كان رئيس الوزراء يرزح تحت وطأة ديونٍ من نوعٍ خاص ، وهي ديونُ الأفضالِ والجميل ؛ إذ لم تُتح له حتى اللحظة فرصةٌ لردِّ دينِ "تانغ مو " عليه. وعلاوةً على ذلك كان حفيدُه الذي ينهلُ العلمَ على يد "سايمون " قد باتَ بالفعلِ من أشدِّ المناصرين المخلصين لـ "تانغ العظمى " بل غدا "مقاتلاً طوعياً " في صفوفهم.
وكان وريثُ أسرةِ رئيس الوزراء ، وهو حفيدُه الأكبر ، يُفضِّلُ التنقلَ بسيارة "تي-موديل " الفاخرة التي أهداها له "سايمون ". أما نبيذهُ المفضل ، فكان "نبيذ ضوء القمر " المستورد من إقليم "جغان " في "بروناس " وهو نوعٌ باهظُ الثمنِ لا يقوى على اقتنائه معظمُ الناس. حتى زوجتُه "فاني " التي كانت ترقدُ حينها من جناح الولادة كانت ترتدي أرقى تصاميم أزياء "تانغ العظمى " وهي تصاميمُ حظيت بتزكيةٍ شخصيةٍ من الآنسة "سوزان ". فأيُّ سيدةٍ ذات نفوذٍ لا تطمعُ في مثلِ هذه الرفاهية ؟
لم يكن راتبُه ليسمحَ له بكل هذه البذخ ، ومع ذلك كانت هذه الأشياء تجدُ طريقَها إليه بشكلٍ غامض. حيث كانت ساعته الذهبية ، وخاتمه ، بل وحتى حزامه وبذلاتُه و كلها هدايا من أصدقاءٍ لا يظهرون إلا في وقت الرخاء. ولم يكن باليدِ حيلةٌ ؛ فالحفيدُ كان يُثيرُ صخباً في كازينوهات "مجموعة تانغ " ونادراً ما كان يخرجُ خاسراً. حيث كان الجميعُ يعلمُ أنّه رجلُ "تانغ العظمى " في جوهره ، وهو أمرٌ لطالما أثارَ حفيظةَ رئيس الوزراء وأغضبه طويلاً.
لم يعلنْ ولاءه لـ "مجموعة تانغ " بعد ، ومع ذلك كان أفرادُ عائلتِه ، بما في ذلك وريثُه ، قد وقعوا في فخِّ الإغراءاتِ واستُقطبوا لصالحها. ولحسن حظه كان الملك "ليت السابع " يُدركُ وفاءه ويواصلُ الاعتمادَ عليه ؛ وإلا لكان هو الضحيةَ الحقيقية التي ستكتوي بنيرانِ "مجموعة تانغ " المتصاعدة.
لكن في هذه المرة ، أعاد رئيس الوزراء النظرَ في موقفه ، فقد شهد بنفسه بأسَ "مجموعة تانغ " وقدرتَها. إنها تكتلٌ ضخمٌ يُمكنه ادعاءُ الريادةِ العالمية في مجالات الصحة ، والأسلحة ، والسيارات ، والنقل ؛ مستقبلٌ لا حدودَ له. وإذا لم يحدّدْ موقفه الآن ، فهل هو مستعدٌ لتفويت الفرصة وتركِ أحفادِه في ذيل الركب ؟
بهذا التفكير ، بدأ رئيس الوزراء المحنّك الذي كان يصدُّ محاولات "شايرك " لاستمالته ، يلينُ أخيراً. و قال "سايمون " مبتسماً للرئيس العجوز "إن السيد تانغ مو يرغبُ في أن يكون صديقاً مخلصاً لكم يا سيدي ، فلا حاجةَ للأفضال ؛ كل ما عليكم فعله هو إبداء الرغبة في مصادقة السيد تانغ مو ". بهذه الطريقة ، كسب "سايمون " العديد من الأصدقاء داخل العاصمة الملكية ، أصدقاء سيضعون بلا شكٍ مصلحة "مجموعة تانغ " في الحسبان عند اللحظات الحاسمة.
"أفهمُك! أفهمك تماماً! " فالحكيمُ لا يحتاجُ لأكثر من إشارةٍ ليفهمَ المغزى. أومأ رئيس الوزراء برأسه قليلاً لـ "سايمون ". لم يزد "سايمون " على ذلك بل ألقى نظرةً على رئيس الوزراء ، ثم نهض وقال "سأتركُ البقيةَ لعناية الممرضات اللواتي أحضرتهن معي ، فهنّ ماهراتٌ جداً في التعامل مع المرضى ". ردَّ رئيس الوزراء وهو ينهضُ بدوره "إذن ، لن أرفضَ كرمَكم ".
سرعان ما غادرت سيارة "سايمون " مقرَّ إقامة رئيس الوزراء ، وبينما كان الأخيرُ يراقبُها وهي تبتعدُ عبر النافذة ، التفت إلى حفيدِه قائلاً "بما أنك اتخذتَ قرارَك ، فامضِ فيه بكل ما أوتيتَ من قوة ". ردَّ الحفيدُ وهو يقتربُ من جده ، وقد بدأت ملامحُ الحياةِ تعودُ لوجهِه الشاحب "صدقني يا جدي ، أنا لا أقبلُ أموالَهم طمعاً ، بل لأني أيقنتُ أنهم يستحقون ثقتَنا فعلاً ". لقد كانت الولادةُ المتعسرةُ لزوجتِه قد أثارت الرعبَ في قلبه ، لكن ما تلا ذلك أكد له مجدداً قدرةَ قدوتِه. فالمهارةُ الطبيةُ لدى "مجموعة تانغ " بما فيها تلك العقاقير الأسطورية ، قد أثبتت جدارتَها هنا أيضاً….
في "بروناس " ليس بعيداً عن العاصمة الملكية كان "تانغ مو " يجلسُ في غرفةٍ يراقبُ طبيبَه المتدرب وهو يُلوّحُ بمشرطٍ جراحيٍّ فوق ذراعِه. وقف "هاري " إلى جانبه بملامحَ يغشاها القلق ، وكسر الصمتَ أخيراً معترضاً "سيدي لم أسمع بمثل هذا من قبل.. كيف يمكنُ نقلُ شيءٍ من بقرةٍ إلى إنسان ؟ ".
نظر الطلابُ المراقبون ، ومن بينهم "يولين " بقلقٍ إلى "تانغ مو " غير المبالي ، وبدا أنهم يتوقون لثنيه عن هذا المسعى الجنوني و ربما كان "تانغ مو " وحده يعلمُ أن شيئاً كبديلِ "جدري البقر " آمنٌ تماماً تحت قيود إنتاجِه الصارمة. لذا وبلا أدنى توجسٍ ، قال ببساطة "لأنه سيمنحُني مناعةً ضد فيروس الجدري! هذه وسيلةٌ لضمان سلامتي ، على الأقل في الوقت الراهن ؛ وهي الطريقةُ الأكثرُ مباشرةً وأماناً وفعالية ".
ما زال "هاري " يبدو قلقاً ، لأنه يدركُ أن "تانغ مو " الجالسَ هنا هو المحركُ الأساسيُّ لتقدم "مجموعة تانغ ". فبوجوده فقط تكتسبُ المجموعةُ معناها الحقيقي ، ولو أصاب "تانغ مو " مكروهٌ ، فلن يكون هناك من يمتلكُ القدرةَ على قيادة دفةِ السفينة. فالتكنولوجيا المستعصية على الفهم ، والتجاربُ التي تبدو بالغةَ الجنون ، والمصانعُ المتوسعةُ بسرعةٍ والمرتبطةُ بنظامٍ ماليٍّ يرهنُ العالمَ بأسره ، ليست أموراً يُمكن لأيِّ أحدٍ إدارتَها.
لذا قال "هاري " مجدداً "ولكن يا سيدي ، التجاربُ الآدميةُ لم تُثبتْ بعدُ فعاليةَ هذا التلقيح بشكلٍ قطعي. ألا ينبغي لنا الانتظارُ أكثر ؟ ". أجابه "تانغ مو " دون اكتراث ، فهو يعلمُ أن هذا قد يكون أكثرَ لقاحاتِ الجدري أماناً في العالم "لقد صممتُ التجربةَ بنفسي ، ولا أرى سبباً للشك في حكمي ، أترى أنت غير ذلك ؟ ". فقد كان هو من صنعَ اللقاحَ يدوياً ، باتباع إجراءاتٍ محددةٍ ومُثبتةٍ بتجاربَ لا تُعدُّ في عالمٍ آخر ، فلا يمكنُ أن يشوبَها خلل.
لم يقتنع "هاري " بعد ، وشعر كطالبٍ لـ "تانغ مو " بأنه ملزمٌ بدفع الخطر عنه "سيدي أنت خبيرُ أسلحةٍ ورجلُ أعمال ، لكنك لست طبيباً! ". ضحك "تانغ مو " ملء شدقيه ثم أشار إلى نفسه "أستطيعُ أن أكون طبيباً ، بل طبيباً بارعاً.. ثقْ بي ، قريباً ستتلقون جميعاً هذا اللقاح ، أنا فقط أسبقكم بخطوة ". أومأ الطبيبُ الواقفُ بجانبه ، والذي كان مستعداً لإعطاء اللقاح ، موافقاً ؛ فهو يؤمنُ حقاً بأن "تانغ مو " هو أدهى طبيبٍ عرفه.
كان يعلمُ أن "تانغ مو " يمتلكُ دواءً خاصاً يُمكنه بسهولةٍ شفاءُ أمراضٍ تُعدُّ حالياً مستعصية. وبمجرد خروج هذه الأدوية من المختبر ، سيُصبحُ "تانغ مو " أغنى رجلٍ في العالم بلا منازع. وحتى لو كسدت مبيعاتُ أسلحتِه ، أو تفوقت سياراتُ الآخرين ، أو أُمّمت وسائلُ النقل ، أو أُفرغت البنوكُ من محتواها ، فما دام يمتلكُ هذه الأدوية ، فسيظلُّ الأغنى على الإطلاق ، بلا مفاجآت!
"ما زلتُ عند معارضتي! يا سيدي كان بإمكانك جعلي أحلُّ محلك ، لأتلقى هذا الخطر.. " حاول "هاري " للمرة الأخيرة ، مدركاً أن "تانغ مو " إذا عزم على أمرٍ فلا رجعةَ فيه. بدا "هاري " كمن يحرثُ في البحر ، لكنَّ قراراتِ "تانغ مو " المثيرةَ للأعصاب لطالما أثبتت صحتها دون خطأ.
ابتسم "تانغ مو " ولوّح بيده ناظراً للحاضرين "كيف لي أن آمرَكم بحلولي في هذا الأمر! إنَّ واجبي أن أكون القدوة. وفقط بعد أن أتلقى اللقاحَ ، ستُثبتُ سلامةُ هذه الممارسة ، فيتقبلُها الجميع وتنتشر ". كان هناك مبعوثون من دولٍ شتى ، وطلابٌ وأسيادٌ من الأكاديمية الطبية ، ونخبٌ من الأكاديمية العسكرية ، وحتى مواطنون عاديون اختيروا بعناية ؛ وقف الجميعُ على مقربةٍ يراقبون "تانغ مو " بشيءٍ من التوتر.
دعا "تانغ مو " هؤلاء للترويج للقاحه ، فهو سلاحٌ مهمٌّ لتسويقِ أدويته. فما إن تُثبت الفعاليةُ حتى تفتحَ كلُّ أدويةٍ أخرى أنتجها أبوابَ السوق ، وتتحولَ إلى ذهبٍ يتهافتُ عليه الجميع. وفي هذا العالم ، شيءٌ واحدٌ فقط مضمونُ القيمة دائماً ؛ وهو "الحياة ". شعر "تانغ مو " أنه إن استطاع بيع الحياةِ نفسِها ، فسيغدو فعلياً تاجرَ أسلحةٍ من نوعٍ فريد. فتاجرُ الأسلحةِ الحقيقي لا يكتفي ببيعِ ما يسلبُ الحياة ، بل يبيعُ ما يمنحُها أيضاً!
الموتُ والحياةُ رهنُ إشارتِه ، هذا هو ما يؤهلُه ليكون تاجرَ سلاحٍ ، وهذه هي الحكمةُ من هذا المسمى. لذا ارتسمت على وجهِه ابتسامةٌ طامعةٌ في فتحِ بابِ عالمٍ جديد "ثقوا بي! هذا أمرٌ آمن. حيث مدنُنا تتسع ، والأمراضُ المعديةُ أحدُ الأعداء التي تُقيّدُ نموَّنا ، وعلينا القضاءُ على هذه الفيروساتِ والبكتيريا اللعينة لنضمنَ استمرارَ نموِّ سكانِنا! ".
بعد أن فرغ من حديثه ، نظر إلى الطبيب بجانبه إيذاناً بالبدء "ما الذي تنتظرُه ؟ ابدأ! أنا أثقُ بمهارتِك ". وبينما أجرى الطبيبُ الشقَّ في ذراع "تانغ مو " حبس الجميعُ أنفاسَهم. وفي هذه الأثناء كان "تانغ مو " يوزعُ الابتسامات ، سائلاً الشهود "ها قد رأيتم ، لقد شهدتم تلقيحي ضد الجدري ، فإذا ما اكتسبتُ المناعة ، سيُثبتُ هذا أن هذه الممارسةَ الطبيةَ موثوقةٌ ، أليس كذلك ؟ ".
نظر مبعوث "مملكة ليت " إلى ذراع "تانغ مو " وهي تنزفُ دماً خفيفاً بإعجابٍ شديدٍ بشجاعتِه وحزمِه "إنَّ شجاعتَكم تستحقُّ الإعجاب يا سيدي! ". وأشاد مبعوث "مملكة دورن " الملتحي قائلاً "إن نجح هذا فعلاً ، فستغدو أعظمَ رجلٍ في العالم ، فقد أنقذتَ أرواحاً لا تُحصى ، وحررتَ الجميعَ من رعب الجدري ". وسارع مبعوث "مملكة سونغمو " بالتحدث "أنا مستعدٌ لاتّباعِ خُطاكم ، لأكون أولَ إلفيٍّ يتلقى هذا العلاج! سيدي ، إن كان هذا فعالاً.. فسيسجلُ التاريخُ إنجازَك بأحرفٍ من نور ".
وقبل أن ينبسَ أحدٌ ببنتِ شفةٍ أخرى كان أولُ تلقيحٍ ضد الجدري في العالم… قد تم.