تم البدأ بإستخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق على الفصول المنشورة من تاريخ ٣١-١-٢٠٢٦ نتمنى لكم قراءة ممتعة

إمبراطورية الذخائر 217

هل تريد أن تصبح ثرياً ؟+

«يا إلهي!» هتف الشابُ مذهولاً ، ولم يستطع كتم صرخته وهو يحدق في البناء الشاهق المكون من عشرة طوابق الذي انتصب أمامه ، وقد ارتسمت على وجهه علامات الذهول.

كان يقف في منتصف الطريق ، وكأنه يرى المستقبل بأم عينيه ؛ فإلى جانب ذلك البناء غير المسبوق كان هناك مبنى ضخم آخر يتألف من خمسة عشر طابقاً يوشك على الاكتمال.

وعلى جانبي الطريق كانت تصطف مبانٍ فخمة من خمسة طوابق ، وقد تزينت جدرانها الجانبية العريضة بملصقات لامرأة جميلة بوضعية مثيرة. وفي أعلى الملصق ، كُتب شعار بخطوط مزخرفة يرحب بزوّار «شارع بروناس رقم 9» ؛ فكل من أمضى في مدينة «بروناس» يومين كان يعلم أن هذا الشارع هو أشهر أحياء الضوء الأحمر في المنطقة.

وبصراحة القول كان هناك فيضٌ من المباني الشاهقة ؛ ففي غضون ستة أشهر فقط ، تضاعفت الأبراج في «بروناس» ارتفاعاً ، وزادت عشرة أضعاف أو أكثر عما كانت عليه من قبل.

وخلال أشهر معدودة ، حُطم الرقم القياسي لأطول مبنى مراراً وتكراراً حتى بات «فندق بروناس» ، ذلك الصرح الذي استثمرت فيه «مجموعة تانغ العظيمة» وأشرفت على بنائه ، هو صاحب الرقم القياسي الحالي.

لقد كانت فخامة هذا الفندق تفوق الخيال ، يرتاده المشاهير من كل حدب وصوب ، بل إن العديد من النبلاء والأمراء حجزوا فيه غرفاً دائمة لهم. ولم يكن ثمة مفر من ذلك ؛ فقد صار الفندق رمزاً للنفوذ ؛ فإذا لم تكن تملك غرفة في «فندق بروناس» ، فمن السهل على الآخرين التشكيك في ملاءتك المالية ، مما يقلل من ثقتهم في عقد الصفقات معك.

وبالطبع ، أصبح الرقم القياسي لارتفاع هذا الفندق الضخم ، المكون من سبعة عشر طابقاً ، مهدداً بالزوال ؛ إذ أعلنت أكثر من عشرين ورشة بناء في «بروناس» أنها ستبني أبراجاً تتجاوز الخمسين متراً في الارتفاع. بل إن ثلاثة من تلك المشاريع قد أعلنت عن أطوال تقارب المئة متر ، وهو أمر يستحيل العثور عليه في أي مكان آخر.

كان الطريق يعج بالحركة حتى إنه لمح نوعاً جديداً من المركبات التي لا تعتمد على الخيول في تنقلها ؛ وهو مشهد لم يسبق له مثيل في أي مكان آخر. حيث كانت هذه المركبات تندفع بسرعة ، مما يضطر المشاة إلى التنحي جانباً ، بينما كان النبلاء في داخلها يرفلون في فخر ، مستمتعين بالراحة غير المسبوقة التي وفرتها التكنولوجيا الجديدة. ولم يكن فخرهم بلا سبب ، ففي «بروناس» وحدها كان بإمكانهم اقتناء وسائل النقل العصرية تلك التي لا تتوفر في أي مكان غيرها.

وبعيداً عن هذه المركبات ، ظلت العربات التي تجرها الخيول هي وسيلة النقل السائدة ؛ إذ كانت شوارع «بروناس» وأزقتها تكتظ بالعربات ، إلى جانب بعض العربات اليدوية والخيول. باختصار كانت حركة المرور هناك مزدحمة للغاية وتتسم بتنوع هائل ؛ حتى إنك قد تشاهد شرطياً يمتطي جواده وهو ينحني بوقار ليتحدث مع سائق إحدى تلك المركبات.

وبعد أن تفادى عربة تجرها الخيول محملة بالبضائع ، رأى مجموعات من الأطفال يحملون حقائب مدرسية يسيرون على حافة الطريق ، مارّين بصنابير إطفاء الحريق المطلية باللون الأحمر ، والتي كانت ارتفاعها يتجاوز ثلاثة أمتار ، وهي تختلف تماماً عن معدات مكافحة السنه اللهب في العصور اللاحقة. إن رؤية مثل هذه الأجهزة المتطورة في المدينة كانت تجربة إعجازية بحد ذاتها ، ففي المدن الأخرى لم يكن من السهل العثور على معدات مماثلة.

ثم وفي خضم ذلك الصخب ، شهد الشاب مشهداً آخر لا يُنسى: مجموعة من الفتيات الواثقات بجمال أخّاذ. فلم يكن من السهل مصادفة مجموعات كهذه في مدن أخرى ، كما كنّ يرتدين ملابس فاخرة نادرة الوجود. فكنّ يتجاذبن أطراف الحديث ويضحكن بأصوات كأنها رنين الأجراس ، ورؤوسهن مرفوعة كما لو أن العالم بأسره ينتظر منهن السيطرة عليه. ولا حاجة للتخمين ؛ فكنّ طالبات من «جامعة بروناس للنساء» ، وهي جامعة عصرية أخرى أسستها «مجموعة تانغ».

وفي «بروناس» لم تكن المرأة في مرتبة ثانوية ؛ بل على العكس ، كنّ قوة دافعة للتطور السريع للمدينة. ومن بينهن طالبات في الهندسة المعمارية ، والأزياء ، والفنون ، والرياضيات ، والفيزياء ، والطب ، والكيمياء… وبالطبع ، العديد من الجميلات من «أكاديمية تانغ العسكرية» اللواتي يدرسن الاتصالات ، والاستخبارات ، والاغتيال ، والقتال ، وحتى القيادة العسكرية.

كان في «بروناس» مئة وسبعون ألف عاملة ، وهو عدد يفوق إجمالي عدد الفنيات في مملكة «ليتي» بأكملها في السابق. حيث كانت هؤلاء النسوة مسؤولات عن صناعة النسيج ، ودباغة الجلود ، وتحضير المواد الكيميائية الخطرة والشديدة. بالإضافة إلى ذلك تولّين إدارة دور الحضانة ، ورعاية الأطفال ، والتمريض ، والمهام الطبية ، مما رفع من شأنهن كثيراً في «بروناس».

أما «العمة كوي شي» الممتلئة القوام التي اعتادت الطبخ لـ«تانغ مو» ، فقد أصبحت الآن تدير المنظمة النسائية في «بروناس» ، وتساعدهن في الحفاظ على حقوقهن. وبوجه عام لم يكن أحد ليجرؤ على إزعاج هؤلاء النساء المستقلات ، لأن رئيستهن ليست سوى تلك المرأة الصارمة التي كانت تطهو الطعام لـ«تانغ مو» بين الفينة والأخرى. فمن من المسؤولين عن القوة العسكرية والسياسية في «بروناس» ـــ بمن فيهم حارس «تانغ مو» الشخصي «ويس» ، ومدير الإنتاج «باكون» ، وكبير المهندسين «ماثيوز» ، ورئيس الأركان «لوف» ، وقائد الجيش «تاغ» ، و«ريدمان» ـــ لم يذق من «العمة كوي شي» تقنيتها القاتلة: «مغرفة الارتجاف» ؟

وفي الأفق البعيد كانت تحلق عدة مناطيد هوائية كانت جميعها مخصصة لاختبار الأدوات ؛ حيث كان على العاملين في الأعلى تحديد دقة بعض الأجهزة تحت ضغوط جوية مختلفة.

كانت مجموعات من الناس تمر بجانب الشاب القادم من خارج المدينة ، وبنظرة واحدة ، أدرك أن أحدهم من «عرق الجان». كان ذاك الرجل القزم يضحك ويتحدث مع من حوله ، محتضناً بين ذراعيه كيساً ورقياً مملوءاً بالخبز والخضروات كالجزر.

كان كل ما تقع عليه عيناه مختلفاً تماماً عن أي مكان آخر ؛ فبجانب الشوارع المزدحمة كانت النوافذ الزجاجية الصافية تعرض أجمل الأزياء. وفوق متجر الملابس كانت هناك لوحة تحمل بصمة فنان ماهر ، وكان صاحب المتجر رجلاً مسناً وأنيقاً ، يتدلى شريط قياس حول عنقه ، وتستقر نظارات سميكة على جسر أنفه.

للحقيقة لم يرَ في حياته هذا العدد الكبير من المتاجر ؛ فالشوارع والأزقة هنا كانت تفيض بالمحلات ، وبعضها كان بحجم مبنى كامل ، يبيع كل ما يمكن تخيله. وحتى في المتاجر الصغيرة كان أصحابها في غاية الحماس ، يروجون لبضائعهم من أدوات مائدة فاخرة ، وشمبانيا ، وكافة أنواع المشروبات.

كانت لافتات النوادى الليلية الضخمة تتشابك مع الأسلاك ، وقد دخلت الكهرباء إلى أجزاء كثيرة من «بروناس» ، مما جعلها تبدو أكثر حداثة وإبهاراً من أي مكان آخر. حيث كان الأمر أشبه بمدينة «شنغهاي» في ثلاثينيات القرن الماضي ، حيث تضم المباني ذات الطرز المختلفة أشخاصاً من كل نوع ، يستمتعون جميعاً بفوائد التقدم التكنولوجي ، ويعيشون في الوقت ذاته حياة ليست بالكامل مثالية تحت قيود الزمان.

في الليل ، يظهر الفارق بين «بروناس» والمناطق الأخرى بوضوح ؛ فالشوارع المضاءة بالكهرباء تبدو أكثر سحراً. ومقارنة بالمدينة الملكية أو مدينة الذئاب كانت «بروناس» مدينة لا تنام بحق. لم يسمع سكانها كلمة «حظر تجول» منذ زمن بعيد ، وأصبح الخروج ليلاً للاستمتاع بالأوقات عرفاً متفقاً عليه بين سكان المدينة.

كانت الحانات الرخيصة توفر للعمال أرخص أنواع الخمور ، وكان باعة الوجبات الخفيفة في الشوارع يشهدون العمال الثمالى يغنون ويرقصون. أما أماكن الترفيه ذات الزخارف الفخمة ، فكان الناجحون فيها يقفون ببدلاتهم الأنيقة وأحذيتهم الجلدية عند المداخل ، مع اصطفاف عدد من السيارات والعربات يفوق ما تشهده المدينة في وضح النهار تحت توهج أضواء «النيون».

من كان يتخيل أن هذا المكان المزدهر في العالم لم يكن سوى ميناء صيد صغير لا يتجاوز سكانه عشرات الآلاف قبل عامين فقط ؟ ومن كان يتخيل أنه كان ذات يوم مكاناً لا ترسو فيه حتى السفن الكبيرة ، وبحجم مناولة شحن سنوي يقل عن مئة ألف طن ؟

الآن ، أصبحت أرصفة الميناء قادرة على استيعاب أكبر سفن الشحن في العالم ، مع قدرة على تفريغ ثلاثين سفينة بحرية ضخمة في آنٍ واحد. يعمل في الميناء أحد عشر ألف شخص ، مهمتهم نقل الصلب المستقدم من جميع أنحاء العالم بأسعار باهظة إلى «محطة قطار بروناس» التي شُيّدت بجوار الميناء.

إن كمية البضائع التي يفرغونها يومياً تتجاوز خمسين ألف طن ، ولولا دعم النقل البحري لكانت «بروناس» تواجه مجاعة حقيقية الآن! كميات لا حصر لها من المعادن تُنقل إلى «بروناس» من كافة الأصقاع ، ولتوفير الوقت ، فإن معظم المعادن تصل بعد أن صُهرت بالفعل إلى سبائك!

إن «تانغ مو» ، من أجل إنتاج الذخيرة ، وتصنيع المنتجات الأخرى ، وتلبية الطلب على معدات الإنتاج والأسلاك ، بالإضافة إلى الاحتياطيات الاستراتيجية ، يستهلك ما لا يقل عن ألفي طن من النحاس الخالص كل شهر. قد لا يبدو هذا الرقم ضخماً ، ولكن بالنظر إلى استهلاك النحاس الخالص في المناطق الأخرى ، يتضح أن «مجموعة تانغ العظيمة» في «بروناس» أصبحت أكبر مشترٍ للنحاس في العالم.

وبعيداً عن النحاس ، هناك الصلب ؛ فلبناء السفن الحربية ، وإنتاج المدافع والأسلحة الأخرى كان استهلاك «تانغ مو» للصلب مرتفعاً بشكل مخيف. بالإضافة إلى ذلك فإنه يستخدم كميات كبيرة من حديد التسليح والخرسانة لبناء المدينة ، مما زاد من استهلاكه للصلب بشكل هائل.

في يومنا هذا ، نصف الطاقة البحرية الداخلة إلى «بروناس» وثلث طاقة النقل البري على الأقل مخصصة لنقل خام المعادن ؛ حتى اكتسبت «بروناس» لقب «مدينة الصلب» من المناطق المجاورة. وهي بحق استحقّت هذا اللقب ، إذ ربما تكون المدينة الأولى في العالم التي تم تحديثها بالكامل.

بوجود محطة مياه حديثة ، ونظام صرف صحي يتوسع باستمرار ، ونظام طاقة كهربائية… هذه الأشياء لا تضاهيها أي مدينة كبرى أخرى. و لقد أصبح «تانغ مو» ، الرجل الذي خلق كل هذا بنفسه ، أسطورة من نواحٍ عديدة ، وبدأ اسمه يتردد في أرجاء دول كثيرة.

يتداول التجار فيما بينهم مقولة: «أتريد الثراء ؟ اذهب إلى بروناس! فسواء كنت عامياً أو نبيلاً ، يمكنك دائماً جني ثروة هناك. أتريد ثروة طائلة ؟ اذهب إلى بروناس! بِع كل ما تملك ، وحوّله إلى صلب وانقله إلى بروناس! آه ، وتذكر… ابقَ بعيداً عن الكازينوهات!»

تعليق

Subscribe
Notify of
0 التعليقات
Oldest
Newest
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

لقد اكتشفنا أنك تستخدم إضافات لحجب الإعلانات. يرجى دعمنا بتعطيل هذه الإضافات.

لماذا تظهر لك هذه الرسالة بالرغم من انك لا تستخدم مانع اعلانات؟!

قد تكون تستخدم غي بي ان به خاصية منع الاعلانات.

او قد تكون اعدادات الشبكة تحمل DNS يقوم بحظر الاعلانات.

الحل الامثل استخدام متصفح كروم او اي منصفح لا يملك خاصية منع الاعلانات واذا كانت المشكلة موجودة وانت لا تستخدم اي شئ جرب فتح الموقع بإستخدام في بي ان ولتكن الدولة مثلا امريكا.

ايضا العضوية المدفوعة تمنع ظهور هذه الرسالة وتمنع الاعلانات.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط