الفصل 346: الفصل 106 "ضوء النجم " يعيد ترتيب أوراقه ، ويطلب المشورة من "بيهي "
«في طائفة ييشين ، حالي معكم كحالكم في عائلاتكم ؛ فلا أحد منا يملك مساراً شرعياً للارتقاء. إن تلك المشاعر والخواطر التي تتملككم حين تنظرون إلى الموهوبين من نسل العائلة المباشرين ، هي ذاتها مشاعري حين أنظر إلى ييمو».
«قوي ، مهيب ، يرهب الآخرون معاداته ، ومع ذلك يغبطونه ، يودون الاقتراب منه ، لكنهم يأبون إذلال أنفسهم».
«ييمو في عليائه ، بينما لا أملك إلا الانحناء خضوعاً. هو لا يلقي لي بالاً أبداً ، لكنه رابض في سويداء قلبي».
«أعتدُّ بنفسي ، وأشعر أنني كفء في كل شيء ، ولا أقل عنه في شيء. حتى لو أقدم على فعل الشيء ذاته ، فقد لا يتقنه كما أتقنه أنا ، ولكن... حين أراه ، أشعر بالفطرة أنني دونه بمراحل».
«أينما حلَّ ، فهو دائماً محط الأنظار ، محفوفٌ بالهيبة ، تلتف حوله المئات والآلاف ، ولا بد أن يكون هو القطب الذي يدور حوله الجميع. بينما لا أملك إلا الوقوف على الهامش ، مصفقاً ومهللاً ، أو من ضمن الحشد الذي يتملق ، أو حتى أعجز عن الاقتراب منه ، فلا أملك إلا المراقبة من بعيد».
«أنظار السادة معقودة عليه دوماً. أي صنيع يأتيه ، مهما دقّ ، ينال الثناء والتقدير ؛ في حين أن جهودي التي تضاهي جهده أضعافاً مضاعفة ، والتي أنجزها على أكمل وجه ، لا تقابل إلا بـ "لا بأس " فاترة ، أو... ما هو أدنى من ذلك ؛ تجاهلٌ تام».
«حين تقع الواقعة ، وحين تلوح المخاطر ، فإن أولئك الذين يُدفع بهم لتلقي اللوم ، ومواجهة السيوف ، وتقديمهم كقرابين ، ليس هو أبداً ، بل نحن دائماً. فأيُّ واحد منا يمكن انتقاؤه عشوائياً والتضحية به».
تنهد "لورد النجم " (ضوء النجم) تنهيدة خفيفة وقال: «تعلمون أننا هذه الجماعة. لا قيمة لنا ، ولا نؤتمن على مسؤولية ، ولا نصل... إلى المناصب الرفيعة حقاً! ومع ذلك علينا أن نبذل عشرة أضعاف ما يبذله الآخرون لنبقى على قيد الحياة فقط!».
في تلك اللحظة ، طأطأ الجميع رؤوسهم في القاعة ، وقد غمرت وجوههم مشاعر عميقة من التعاطف والألم. حتى إنَّ دموع البعض ترقرقت في عيونهم ، ولا سيما الشابات منهن ، إذ كانت الدموع تنهمر على وجوههن. وبحكم فطرتهن الرقيقة كان هذا الشعور لديهن أعمق وأشد وطأة.
إن الأخوات من النسل المباشر للعائلات الكبرى هن أميرات العائلة ، اللواتي يُحطن بالرعاية كاللآلئ الثمينة منذ نعومة أظفارهن. بينما نحن ، أبناء الفروع الهامشية... لا نساوي شيئاً حتى مقارنة بالخدم.
لقد لامست كلمات "لورد النجم " قلوب الجميع مباشرة ؛ بل كانت صدى لأصواتهم الداخلية. كاد الكثيرون منهم يوقنون أن هذه الكلمات نابعة من أفواههم هم. كلمات ظلت مدفونة في صدورهم لزمن لا يعلمه إلا الاله ، وها هو "لورد النجم " يجهر بها! حتى أقسى القلوب بدأت تخفق تأثراً.
قال "لورد النجم " بصوت رقيق: «ربما يقول قائل: لقد وُلدتم في عائلات ذات بأس ، وتنعمتهم بالرفاهية منذ المهد ، ولا ينقصكم شيء في حياتكم ، ولا تحتاجون حتى للعمل ، يمكنكم التمتع بالراحة حتى الشيخوخة والممات. فبمَ تشتكون إذاً ؟».
ابتسم الجميع ابتسامة مريرة. أجل ، هؤلاء الذين يتفوهون بمثل هذا الكلام لن يدركوا أبداً كيف يفكر البشر في بيئات مختلفة. فحياتهم الحالية قد تكون حلم الكثيرين ، ولكن...
«لذا أسأل نفسي كثيراً: لماذا ؟ وبأي اليس كذلك ؟».
كان صوت "لورد النجم " خافتاً ، لكنه تردد كصوت رعدٍ مكتوم في قلوب الجميع. كوقع الصاعقة.
«لماذا يجب أن أكون دونهم ؟ ولماذا يجب أن أكون ذليلاً متملقاً ؟ ولماذا يجب أن أعيش دوماً تحت رحمة الآخرين ؟ ولماذا لا أملك مساراً شرعياً للترقي ؟!».
«لماذا يجب أن أكون القربان ؟ لماذا يجب أن أُستخدم في التحالفات ؟ ولماذا يجب أن أكون أنا من يواجه الأهوال ؟ ولماذا لم يلتفت إليّ أحد رغم جهودي المستمرة ؟».
مضى "لورد النجم " بخطواته واضعاً يديه خلف ظهره ، وكأنه ينظر إلى وجوههم ، وكأنه لا يراهم في آن واحد. و لكنه كان يستشعر بوضوح تلك الشعلة المتوقدة في صدورهم.
«في ذلك اليوم ، رأيتكم جميعاً». قال "لورد النجم " بنبرة خافتة: «ثم فكرتُ في الأمر ، بجمع هؤلاء المنسيين من مختلف العائلات والطوائف... أتساءل... هل بوسعنا تغيير العالم ؟ هل يمكننا تحدي القدر ؟ هل نستطيع... تبديل أحوالنا ؟».
«وهكذا ، قطعنا هذا الطريق حتى بلغنا ما نحن عليه اليوم».
«أما المستقبل ، فلا أعلم عنه شيئاً».
«ولكنني ، معكم الآن ، أصبحنا مختلفين عما كنا عليه».
لم يكن صوت "لورد النجم " عالياً ، لكن كل فرد حاضر شعر بوضوح نفاذٍ غريب ، وكأنَّ عقله قد هزته فكرة جديدة. و بدأت تبرعم في أذهانهم أمور غير مسبوقة لم يتخيلوها من قبل.
«لهذا أدفعكم باستمرار ، وأجلد عزيمتكم دوماً... وفي لحظات أرى فيها قلة طموحكم ، أشعر برغبة في الفتك بأحد».
ضحك "لورد النجم " ضحكة ساخرة: «إذا نجح واحد منا... فهل يكفينا ذلك ؟».
طأطأ الجميع رؤوسهم خجلاً.
«إن حلمي الأكبر ، وأسمى رغباتي الأنانية ، هو أن نستطيع في المستقبل فعل الأشياء معاً. أن نقف صفاً واحداً متكاتفين ، نشكل تحالفاتنا... ونصارع العواصف. وفي أحسن الأحوال ، أن نعيش جميعاً ، ونرتقي جميعاً إلى المناصب العليا».
«لكنني أعلم أن ذلك محال حتى أنا لا أضمن بقائي على قيد الحياة حينها و ربما قبل انتصاف الطريق ، سأكون قد رحلت».
ابتسم "لورد النجم " قائلاً: «لكنكم مختلفون أنتم لستم في ولاية "باييون " إلا لفترة مؤقتة ، كالتمساح الذي يغادر الماء ، أو كالنمر الذي يسقط في أرضٍ منبسطة. و لكن حين تغادرون هذا المكان وتعودون إلى المقر الرئيسي... ستكونون في مأمن من الأخطار المميتة».
«لذا أنتم تملكون الفرص للنمو في هدوء».
«حينها... ومن أجل طموحاتنا ، آمل منكم جميعاً ، حينما يواجه بعضكم بعضاً في تحديات ، أن يمد كلٌ منكم يده للآخر».
قال "لورد النجم " برفق: «إذا ما بلغ أحدكم المناصب الرفيعة ، وكنتُ أنا ، ضوء النجم ، قد رحلت عن هذه الدنيا ، فارجوا زيارة قبري وإيقاد بخور لتخبروني: لقد نجح أحدنا!».