الفصل 243: الفصل 14: الوكيل "فانغ "
تكلف "فانغ تشي " ابتسامةً مريرة ، فقال له الشيخ "شين " وهو يزفر بضيق ويرمقه بنظرة حادة "لا تظننَّ أنني أمزح معك! بمجرد ذهابك إلى ’قاعة الحراسة‘ ، كن حذراً للغاية. وحين تصل إلى هناك ، حافظ على تواصلك مع ’جون هي فانغ‘ ، ولا تندفع بتهور في تنفيذ أي مهمة... فبطريقة تفكيرك هذه ، أخشى حقاً أن تلاقي حتفك في غضون أيام قليلة ".
تنهد الشيخ "شين " مكملاً "هذه المسأله ، وأولئك القوم في قاعة الحراسة ، يبيتون لك نوايا سيئة بوضوح. إنهم رجالٌ قساة القلوب عديمو الرحمة ، لا تجد بينهم رجلاً صالحاً واحداً ".
طمأنه "فانغ تشي " قائلاً "لا تقلق ، أنا أعي ما تقوله ".
بعد أن هام "فانغ تشي " على وجهه في أرجاء مكان الشيخ "شين " طويلاً ، ظل عاجزاً عن استنتاج السبب وراء غموض "جوهر القوة الإلهية " مما أشعره بإحباط شديد.
سأله الشيخ "علامَ تتجول وتتحير ؟ ".
أجاب "أفكر في معضلة جوهر القوة الإلهية ". ثم تابع متسائلاً "السيد "شين " كم مضى من الوقت منذ تناولتَ ’حبة الخلود‘ تلك ؟ وكم عاماً تعتقد أنك ستعيش بعد ؟ ".
تأثر الشيخ "شين " وغضب في آنٍ واحد ، فوبخه قائلاً "ما زال في العمر بقية لثلاثمائة أو أربعمائة عام أخرى ، اهتم بنفسك أولاً! كيف تجرؤ على التفكير في ’جوهر القوة الإلهية‘ ؟ حقاً إنك لا تدرك ضخامة السماء وعمق الأرض ، تباً لك! طالما لم أفارق الحياة ، فحتى لو قُتلتَ خطأً ، ربما سأكون موجوداً لألقاك في حياتك القادمة! ".
ثم أردف بنبرة ضجرة "اغرب عن وجهي! عد إلى ديارك واشرع في تكوين أسرة! "
وبعد أن طرده لمسافة بعيدة ، ظل الشيخ "شين " قلقاً ، فناداه "لدي طريقة للحصول على ذلك الشيء ، إياك أن تتصرف بتهور! "
أجابه "فانغ تشي " "حسناً ". ثم التفت ولوح بيده ورحل....
لأربعة أيام متتالية ، وفي بردٍ قارس ، خضع "فانغ تشي " لتدريب مكثف دون توقف على يد المدربين الأربعة ، بمن فيهم "لي تشانغ كونغ ".
يجب القول إن المدربين الأربعة كانوا أشبه بموسوعة شاملة ، فمهما سألتهم ، تجد عندهم إجابة ؛ لا سيما فيما يتعلق بخبرات "جيانغهو " وفنون القتال ، والتعامل مع المؤامرات ، وصد الكمائن... وكيفية التعامل مع العلاقات المهنية ، والعلاقة بين الرؤساء والمرؤوسين ، وقراءة تعبيرات الوجوه... وما إلى ذلك من علوم السفينه والجغرافيا ، وأسرار الطوائف والمدارس ، فقد أُشبعت عقولهم بكل ذلك. حيث كانوا يتحدثون بكل ما يخطر على بالهم ، كمن يلقم طيراً الطعام قسراً ، ليملؤوا رأس "فانغ تشي " على مدار أربعة أيام وليالٍ.
دُرب "فانغ تشي " حتى كاد يشعر أنه يذوق الموت ويصعد إلى السماء خلال تلك الأيام. وبحلول اليوم الأخير ، بدأ يشعر بضغط هائل في رأسه ؛ فقد امتلأ ذهنه بالمعلومات حتى اختل توازنه.
في اليوم الأخير ، جلس "دوان تشونغ ليو " و "لي تشانغ كونغ " و "بينغ شانغ شيو " و "باو فاي يو " مع "فانغ تشي " وأجبروه على تصفية ذهنه ، ثم ألقوا عليه خطاباً مهيباً:
"أينما كنت ، فإن القساة وحدهم هم من يستطيعون الاستمرار ، والبقاء على قيد الحياة ، والعيش أفضل من غيرهم! "
"إذا كان ضميرك مرتاحاً ، فاضرب أولاً دون أن تتخلى عن الأخلاق! "
"عندما يكيد لك الآخرون ، فإن طريقتك في مواجهتهم لا تخالف المبادئ. "
"اللطف فضيلة ، لكن اللطف الأعمى حماقة وليس فضيلة! "
"لللطف شرط مسبق ، وهو أن تكون حياً لتكون لطيفاً. "
"التسامح فضيلة ، لكن التسامح المفرط جبن. "
"طاعة الرؤساء فضيلة مهنية ، لكن الطاعة العمياء تعني أنك كلبٌ لهم! "
"في أزمات الحياة والموت ، التضحية بهدوء في لحظات اليأس بطولة ، أما إن كان هناك أمل في النجاة ، فالتضحية حينها موتٌ مجاني. "
"تقدير الموقف لا يعني الانجراف مع التيار. "
"الحفاظ على الأرواح الثمينة يبدو عذراً للجبناء ، ولكن أحياناً إذا كانت قيمتك هي الأعظم بين مجموعة ، فإن بقاءك حياً هو أمنية الجميع! "
"المصالح في كل مكان ، تعلم كيف تزنها! "
"حتى في ’معسكر الأخيار‘ ، عند مواجهة المصالح ، يطغى شر النفس البشرية على خيرها! عليك أن تميز بوضوح! "
"من يتحدث إليك ، سواء كان بشراً أو شيطاناً ، يجب أن تفرق بينهم بدقة. "
"قبل أن تنطق بكلمة ، مررها على عقلك أولاً! لا تتحدث بتهور أبداً ومع أي أحد! "
"بعض الكلمات إذا قيلت لا تُسترد ، ودوماً ما تكون هناك كلمة منها تجعل المرء يندم عليها مدى الحياة! "
أنهى المدربون نصائحهم بجدية ، وعندما بزغ الفجر ، صمت الجميع ، وظهر الحزن على وجوههم.
أحضرت "بينغ شانغ شيو " زي "قاعة الحراسة " الجديد ، وبطاقة الهوية ، وقالت "يا ’فانغ تشي‘ كان يجدر بأمك أن تلبسك هذا الزي. و لكنها ليست هنا ، وأنت يا بني ، عاقل لأنك لم تجرها إلى هذا الصراع. لذا بصفتي مدربتك ، وبمثابة أمك ، سأساعدك في ارتدائه ".
"فانغ تشي ، بارتدائك هذا الزي لم تعد طالباً ، بل حارساً في القاعة العظيمة. "
نظر "فانغ تشي " إلى الزي بنظرات جادة ، وقف وخطا ثلاث خطوات ، ثم استدار وانحنى بعمق للمدربين الأربعة. ابتسم المدربون وهم في قمة فخرهم وقبلوا انحناءته.
مدَّ "فانغ تشي " يده وأخذ البطانة الداخلية من "بينغ شانغ شيو " وابتسم ، ثم استدار خلف الستار. سُمع حفيف ملابسه وهو يغيرها ، ثم خرج.
نشرت "بينغ شانغ شيو " الرداء الخارجي ، ولفته حول "فانغ تشي " ووجهت يده إلى الكم ، وجمعت الرداء وأغلقت الأزرار. ثم أحاطت بظهره ، وسحبت الحزام من الخلف إلى الأمام وربطته بإحكام ، وسوت التجاعيد بعناية ، وأخيراً وضعت القبعة على رأسه وعدلتها.
كانت "بينغ شانغ شيو " رقيقة ودقيقة ، والآخرون صامتون. انتهت من عملها وتراجعت خطوتين ؛ بدا "فانغ تشي " الآن كوكيلٍ شاب ، يرتدي قبعة وزي الوكيل بوقار.
كان الزي مثالياً عليه ؛ رداء أزرق داكن يصل إلى كاحليه ، بنقش خفيف لرأس نمر على الصدر ، وحزام أزرق يتدلى منه سيف طويل ، ويحمل خنجراً على ظهره. حيث كان وجهه كاليشب ، وقامته ممشوقة ، وعيناه تنضحان بالرفق واللطف.
قال "فانغ تشي " وهو يضم يديه وينحني "أيها المدربون الأربعة ، هذا المرؤوس يقدم احترامه لكم ".
احمرت عينا "بينغ شانغ شيو " وضحكت قائلة "لا تزال ذلك الطفل! ". تقدمت وعدلت التجاعيد في ملابسه ، ثم تراجعت وقالت برضا "تبدو رائعاً ".
سأل "لي تشانغ كونغ " "هل هناك شيء آخر تود ترتيبه ؟ ".
"نعم ". مشى "فانغ تشي " نحو كومة من ملابسه ، وقلبها ، ثم أخرج سيفين.
"لدي هذان السيفان ، حصلت عليهما بالصدفة. و هذا ’سيف الفولاذ الريحي‘ ، أرجو أن تسلموه لابن عمي ’فانغ تشنج يون‘ ".
سيف الفولاذ الريحي ، بمادته هذه ، يُعتبر سلاحاً إلهياً حتى في يد مقاتل عادي ، ولا يؤهَّل لحمله إلا من كان في مرتبة أدنى من "جنرال عسكري ".
سألوا "والآخر ؟ ".
"الآخر يقال إنه مصنوع من المسحوق المضغوط ، يرجى إعطاؤه لـ ’دينغ جي ران‘. إذا كان عنده سيف ، سأسترده ".
ضحك "فانغ تشي " "كان هذا السيف عالي القيمة ، أردت إعطاءه لابن عمي ، لكن قيمته عالية جداً ، وقد تجلب له المصائب. وحتى إن نجا ، فقد يُسلب منه. أما ’دينغ جي ران‘ فالأمر مختلف ، لا أحد يجرؤ على سرقة سيفه ".
ابتسم "فانغ تشي " واتفق المدربون معه ؛ فـ "دينغ جي ران " محمي الآن بسيف "نينغ شيو " فمن ذا الذي يجرؤ على اعتراضه ؟
قال "لي تشانغ كونغ " "لقد فكرت جيداً. و لكن لماذا لا تسلمه لابن عمك بنفسك ؟ ".
ابتسم "فانغ تشي " برفق ونظر إلى ملابسه ، ولم يتكلم.
فهم "لي تشانغ كونغ " والآخرون النية ، ولم يسعهم إلا التنهد. "فانغ تشنج يون " شخص جيد ، لكن لديه زمرة من الزملاء ؛ إن لم يفهموا ، سيظنون أن "فانغ تشي " يتباهى ، وإن فهموا ، سيكثرون من القيل والقال ، مما سيشعر ابن عمه بعدم الارتياح و ربما كان عدم اللقاء أفضل.
قال "لي تشانغ كونغ " "لنذهب. سأرافقك أنا و’السيد هوانغ‘ لتتولى منصبك في قاعة الحراسة ".
قال "فانغ تشي " بدهشة "ألا يتطلب الأمر كل هذا العناء ؟ ".
رد "لي تشانغ كونغ " بهدوء "بل هو ضروري! أنا لست شخصية عظيمة ، لكنني علمت طلاباً في شتى الأنحاء. سأرسل كلمة لطلابك السابقين في قاعات الحراسة الأخرى ليعتنوا بك ، وسأخبر جميع مقاتلي ’أكاديمية بايون‘... بأن يظهروا الاحترام للوكيل ’فانغ‘! ".
بعد لحظات ، وقف "فانغ تشي " أمام مبنى التدريس في أكاديمية "بايون " ينتظر. حيث كان "لي تشانغ كونغ " قد دخل لاستدعاء "هوانغ ييفان ". وقف "فانغ تشي " واضعاً يديه خلف ظهره ، ينظر إلى الأحرف العشرة الكبيرة لأكاديمية "بايون " "بقلب يسعى لإعانة العالم ، تدرك حقاً صعوبة حياة الجميع! ".
خرج "لي تشانغ كونغ " و "هوانغ ييفان " معاً. وعندما رأوا "فانغ تشي " يحدق في الكلمات العشر بذهول ، ابتسموا "هذه الكلمات تحمل معاني عميقة. يقال إن ’سيد الجبل‘ الجديد لأكاديمية ’تيانرين‘ استبدل شعار مدرستهم الأصلي بهذه الكلمات ، دون نقص حرف واحد! ".
قال "لي تشانغ كونغ " "أثار هذا الأمر الكثير من النقاش ، هل يقلد ’سيد الجبل‘ الجديد أكاديمية ’بايون‘ ؟ أم هو تواضع ؟ لكنه لم يرد أبداً ".
تأثر قلب "فانغ تشي " وسأل "من هو سيد الجبل الجديد لأكاديمية تيانرين ؟ وما اسمه ؟ ".
أجاب "لي تشانغ كونغ " "إنه ’تشين فينغ يون‘ ، نجم ’تيانشوان‘ في تلك السنين! ".
صدى رعد قديم تردد في قلب "فانغ تشي ". تنفس بعمق ، ونظر إلى كلمة "فانغ " في الشعار ، وابتسم بخفة قائلاً "حقاً إنها أبيات جميلة ".
"لنذهب ".
"هيا بنا! ".
انطلق الاثنان مع "فانغ تشي " محلقين في السماء.
كان "مو غان يون " والآخرون يراقبون بصمت من بعيد لم يتقدموا للوداع من البداية للنهاية ، لكن نظراتهم كانت مهيبة. حيث كانوا هم من تمتعوا بمزايا الأكاديمية ، بينما كان "الزعيم فانغ " دائماً مضطهداً ومستهدفاً حتى اليوم ، بل ونُفي جزئياً. خشي الأربعة أن يثير ذهابهم إليه ضيقاً في صدر "فانغ تشي " أو مشاعر لا داعي لها عند الرحيل.
قالوا في أنفسهم "الزعيم فانغ ، حين تعود ، سأكون أول من يستقبلك ، وسنحتسي الشراب حتى الثمالة! ".
أمام قاعة حراسة ولاية "بايون " تتفاجأ الحراس برؤية نائب السيد "فان تيانتياو " يهرع للخارج ، وبعد قليل ، خرج السيد العظيم "سونغ ييداو " الذي لم يظهر منذ فترة ببطء. استقام الحراس في وقفتهم ، فكروا "تباً ، هل تأتي شخصية كبيرة اليوم ؟ ".
وأخيراً ، بلمح البصر ، هبط "هوانغ ييفان " و "لي تشانغ كونغ " مع "فانغ تشي " من السماء ، وحطوا على الأرض.
وجهاً لوجه كانت لافتة "قاعة حراسة ولاية بايون " تتألق تحت ضوء الشمس ، مبهرة للأنظار.