيب بعد أن أطعم الإمبراطور الدواء "همم ، لا شيء ، مجرد مادة مستخلصة من لحاء شجرة ، يمكنك اعتبارها نوعاً من الطب العشبي ".
شعر "مو كانغسين " وكأن عالمه انقلب رأساً على عقب "أأعطيت الإمبراطور لحاء شجرة ليأكله ؟ "
سخر الطبيب من "مو كانغسين " كبير النبلاء هذا ، بازدراء "ها... أيها الجاهل لم ترَ بعد ما يُستخلص من المواد المتعفنة... "
في عينيه لم يكن النبلاء سوى أغنياء حمقى ، ولم يكن يستحق احترامه سوى السيد "تانغ " العظيم وأسياد كلية الطب المتنبئين.
لم يتراجع "مو كانغسين " بل حك رأسه وسأل "آمل أن تنجح... ما اسم هذا الدواء ؟ "
في نظره ، طبيب مفعم بالثقة كهذا ، قد يأتي بمعجزات الشفاء ، لا ينبغي إغضابه... فمن يعلم متى قد يحتاج هو نفسه إلى خدماته ؟
أجاب الطبيب باقتضاب "الكينين ".