تم البدأ بإستخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق على الفصول المنشورة من تاريخ ٣١-١-٢٠٢٦ نتمنى لكم قراءة ممتعة

إمبراطورية الذخائر 231

227 قرارات +

كان «جون» صياداً بسيطاً ، وبصفته مواطناً في «مملكة الحور» لم يتخيل ذلك الرجل الذي ناهز الخامسة والأربعين من عمره يوماً أنه سيعتلي متن سفينة حربية.

لقد اعتاد طوال حياته أن يقطن «ساوث المياه» ، مبحراً في قواربه طلباً للرزق ، مُعِيلاً بالكاد أسرته المكونة من ثلاثة أفراد. و لكن مؤخراً ، تلاشت تلك الحياة الوادعة وتبددت.

بدأ الأمر بوصول سفينة حربية ضخمة ينبعث منها دخان أسود كثيف ، ثم وقف يشهد بعينيه كيف دُمرت أكثر من اثنتي عشرة سفينة تجارية كانت تحاول العودة إلى الميناء ، حيث ابتلعتها أعماق البحار تحت وطأة قصف المدافع الهادر.

ثم اندلعت الحرب فجأة ، وتكاثرت السفن الحربية في الأفق ، وفي نهاية المطاف كان النصر حليف تلك السفينة الحربية المجهولة للعدو.

أصبح ارتياد البحر للصيد مغامرة محفوفة بالمخاطر ، إذ كانت سفن العدو العابرة تُغرق قوارب الصيد بمجرد رصدها. وهكذا لم يجد «جون» بُدّاً من هجر عمله والانتظار على الشاطئ ، متضرعاً إلى الاله أن يضع أوزار هذه الحرب قريباً.

وكأن معجزة قد حدثت ، فبعد أن ظل ميناء «ساوث المياه» محاصراً لشهر كامل ، أبحرت السفينتان الحربيتان اللتان تنفثان الدخان بعيداً بوقاحة.

ولما لم يظهر للعدو أثر في المياه ليوم كامل ، بدأ مسؤولو الميناء في إجبار الصيادين على الإبحار ؛ لتمشيط المياه المفتوحة والتحقق من انسحاب العدو الفعلي.

وسرعان ما عادت أغلب قوارب الصيد إلى الشاطئ ؛ فتلك القوارب الصغيرة لم تكن بحاجة إلى أرصفة مخصصة ، مما جعلها رشيقة الحركة وصعبة الاستئصال.

حمل الصيادون العائدون أخباراً سارة ؛ إذ لم يجدوا أثراً للسفينة الحربية ، وعاد الهدوء مؤقتاً إلى الميناء. حينها ، انطلقت جهود إعادة الإعمار بكل طاقتها ، تحت إشراف الماركيز «رايبرت» شخصياً لضمان سرعة إصلاح مرافق «ساوث المياه».

قامت بعض السفن التجارية الأكبر حجماً بانتشال المدافع من السفن الحربية الغارقة في الجوار -والتي حُددت مواقعها تقريبياً- باعتبارها أثمن ما في حطام تلك السفن. أما السفن التي لم يُعرف مصيرها أو ما إذا كانت قد غرقت حقاً ، فقد تُركت لأقدارها مؤقتاً.

باختصار كانت الخسائر في «ساوث المياه» -أو بالأحرى في «مملكة الحور»- هائلة لدرجة لا تُوصف إلا بالهول. حيث كانت المصانع تعمل بثلث طاقتها الإنتاجية فحسب ، والطرق تعج بعربات استُدعيت على عجل ومُلئت ببضائع شتى. انتشرت مياه الصرف في الشوارع ، وبدا العمال -الذين أثقل كاهلهم غلاء الأسعار- فاقدي الهمة ، بينما اقترب الإنتاج من الانهيار ، وخيّم شبح الاضطرابات في كل حين.

إن المدينة الحديثة هشّة ؛ إذ يكفي انقطاع مؤقت للمياه أن يثير المشاكل للمواطنين ، فما بالك باندلاع حرب! ورغم جهود الماركيز «رايبرت» ، ظل الميناء موحشاً ، ولم تظهر بارقة أمل للتعافي إلا في اليومين الأخيرين.

ولسوء الحظ لم تكن تلك البارقة تعني «جون» في شيء ، فقد جُنّد قسراً في البحرية. فمع الخسائر الفادحة في السفن الحربية وكثرة الضحايا بين البحارة ، وجدت البحرية صعوبة في تعويض نقص صفوفها ، فسعت لتجنيد الصيادين لسد الفراغ. ولم تكن السفن التي كُلفوا بها سفناً حربية حقيقية ، بل سفناً تجارية مسلحة كانت مختبئة داخل الميناء ، بالإضافة إلى قلةٍ عادت لتوها.

وفي الوقت الذي ظن فيه الجميع أن الخطر قد انقضى ، عادت السفينتان الحربيتان للعدو تنفثان دخانهما الأسود بضراوة خلال الأيام الماضية. أغرقتا السفن التجارية المسلحة المسؤولة عن حراسة محيط الميناء ، ثم أسرتا «جون» -ذلك الرجل الذي لم يعرف إن كان محظوظاً أم سيئ الطالع-.

بعد ذلك أُلقي به في البحر بالقرب من الساحل ليسبح عائداً. وما إن سلّم القارورة التي كانت يحملها بلهفة إلى ضابط في قوات الدفاع عن المدينة حتى جرى احتجازه. وحينها فقط حانت له فرصة ليجلس في هدوء ويسترجع بدقة تفاصيل تلك المدرعة الجبارة.

كان على متن تلك السفينة أسطح خشبية نظيفة ، ومدافع سوداء ، ومداخن شاهقة ، وبحارة يرتدون ملابس أنيقة. بدا أولئك البحارة أكثر هيبة من النبلاء ؛ بقمصانهم البيضاء ، وقبعاتهم المائلة كقوارب صغيرة ، وأيديهم المعقودة خلف ظهورهم ، واقفين باستقامة أشجار الحور. و كما تذكر «راية التنين» الضخمة ، علمٌ لم يره من قبل ، لكنه كان غاية في الجمال. وعلاوة على ذلك كان هناك «إلجان» ضمن طاقم السفينة ، بدا أنه يتمتع بسلطة ، إذ كان الكثيرون يمتثلون لأوامر ذلك القزم.

هل يُعقل أن «مملكة سونجمو» المجاورة قد شنت هجوماً ؟ وهل هذه سفينتهم الحربية ؟ غارقاً في صدمته وإنهاكه ، غط «جون» في نوم عميق وسط تلك التساؤلات.

في الوقت ذاته كان هناك شخص آخر لم يذق طعم النوم. حطم «أوغسطين رايبرت» قارورة الانجراف التي بدت سليمة ، مستخرجاً الرسالة بداخلها. و اتسعت عيناه حين رأى الرسالة السرية التي تركها وكيلٌ موثوق ، فقد ظهر هنا رمزٌ سري مُعد للاستخدام مرة واحدة فقط…

وما إن استرسل في القراءة حتى أصيب بذهول جعله يثب من كرسيه ؛ أربعة عشر مليون عملة ذهبية! حيث كانت «مجموعة تانغ العظيمة» تطالبه فعلياً بأربعة عشر مليون عملة ذهبية!

قبض على الورقة بقوة ، وارتسمت على وجهه ملامح غضب داكن ، كوحش يستعد للانقضاض على فريسته.

«تباً! هل فقدوا عقولهم ؟ كيف يجرؤون على طلب هذا المبلغ ؟ كيف لي أن أدفع لهم أربعة عشر مليون عملة ذهبية ؟» صرخ «رايبرت» في مكتبه ، وهو يقذف بكل ما وقعت عليه يداه أرضاً.

بيد أنه حين استجمع هدوءه ، اتضحت له عدة أمور: أولاً ، أن مبعوثه الموثوق قد وصل بالفعل إلى «بروناس» ، وإن كان ذلك قبل بضعة أيام مما كان متوقعاً. ثانياً ، أن الطرف الآخر يملك وسيلة لإرسال الرسائل إلى الميناء في اليوم ذاته! ثالثاً ، أن «مجموعة تانغ العظيمة» التي يدين لها بمئة ألف عملة ذهبية تمتلك فعلاً القدرة على تحصيل الديون -فهذه السفن المدرعة كانت من صنيعهم-. رابعاً ، أن الوضع الراهن لا يقبل التأجيل ، بل يجب التعامل معه فوراً.

كانت القضية شائكة حقاً ؛ فبصفته رئيس وزراء «مملكة الحور» وماركيزاً كان عليه أن يدرك تبعات هزيمة بحرية لا يمكن الانتصار فيها على المملكة. وإذا كان هناك بالفعل كيان أقوى من «اتحاد شيريك» يدعم «مملكة سونجمو» والممالك الأخرى ، فإن حروب التوسع التي تخوضها «مملكة الحور» قد بلغت منتهاها. بل ربما لا يملكون حتى القدرة على حماية حدودهم ، وإن استمرار الحصار البحري سيؤدي بلا شك إلى انهيار اقتصاد المملكة تماماً.

من الواضح أنه إذا حدثت هذه الأمور ، فسينتهي دوره كرئيس للوزراء ، وستتبخر سمعته العظيمة التي بناها بعد هزيمة «مملكة غيلز» وكأنها لم تكن. فمن غير المرجح أن يثق به الملك -جالب الكوارث- مرة أخرى ، بل ربما يُطاح به كقربان لإنهاء الحرب مع «مجموعة تانغ العظيمة»…

لكن كيف سيتعامل مع الوضع الراهن ؟ هل يرسل شخصاً إلى سفينة العدو ليستخدم تلك الآلة العجيبة لكتابة رسالة وتوجيه المفاوضات عن بُعد كما تقترح الرسالة ؟ يا للسخرية! هل يكشف كل أوراقه للخصم ؟ هل يخبره بحدوده الدنيا ؟ أليس هذا ضرباً من الحمق ؟

والأدهى أنه لا يملك سوى فرصة واحدة للتأكد من أفكار مبعوثه الحقيقية ، إذ لم يكن متاحاً سوى كلمة سر واحدة في ذلك الوقت. كيف سيتسنى له التأكد من هوية الشخص الذي سيرد على الرسالة التالية ؟ ثم إن كل ما سيقوله ، عند نقله إلى مبعوثه ، هل سيتعرض للتحريف ؟ وما يقوله المبعوث ، عند وصوله إليه ، هل سيكون هو الرسالة الأصلية ؟

إن هذه الحالة ، حيث يملك العدو شفافية أحادية الجانب بينما يواجه هو العقبات في كل منعطف ، جعلت «رايبرت» يشعر بالإحباط الشديد. وحين همَّ بقذف الأشياء مجدداً ، أجبر نفسه على الهدوء ؛ فمهما كان الثمن ، عليه أن يوضح الأمور للملك ويضع حداً لهذه المهزلة ، وكلما كان ذلك أسرع كان أفضل!

تجوّلت عيناه في محجريهما وهو يحسب بجدية ما إذا كان ينبغي عليه تسوية ديون «مجموعة تانغ العظيمة». وبالنسبة لرجل مثله كانت المصالح دائماً على رأس الأولويات ، لذا وجب عليه اتخاذ قرار يضمن مصالحه. وبدا جلياً ، في ظل الظروف الراهنة ، أن إيجاد طريقة لتسوية هذا الدين يخدم مصالحه الأساسية بشكل أفضل.

سرعان ما وضع بعض التقديرات التقريبية ؛ أولاً وقبل كل شيء لم يكن بوسعه إعداد أربعة عشر مليون عملة ذهبية لسداد الديون ؛ وإلا فإن «الملك الحور الحادي عشر» سيرسله بالتأكيد إلى منزله للتقاعد. لذا أصبح استبدال الدين بأصول أخرى الخيار الوحيد ؛ مثل الأصول الأكثر قيمة: الأراضي أو الموارد المعدنية!

في السابق ، استردت «مملكة الحور» معظم مناجمها من «شيريك» عن طريق بيع تقنيات «تانغ العظيمة» ، بما في ذلك مناجم الحديد والنحاس داخل أراضيه. فلم يكن بوسعه المساس بأصول المملكة ، لكنه كان قادراً على توظيف تلك الموجودة في نطاق سلطته. ورغم أن هذا سيقلص من دخله إلا أنه سيحفظ له مكانته لدى الملك ، ويضمن بقاءه في منصب رئيس الوزراء ، مع الحفاظ على لقبه وسلطته ، واحتمالية توسيع نفوذه من خلال الغزوات الخارجية.

أما عن دخله ، ففي أسوأ الأحوال ، يمكنه العودة إلى الحياة التي كانت عليها قبل هيمنة «شيريك». ففي النهاية لم يكن الأمر مستحيلاً إذا اضطر لذلك. ولكن الدين الحالي كان ضخماً جداً ؛ والاعتماد على المناجم وحدها لم يكن كافياً للسداد. وبناءً على ذلك كان لا بد من إضافة جزء من الأرض ، مساحة كاملة وذات قيمة محتملة. وبعد تفكير طويل ، قرر استشارة الملك.

كانت أكثر أراضيه قيمة هي ميناء «ساوث المياه» ، معقله الحصين. و لكن ذلك الميناء كان يضم أكبر قاعدة صناعية للمملكة ، ولم يجرؤ على اتخاذ قرار التنازل عنه منفرداً. خطط لأن يسأل جلالته عما إذا كان سيقبل بمقايضة ؛ التنازل عن «ميناء أوسا» ، ثم تسليم «ساوث المياه» للملك ، والسعي للحصول على إقطاعية أخرى في مكان ما.

ففي النهاية ، «ساوث المياه» يمتلك قيمة تفوق «أوسا» بمراحل. ولو استرد «الملك الحور الحادي عشر» «ساوث المياه» ، فسيكون أكثر من راغب في العثور على مكان فقير ليمنحه لـ «رايبرت». بقيت المسأله الأخيرة: بعد إصلاح العلاقات مع «مجموعة تانغ العظيمة» ، كيف يمكنه إدخال أحدث التقنيات وأكثرها نفعاً إلى «مملكة الحور» ؟

تعليق

Subscribe
Notify of
0 التعليقات
Oldest
Newest
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

لقد اكتشفنا أنك تستخدم إضافات لحجب الإعلانات. يرجى دعمنا بتعطيل هذه الإضافات.

لماذا تظهر لك هذه الرسالة بالرغم من انك لا تستخدم مانع اعلانات؟!

قد تكون تستخدم غي بي ان به خاصية منع الاعلانات.

او قد تكون اعدادات الشبكة تحمل DNS يقوم بحظر الاعلانات.

الحل الامثل استخدام متصفح كروم او اي منصفح لا يملك خاصية منع الاعلانات واذا كانت المشكلة موجودة وانت لا تستخدم اي شئ جرب فتح الموقع بإستخدام في بي ان ولتكن الدولة مثلا امريكا.

ايضا العضوية المدفوعة تمنع ظهور هذه الرسالة وتمنع الاعلانات.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط